بلينكن: سلمنا ردنا لروسيا ولا تراجع عن مبادئ «الناتو»

صعّد لهجته ضد بوتين ويسعى إلى توفير بدائل للطاقة لطمأنة الأوروبيين

بلينكن: سلمنا ردنا لروسيا ولا تراجع عن مبادئ «الناتو»
TT

بلينكن: سلمنا ردنا لروسيا ولا تراجع عن مبادئ «الناتو»

بلينكن: سلمنا ردنا لروسيا ولا تراجع عن مبادئ «الناتو»

قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن السفير الأميركي في موسكو جون سوليفان، سلم الخارجية الروسية رد واشنطن على المطالب الروسية لنزع فتيل الأزمة في أوكرانيا. وأضاف أنه لن يقوم بكشف مضمون الرد عملاً بسرية العمل الدبلوماسي وضماناً لنجاحه. وقال إن بلاده منفتحة على الحوار، وتفضل الدبلوماسية إذا قامت بتقليص عدوانها، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء تصرفات روسيا. وأكد أن المبادئ التي قام عليها حلف «الناتو» لن تتغير، وستبقى أبوابه مفتوحة أمام الراغبين. وقال بلينكن إن الرد أخذ في الاعتبار آراء الحلفاء بالتنسيق معهم، وطور «الناتو» أفكاره حول الأمن، مؤكداً عدم وجود فروقات بيننا. وقال إن الإدارة تشاورت مع «الكونغرس» بخصوص الرد، خصوصاً في ظل اهتمام الحزبين بالقضية.
وأكد بلينكن أنه سيتصل بنظيره الروسي سيرغي لافروف للحصول على ملاحظاته بعد دراسة ردنا. وشدد على أن بلاده ستواصل تقديم المساعدات العسكرية لكييف، إضافة إلى ما أعلنه وزير الدفاع عن وضع 8500 جندي على أهبة الاستعداد لتعزيز الجبهة الشرقية. وتوقع بلينكن إرسال المزيد من تلك المساعدات في الفترة المقبلة، كإجراءات احترازية، وبان واشنطن مستعدة، وتنسق مع الحلفاء لفرض عقوبات قاسية على البضائع والقطاعات الأكثر أهمية لروسيا، وبأنها متحدة مع حلفائها. وكانت الأنظار متجهة نحو دوائر البيت الأبيض والخارجية الأميركية، بانتظار صدور بيان رسمي، عله يقدم «خريطة طريق» للخروج من حالة الجمود، بعد توقف المحادثات الدبلوماسية، وتكثيف «الحرب الكلامية» بين واشنطن وموسكو.
وتنتظر روسيا تلقي إجابات أميركية مكتوبة على المطالب الأمنية الواسعة التي رفعتها العام الماضي، والرامية للحد بشكل كبير من إمكانيات حلف شمال الأطلسي، وهيمنته على شرق أوروبا والدول التي كانت منضوية في الاتحاد السوفياتي السابق. وقال دبلوماسي غربي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «كثيراً من المطالب الروسية غير مقبولة ولا واقعية، لكن الرد يحدد عدداً من القضايا التي يمكن التعامل فيها مع مخاوفهم... السؤال هو إن كان هذا ما يريده الروس». وقال مراقبون إن تصعيد الرئيس الأميركي جو بايدن من لهجته، وتهديده بفرض عقوبات «حتى على الرئيس الروسي نفسه»، بالتزامن مع إعلان «البنتاغون» عن تسيير ما يشبه «الجسر الجوي» للمساعدات العسكرية لأوكرانيا، إضافة إلى وضع 8500 جندي أميركي على أهبة الاستعداد للتوجه إلى أوروبا، يوحي بأن الرسالة قد لا تلبي الطلبات الروسية، لكنها لن تعدم تقديم مخارج مقبولة من الأزمة. لكن تقريراً لوكالة «أسوشييتد برس» أشار إلى أن جهود بايدن لحشد الدعم، سواء في الداخل أو في الخارج، هي مجرد اختبار كبير آخر، لقدرته على «سد الفجوات الآيديولوجية وتحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة لبناء تحالفات فعالة». وأضاف أن سجل بايدن حتى الآن، يوحي بأن الأمر غير مؤكد، إذ يحاول بناء من نوع التحالف على الجبهة الدولية، فيما تستعصي عليه أجندته المحلية، حيث يواجه هزائم في حقوق التصويت ومشروع قانون الإنفاق المحلي والمناخ الذي يبلغ 2.2 تريليون دولار. ويعكس التهديد باستهداف بوتين كزعيم قوة عالمية بشكل مباشر، نية إدارة بايدن لردع العدوان الروسي من خلال رفع الكلفة الباهظة التي قد يتكبدها، فضلاً عن تحميل بوتين المسؤولية الشخصية عن قرار الغزو. وأكد بايدن، أول من أمس (الثلاثاء)، أن أي هجوم عسكري روسي على أوكرانيا ستكون له «عواقب هائلة»، حتى إنه قد «يغيّر العالم». وأضاف: «لقد أوضحت في وقت مبكر للرئيس بوتين أنه إذا انتقل إلى أوكرانيا ستكون هناك عواقب وخيمة، بما في ذلك عقوبات اقتصادية كبيرة، فضلاً عن أنني سأشعر بأنني ملزم بتعزيز وجودنا، ووجود حلف شمال الأطلسي، في الجبهة الشرقية، بولندا ورومانيا، وما إلى ذلك». وهو ما أكد عليه المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جون كيربي، قائلاً إن طائرات النقل العسكرية الأميركية تقوم بالإقلاع والهبوط دورياً في كييف، لتسليم المساعدات العسكرية لأوكرانيا. وأضاف أن الولايات المتحدة ستواصل تقديم تلك المساعدات، وبأن القوات الأميركية التي أعطيت أوامر بالاستعداد للتوجه إلى أوروبا، لا تزال في الولايات المتحدة، موضحاً أن قرار نشرها هو الآن بيد قيادة حلف «الناتو» التي ستحدد التوقيت وأماكن انتشارها. ورغم تأكيده على أن وزارة الدفاع لم ترَ أي علامات لوقف التصعيد من قبل روسيا، التي تستمر في حشد قواتها على الحدود الأوكرانية، أعرب عن اعتقاده بأن الرئيس الروسي لم يتخذ بعد قراره بالهجوم. وأضاف: «ما زلنا نعتقد أن هناك وقتاً ومساحة للعمل الدبلوماسي والحوار... ونريد التأكد من أننا نساعد في توفير ذلك».
غير أن نائبة وزير الخارجية الأميركي، ويندي شيرمان، قالت، الأربعاء، إن كل المؤشرات تفيد بأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ينوي استخدام القوة ضد أوكرانيا بحلول منتصف الشهر المقبل. وأضافت شيرمان أن الرئيس الصيني شي جينبينغ «لن يكون سعيداً»، إذا قامت روسيا بغزو أوكرانيا مع انطلاق الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، مطلع الشهر المقبل.

وأوضحت قائلة: «ندرك جميعا أن (أولمبياد بكين) سيبدأ في الرابع من فبراير (شباط)، أعتقد أنه من المحتمل أن شي جينبينغ لن يكون سعيداً إذا اختار بوتين تلك اللحظة لغزو أوكرانيا». وجددت السفارة الأميركية في أوكرانيا، أمس (الأربعاء)، الطلب من رعاياها على «التفكير في المغادرة الآن».
وقالت السفارة في بيان: «تحضّ السفارة الأميركية المواطنين الأميركيين في أوكرانيا على التفكير في المغادرة الآن على متن وسائل النقل المتاحة سواء التجارية أو الخاصة»، محذّرة من أن الوضع «قد يتدهور دون سابق إنذار يذكر».
في هذا الوقت تحدّث مسؤول أميركي رفيع، أول من أمس (الثلاثاء)، عن عقوبات اقتصادية محتملة على روسيا «تحمل عواقب هائلة» تتجاوز تلك التي فرضت عام 2014، بعدما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا. وقال، في إحاطة صحافية عبر الهاتف، إن التدابير الجديدة ستشمل قيوداً على صادرات معدات التكنولوجيا الأميركية المتقدّمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية وتكنولوجيا صناعة الطيران، وهو ما «سيضرب بشدّة طموحات بوتين الاستراتيجية لتحويل اقتصاده نحو التصنيع».
وعلى مدى أسابيع من المحادثات بين دبلوماسيين روس وأميركيين وأوروبيين، حذّر القادة الغربيون مراراً من إجراءات اقتصادية واسعة النطاق ضد موسكو، في حال وقوع اعتداء. غير أن تأكيدات بايدن بأنه يقف مع القادة الأوروبيين على صفحة واحدة، قائلاً: «إنه تحدث مع كل حلفاء (الناتو)، ونحن جميعاً على نفس الصفحة»، لا تزال تثير شكوكاً كبيرة، في ظل التباينات الكبيرة حول تأثير العقوبات الضخمة على القارة الأوروبية، خصوصاً على قطاع الطاقة، الذي يأتي أكثر من 40 في المائة منها من روسيا. وتبحث إدارة بايدن، عن طرق لتأمين بدائل للطاقة للحلفاء الأوروبيين، في حال خفضت موسكو صادراتها من النفط والغاز، رداً على فرض العقوبات عليها إذا غزت أوكرانيا. وقال المسؤول الأميركي: «نجري مناقشات مع كبار منتجي الغاز الطبيعي في جميع أنحاء العالم، لفهم قدرتهم واستعدادهم لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي مؤقتاً، وتخصيص هذه الكميات للمشترين الأوروبيين».وأضاف: «لقد عملنا على تحديد كميات إضافية من الغاز الطبيعي غير الروسي من مناطق مختلفة من العالم من شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى آسيا والولايات المتحدة»، مؤكداً أن مخزونات الطاقة الأوروبية تراجعت بسبب خفض الإمدادات الروسية خلال الأشهر القليلة الماضية.
وقال المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن الإدارة تنسق أيضاً مع كبار المشترين والموردين للغاز الطبيعي المسال لضمان التحويل إلى أوروبا إذا لزم الأمر.
في المقابل، قلل مسؤول أميركي آخر من المخاوف الأوروبية من أن تردّ روسيا على أي عقوبات عبر تقليص صادراتها من الطاقة، بالقول إن موسكو ستؤذي نفسها أيضاً في حال أقدمت على خطوة من هذا القبيل. ولفت إلى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يبحثون في الأسواق العالمية عن مصادر بديلة للطاقة للتخفيف من تداعيات أي نزاع، في وقت تعاني فيه أوروبا في الأساس من ارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير خلال الشتاء.
وقال مسؤول ثالث: «روسيا بحاجة إلى عائدات النفط والغاز بقدر ما تحتاج أوروبا إلى إمدادات الطاقة الخاصة بها»، خصوصاً أن صادرات النفط والغاز تشكل نحو نصف إيرادات الميزانية الفيدرالية لروسيا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.