التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022

التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022
TT

التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022

التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022


مع دخولنا عام 2022، ازداد الزخم حول العلوم والتقنية في العالم بوتيرة متسارعة ومثيرة للدهشة، وتعالت الأصوات التي تنادي بأن تكون العلوم والتقنية الأساس في صنع السياسات في العالم.
فمن أزمة المناخ إلى جائحة فيروس «كورونا»، أصبح الجميع يتطلع إلى العلوم والتقنية باهتمام وتركيز غير مسبوقين، وأصبحنا نسمع مصطلح «قائم على العلم» (سواء انطبق ذلك أم لا) لإعطاء أي سياسة سلطة شرعية. ولا شك أن هذا الزخم الحالي للعلوم والتقنية يسلط الضوء على جوهر أعمالنا في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، التي أصبحت في هذا الوقت تمتلك المقومات والخبرة لدعم تطلعات المملكة العربية السعودية بشكل مباشر، والمساعدة في تدريب القوى العاملة في مجال العلوم والتقنية. وهذا بلا شك، يعكس أهمية العلم كعامل تمكين أساسي في رؤية المملكة 2030.

تطور الجامعات

وبالإضافة إلى منصبي رئيساً لـ«كاوست»، فأنا أعمل أيضاً في مجالس إدارات ولجان استشارية لكثير من المنظمات والهيئات في المملكة التي تصنع التغيير، مثل «معهد مبادرة مستقبل الاستثمار» (FII)، و«اللجنة العليا للبحث والتطوير والابتكار» (RDI)، و«الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (SDAIA)، و«مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية» (كاكست)، و«جامعة الملك فهد للبترول والمعادن»، و«نيوم». واستطعت من خلال العمل مع هذه الكيانات أن أشكل تصوراً من الداخل حول المبادرات الطموحة التي تقوم بها المملكة للنهوض بالعلوم والتقنية والتي ستكون أساسية في تشكيل مستقبلها.
تطورت الجامعات خلال العقود الأخيرة في نواحٍ كثيرة، وأصبحت اليوم في أتم الاستعداد لتلبية توقعات المجتمع في القضايا والتحديات الوطنية والعالمية الملحة التي تواجه البشرية، مثل تأمين مصادر الطاقة المتجددة، والتخفيف من ظاهرة تغير المناخ، وخلق بيئة واقتصاد مستدامين، واحتضان الثورة الرقمية مع الحد من تأثيرها على المجتمع، وتسخير العلم للتعامل مع قضايا الصحة العالمية. وجميع هذه التحديات تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة التي تعمل بشكل حثيث على معالجتها متسلحة في جوهرها بالعلوم والتقنية. وعلى الجامعات أن تحذو حذوها وأن تسعى جاهدة للمساهمة بذلك، سواء في تطوير البحوث أو في «تطبيق ما تقوم بتعليمه على أرض الواقع» من خلال إدارة حرم جامعي مستدام وذكي.
سأستخدم «كاوست» هنا كمثال على المجالات التي يمكن أن تكون فيها أي جامعة بحثية مؤثرة جداً. فبعد أن قادت المملكة العربية السعودية بنجاح الاجتماع الخامس عشر لـ«مجموعة العشرين» في عام 2020، أعلنت عن توجهها من الاقتصاد الخطي التقليدي الذي يأخذ المواد الخام كمدخلات وينتج مزيجاً من المنتجات و«النفايات»، إلى الاقتصاد القائم على تدوير الكربون، الذي يشمل خفض الكربون وإزالته وإعادة تدويره وإعادة استخدامه. وأسهمنا في «كاوست» بهذا التوجه من خلال توفير مدخلات فكرية للمناقشة، حتى إننا بدأنا مبادرة تدوير الكربون الخاصة بنا في الجامعة.

مورد ثمين

ولأن المملكة العربية السعودية تعد من كبرى الدول الغنية بالمواد الهيدروكربونية (النفط والغاز)، فإن بإمكانها الاستفادة من هذا المورد الثمين في بناء عالم مستدام يتمحور حول مفهوم تدوير الكربون، ويتم تزويده بالطاقة بصورة أساسية من المصادر المتجددة. وهذا يتيح كثيراً من الاستخدامات الجديدة للكربون والهيدروجين، بصافي انبعاث صفري لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. جدير بالذكر، أن «كاوست» تمتلك نخبة من العلماء والخبراء المتميزين في مجال تقنيات إزالة غاز ثاني أكسيد الكربون وعزله من الغلاف الجوي (سواء بشكل طبيعي أم تقني، وباستخدام الطاقة المتجددة)، فضلاً عن إنتاج وقود «الهيدروجين الأخضر» للتصدير، وفي الوقت نفسه استخدام هذا الكربون المعزول من الغلاف الجوي في إنتاج المواد الجديدة واستخداماتها المتعددة في عمليات البناء والتعبئة والتغليف، حيث يمكن أن يحل محل مزيد من المواد كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي تتعرض إمداداتها للتهديد بشكل متزايد. وبلا شك، سيكون مفهوم تدوير الكربون اتجاهاً عالمياً رئيسياً في عام 2022 وفي العقود المقبلة.
كما ستكون السيارات الكهربائية مفتاح الاقتصاد القائم على تدوير الكربون، وتستحق المراقبة عن كثب في عام 2022 وما بعده، خصوصاً أن بعض الدول أعلنت عن حظر بيع السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2025، وبدأت الأسواق في الاستجابة لهذا التوجه، خصوصاً في الصين التي أصبح لديها بدءاً من عام 2021 أكثر من 300 شركة لتصنيع السيارات الكهربائية، الأمر الذي يعكس طموحها لدخول هذه السوق بقوة.

أميركا والصين

من ناحية أخرى، سيؤدي هذا إلى تكثيف المنافسة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، والتي يمكن للمملكة العربية السعودية الاستفادة منها في كلا الاتجاهين. ومن المقرر أن تصبح «مدينة الملك عبد الله الاقتصادية» موقعاً لإنتاج السيارة الكهربائية الفاخرة لوسيد (Lucid)، والتي يمتلك «صندوق الاستثمارات العامة السعودي» فيها أسهماً كبيرة واستثمارات ضخمة.
وفي السياق نفسه، تستخدم السيارات الكهربائية بطاريات ضخمة من الليثيوم. الأمر الذي يجعل تصنيعها يعتمد على وجود موارد موثوقة وغير مكلفة من عنصر الليثيوم، والذي تمكن باحثو «كاوست» مؤخراً من استخلاصه بنجاح من محلول ملحي من مياه البحر، في عملية يسعى كثير من الشركات العالمية الآن للشراكة في تطويرها. وبالتالي، فإن المحلول الملحي الناتج عن عمليات تحلية مياه البحر، والذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه من النفايات، يمكن استخدامه الآن مصدراً للمعادن القيمة. وبصورة عامة، ستظل عملية تخزين الطاقة تمثل تحدياً رئيسياً ومجالاً سانحاً للتطوير والبحث في المستقبل القريب.
ويشكل إنتاج الغذاء تحدياً كبيراً للمملكة، في ظل قسوة مناخها، حيث تستهلك المملكة كثيراً من الطاقة والمياه العذبة خلال عمليات إنتاج الأغذية، بدءاً من استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية، وصولاً إلى زراعة النباتات الصالحة للاستهلاك البشري وللماشية، وأخيراً عمليات التعبئة والنقل والتحضير. وهناك ابتكارات علمية مثيرة في هذا المجال، خصوصاً في رفع مقاومة النباتات للآفات الزراعية المختلفة، وزيادة تحملها للجفاف والملوحة الشديدة. وتقود «كاوست» الأبحاث والعلوم والتقنية في هذا المجال، خصوصاً فيما يتعلق بمحاصيل الأرز والقمح والكينوا، حيث طور باحثو الجامعة تقنية زراعة الخضراوات والفواكه في مستنبتات زجاجية مناسبة للبيئات الصحراوية الساحلية، تكون موفرة للطاقة وتستخدم المياه المالحة. ولا بد لي هنا من ذكر شركة «مزارع البحر الأحمر» الناشئة في «كاوست»، والتي لديها الآن استثمارات بعشرات الملايين من الدولارات تخولها للعب دور ريادي في تقنيات الزراعة بالقرن الحادي والعشرين. وهذه دلالة على أن الإنتاج الفعال والمستدام للأغذية يشكل تحدياً عالمياً كبيراً لا يمكننا معالجته إلا إذا تقدمنا في العلوم والتقنية.

التحول الرقمي

وقد يكون مجال التحول الرقمي أكثر التطورات إثارة في العلوم والتقنية في عام 2022. وفي هذا السياق، أنشأت «كاوست» مبادرات جديدة في مجالات الذكاء الصناعي، والصحة الذكية، والأمن السيبراني، ونمذجة المناخ المستقبلي، والروبوتات، واستقطبت قيادات وأعضاء هيئة تدريس على أعلى المستويات في هذه التخصصات. كما دخلت الجامعة في شراكات مع القطاعات المختلفة في المملكة لتمكين «الثورة الصناعية الرابعة» من أجل التكامل الفعال والذكي لأنظمة الإنتاج اللامركزية والتحكم في «تقنيات إنترنت الأشياء» التي تشهد اليوم تطوراً متسارعاً. جدير بالذكر أننا في «كاوست» نطبق فعلاً ما نقوم بتعليمه، من خلال تبني التقنيات الذكية في بيوتنا ومختبراتنا وداخل الحرم الجامعي نفسه، ضمن مبادرة سميناها «كاوست الذكية» (KAUST Smart). ولا تزال الثورة الرقمية تتقدم بثبات، وستكون من الدوافع الرئيسية لأجندة العلوم والتقنية في المستقبل.
لقد أظهرت لقاحات فيروس كورونا (كوفيد - 19) ولقاحات الحمض النووي الريبي (mRNA) بوضوح أهمية الاستثمار في العلوم الأساسية لفترات طويلة، لأن الأزمات الطبيعية لا توفر دائماً للبشرية الوقت الكافي لمعالجتها. ومن هنا بدأت «كاوست» في طرح مبادرة الصحة الذكية، قبل أشهر فقط من تفشي الجائحة. وعلى الرغم من عدم وجود تخصصات للطب أو للأمراض المعدية في الجامعة، فقد قام عدد من أعضاء هيئة التدريس لدينا بتوجيه أبحاثهم لمعالجة هذا الوباء. وإحدى قصص النجاح في هذا الشأن هو تطوير «كاوست» لأول اختبار فحص لفيروس كورونا بتقنية تفاعل «البوليمراز المتسلسل للنسخ العكسي» (RT-PCR) بأيدٍ سعودية، واعتماده من «الهيئة العامة للغذاء والدواء» في المملكة، حيث تميز الفحص بسرعة إظهار النتائج وقلة تكلفته مقارنة بالبدائل الأخرى الموجودة في السوق. ويتم فعلاً استخدام هذا الاختبار في «كاوست» إضافة لتسويقه. ولا يزال المستقبل في «كاوست» عامراً بمزيد من الابتكارات، خصوصاً في مجال العلوم والتقنية المتعلقة بالرعاية الصحية التي باتت تحظى باهتمام متزايد.

العلم الكمي

ومن بين مجالات الاكتشاف الأساسية والتطبيقات التقنية الصاعدة والجديرة بالترقب في عام 2022 هو «العلم الكمي»، والذي حظي مؤخراً بتغطيات كثيرة، حيث لا يزال هذا المجال في مهده، ومع ذلك فقد استحوذ على خيال كثير من التقنيين، وشكك فيه البعض. وفي الواقع، لا يمكن لأي جامعة بحثية في مجال العلوم والتقنية أن تتغافل عنه. وفي حين أننا بعيدون جداً عن امتلاك أجهزة حاسوبية تعمل بالتقنية الكمومية للتطبيقات العامة، فإن استخدامها في تطوير أنواع جديدة من الاتصالات الآمنة وكسر الاتصالات المشفرة التقليدية يتطور بسرعة. ومع استثمارات تقدر بمليارات الدولارات في مبادرة البحث الكمي، فمن المؤكد أن هذه التقنية ستلعب دوراً في التداعيات المستقبلية على الأمن القومي والاقتصادي.
واليوم، أصبحت الصور العامة للعلوم والتقنية لدى المجتمعات حول العالم أكثر وضوحاً وإشراقاً، من خلال إدراكها بوجود تحديات كبيرة لا يمكن معالجتها عبر التشريعات أو المال أو القوة العسكرية، ولكنها تتطلب حلولاً جديدة قائمة على العلم. فلم يسبق في تاريخ البشرية أن نظرت المجتمعات إلى العلوم والتقنية كما تفعل اليوم، ولم نكن نتوقع، نحن العلماء، أن يكون العمل في الخطوط الأمامية بهذه الإثارة والحماس.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended