الأطباء التقليديون عَجزوا.. فهل الطب البديل يُحفّز على المطالعة؟

الأطباء التقليديون عَجزوا.. فهل الطب البديل يُحفّز على المطالعة؟

جرس الإنذار يدق مُنبهًا.. ونجوم الشاشات يقرأون للأطفال
الخميس - 4 رجب 1436 هـ - 23 أبريل 2015 مـ
أطفال يستمعون إلى قصة حلتبيس لرانيا زغير، وأطفال يتفاعلون مع القصة

قلة القراءة أو انعدامها بالكامل، إشكالية تطال فئات عمرية صغيرة في لبنان. جهود تُبذل لجَسر الهوة بين الصغار والكتب. بعض المثقفين يصفون المجتمع بـ«المريض»، ويشيرون إلى محاولات عدة بُذلت «للمُعالجة» عبر أطباء تقليديين فلم تثمر، إلى أن كان التوجه نحو «الطب البديل» بهدف التحفيز على القراءة، فماذا عن النتائج؟
تقول قصة: «كان في حي الريف 3 أصدقاء. وضعهم المادي سيء جدا. كانوا يعانون من ضائقة، وغذاؤهم قليل. عبثا بحثوا في السابق عن عمل... إلى أن جاء يوم الفرج، ووجدوا عملا. بدأوا الاعتناء بالأرض وزراعتها. تحسن وضعهم المادي، وعاشوا بهناء من دون أن يعرضوا أنفسهم للذل».
هذه الحكاية الصغيرة ألفها وكتبها الطفل محمد الحلاق (10 سنوات)، حاول من خلالها التعبير عن واقعه. جهود معلمته في مدرسة مجدل عنجر (البقاع اللبناني) أثمرت قصصا بأقلام الصغار، تحكي عنهم وتخفف بالكتابة والمطالعة عما في داخلهم.
يقول محمد لـ«الشرق الأوسط» إن «واقع الكثير من العائلات – تحديدا النازحة - صعب للغاية. الغالبية تعاني من ضائقة. المال قليل كما العمل. كانت المعلمة تجمعنا في الصف، تحفزنا. نقرأ الكتب معا. تشرح لنا العناوين، تُحدثنا عن الكُتّاب، إلى أن أصبحت أتفاعل معها، وأخذت الفكرة لأكتب قصصا وأؤلف أشعارا وخواطر. وقد شجعني ذلك لأعبّر عن أفكاري وأفكار الآخرين».
«التحفيز يصنع المعجزات وهو مفتاح الحياة الجديدة»، تقول رانيا زغير لـ«الشرق الأوسط»، وهي كاتبة ومؤسسة دار نشر «الخَيّاط الصغير».
تتابع يحتاج قصصا وكتابات «تخلق عنده وعيا جديدا بطفولته، انطلاقا من إضاءة عوالمه الداخلية على نحو مبسط، لكي يصبح بمقدوره استيعاب التطورات السريعة الدائرة حوله وفي العالم الخارجي. والأهم – برأيها - تمكين الطفل من استقبال الثقافات الوافدة من دون أن تُحدث لديه صدمة أو انبهارا أو استسلاما وتأثرا سلبيا».
رانيا زغير حازت جوائز متعددة عن كتاباتها في أدب الأطفال. أعمالها تُرجمت إلى 20 لغة، وهي أصدرت أخيرا أسطوانة «رن رن يا جرس» المُدمجة والمتضمنة مجموعة قصص لها، إحداها ترويها بصوتها، والقصص الأخرى بأصوات أهل الضوء من «مشاهير» الشاشة الصغيرة والمسرح والموسيقى في لبنان، «بهدف خدمة المطالعة» كما تقول. مايك ماسي، وبولا يعقوبيان، ونيشان، وتانيا عوض غرة، وزاهي وهبي، وسلام الزعتري ووسام دلاتي نجوم اجتمعوا ليقدموا 12 قصة بأصواتهم. بالنسبة لرانيا صغير، موضوعُ المطالعة أساسيّ، «لكن المجتمع مريضٌ، وهناك محاولات لمعالجته عبر أطباء تقليديين» لم تنجح. لذا، اخترت «الطبّ البديل»، من خلال التعاون مع مشاهير من لبنان.
كيف للطب البديل أن يُحدث الفرق؟ نسأل زغير، فتجيب: «أن يستمع الأطفال إلى أناس معروفين جدًا لديهم، ويتابعون أخبارهم وأعمالهم عبر الشاشات ووسائط التواصل الاجتماعي مثلاً، هذا كفيلٌ بدفعهم إلى التنبّه إلى أهمية القراءة والمطالعة».
«الأطفال كما الشباب والكبار في السن، عندهم تفضيلاتهم للكتب»، تقول زغير، وتقترح «البدء بقراءة القصص المختلفة للصغار ونلاحظ تفاعلهم معها، ومع الشخصيات فيها، فنبني على الشيء مقتضاه».
في زيارة قصيرة إلى «مدرسة عبرا الرسمية في صيدا» (جنوب بيروت)، يظهر أن الاهتمام بالمطالعة ما زال قائما. الكتاب لم يفقد جاذبيته تماما، ولو أن عالم الإنترنت يبدو طاغيا، واهتمامات الأطفال باتت متنوعة. تقول المشرفة على مكتبة المدرسة، «هناك اليوم الكثير من المجالات للهو. الأهم الترغيب. مثلا، أشرح للتلامذة، وبين يدي قصة، ما فيها بأسلوب مُشوّق. نتفاعل مع ما نقرأ. أسألهم عما يلفت نظرهم، ونثير النقاش. أحيانا أختار أنا القصة، وفي أحيان أخرى أترك لهم الاختيار. المهم إثارة رغبتهم بالمطالعة».
ليست كل المدارس في لبنان مجهزة بمكتبات وأساليب حديثة للتحفيز على المطالعة. «محمد الحلاق» يقول «لا مكتبة في مدرستي، وليس هناك مكتبة عامة قريبة مني». «ليا» سعيدة بمكتبة مدرستها في صيدا، وهنا نتحدث عن مدرستين رسميتين، بينما الحال يبدو مختلفا في المدارس الخاصة.
الكاتبة رانيا زغير تشير إلى أن «الفوارق كبيرة أحيانا بين المدارس الرسمية والخاصة. في الأخيرة مكتبات وقاعات عامة، وتنوع في القصص وبلغات مختلفة. تجد قصصا بالفرنسية والإنجليزية وغيرها.. وليس هذا حال كل المدارس التابعة للدولة».
لا إحصاءاتِ في لبنان ولا مسحَ رسميا يُبين نسبة من يقرأون وبأي لغة يهتمون.
تعتبر «هيلين»، وهي أم لطفلين، أن «التكنولوجيا تكاد تقضي على المطالعة»، وترى أن «التحفيز عملية متكاملة، للعائلة دور مهم، وللمدرسة دور أيضا، وتوافر التسهيلات لا بد أن يكون له أثر إيجابي». هذا ما تذهب إليه أيضا «مي العقيلي»، مسؤولة قسم الأطفال والناشئة في المكتبة الوطنية في بعقلين.
تقول العقيلي لـ«الشرق الأوسط» إن «العامين الماضين شهدا نهضة على صعيد القصة، وأدب الأطفال». هي لم تفقد الأمل بتعزيز المطالعة. تشير إلى برامج تشرف عليها شخصيا وتقسمها إلى قسمين: «في فصل الشتاء، نعمل على برامج مع المدارس. نزور المدارس وننسق مع الأساتذة فيها لاختيار المواضيع. وفي الصيف ننظم نشاطات خاصة بالصغار في المكتبة الوطنية في بعقلين (جبل لبنان)، تتضمن مثلا دورات في الرسم واليوغا وقراءات متنوعة في القصص بحسب الفئات العمرية».
«أقرأ، أفرح وأتسلى»، كلمات بمثابة شفرة عبور إلى عوالم الصغار، تقول العقلي. من خلال اللهو يمكنك إدخال الأطفال إلى عالم الكتب. كأن نلعب معهم من خلال البحث عن موضوع معين في فهرسة الكتب، والمهم ألا يشعر الطفل بأن القراءة واجب ودرس. علينا أن نشعره بأن المطالعة نشاط ممتع.
في زمن آخر، وعوالم الحياة الجديدة، ولد أطفال اليوم. يؤكد العارفون أنّ من الخطأ تقييد الصغار بعوالم آبائهم، لهم اهتماماتهم، وتوجهاتهم والرغبات، وفي زمن الإنترنت ومواقع التواصل، الأكيد أن أبناءنا «رسالة حية نبعث بها إلى المستقبل».


اختيارات المحرر

فيديو