الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية
TT

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية


1- ما الصفة أو الصّفات التي يمكن أن نُطلقها على الثقافة العربية السائدة، تخصيصاً لها وتمييزاً، بين ثقافات الشعوب؟
أهي مثلاً، ثقافة عقلية، ثقافة إبداعٍ وابتكارٍ تفتَتِح آفاقاً جديدة للمعرفة، أم ثقافة نَقْلٍ واستعادة من جهة، وترجمة وتفاعُلٍ من جهة؟
أهي ثقافة بَحثٍ دقيقٍ وصعب، أم ثقافة مرجعٍ، عامّ وسهل؟
ما مكانُ العلم ومكانتُه فيها، استقصاءً لأسرار الطبيعة، واكتشافاً لمجهولاتها؟
ما مكانُ الفلسفة ومكانتُها، اكتناهاً لمعنى الإنسان، وجوداً وحياة ومَصيراً؟
ما الجديد الذي قدّمته وأسهمت به في بناء عالم المعرفة، على المستوى الكَونيّ، بدءاً من سقوط الخلافة في صورتها العثمانيّة، والتي سجَنَت عالم اللغة العربية في ظلماتٍ مُتَنَوِّعة، على مدى أربعة قرون؟
ما موقعُ اللغة العربيّة الأمّ في إنتاج المعرفة اليوم؟
هل يُتقِنُ العربي اليوم لغتَه - الأمّ الإتقانَ الضّروري الذي يتيح له أن يُبدع بها وفيها، كما فعل أسلافُه؟
لماذا لا يزال الجمهور الإسلامي العربي يتقبَّلُ عالم الجِنِّ والسّحر، أكثر مما يتقبّل عالم ابن رشد أو ابن عربي أو المعرّي أو الرّازيّ، تمثيلاً لا حصراً، لكي لا نقول ديكارت وفرويد وماركس واينشتاين، تمثيلاً لا حصراً؟
لماذا، مع هذا كلّه، يتواصَل بروز الأفراد العرَب في جميع الميادين المعرفيّة الخلاّقة، خارجَ بلدانهم العربيّة التي وُلِدوا فيها؟ وهو سؤالٌ ضروري للتّذكير بأنّ القُصورَ ليس في الفرد العربي كطبيعة، وإنّما هو في السّلطة ومؤسّساتها. ولماذا إذن يُتابِع العربُ بناءَ سلطاتٍ لا ترى إلى الثّقافة، في مختلف تجلّياتها، إلا بوصفها وظيفة وأداة في خدمتها، إدارياً وسياسياً، ولا ترى المثقّفين إلا بوصفهم موَظَّفين؟
هل علينا، إذن، أن نخضعَ ما تراه سلطاتُ العرب ونكرِّر ما تقوله: ليست الثّقافة معرفة للكشف عن أسرار الطبيعة، وإنّما هي وظيفة من وظائف السّلطة؟

2- كيف يصحُّ الكلامُ على الثّقافة العربيّة إذا لم تتصدّرْهُ هذه التساؤلات أو ما يُشبِهُها؟ ويعرف جميعُ المَعنِيين أنَّ الأجوبة عنها موضِعُ اختلافٍ واسعٍ، وجذريٍّ، أحياناً. وفي هذا ما يُشير إلى أنّ الخِلافَ بين المثقّفين العرب، إنّما هو، عُمقيّاً، خلافٌ في مستوى الهويّة، وإلى أنّ هويّة الثّقافة العربيّة ملتبسة، مُتَقَلْقِلة، غائمة، شبهُ ضائعة. ومَن ينظر إليها بعمق، في واقعها العميق، سيرى أنّها مُكَوَّنة من ظَواهِرَ - «قبائل»، تتعارض، وتتناقّض، وتتنافى، فيما توصَفُ بأنّها تعيش في «بيتٍ» واحد. وبما أنّها، في جوهرها، ثقافة سلطَويّة، فإنّ مُنتِجيها يعيشون في تَزاحُمٍ مَصلَحيّ، فردي - لا يمكن أن يؤدّي إلا إلى مَزيدٍ من البؤس، في مختلفِ دلالاته.

3- تحرَّكت الثّقافة العربيّة وتتحرك، بدءاً من ظهور الوحْي الإسلاميّ، في محيطٍ دينيّ. وفي هذا المحيط تغلَّبَت أمواجُ التسييسِ على النّظرة إلى الوَحْي. وتغلَّبَت تبعاً لذلك التأويلات التي تربط السّلطة بالدّين رَبطاً عضويّاً، بوَصفِه القاعدة الأولى للنّظر والعمل. ونعرف عنفَ الصِّراع بين هذه السّلطة ومُنتِجي الثّقافة في مختلف تجلّياتها، ومن ضمنها الشعر نفسه، النّتاج الثّقافي الأوّل باللغة العربيّة. ولا يزال هذا الصّراع قائماً حتّى الآن، بشكلٍ أو آخر، بطريقة أو بأخرى. ولا أجد هنا مجالاً للدخول فيه: أسباباً ونتائج، خصوصاً أنّ جميع المَعنيين يعرفونه.
لكن ما يجب التوكيد عليه هو أنّ هذه التآويل أفسدَت ثلاث قضايا كبرى:
1 - الثّقافة أو إنتاج المعرفة إبداعيّاً، بحيث صارت الثقافة تراكماً، لا استقصاءً.
2 - تحويل الدين إلى أداة سياسيّة عنفيّة، بحيث وصلَ عنفها إلى درجة إعطاء السلطة مرتبة الغاية والمَرجع والقرار، بدلاً من أن تكون تتويجاً حُرّاً تُنجِزُهُ إراداتٌ وحُرّيّاتٌ وحقوق.
3 - بدلاً من أن يظلَّ الدّين فضاءً فرديّاً حرّاً، حوّلَتهُ السلطة إلى نظامٍ مُغلَقٍ واحِدِ البعد لرقابة مُتَعددة الأبعاد، نظام ٍ يمجِّدها ويحميها، ويدافِعُ عنها.

4- لا نجد في الثّقافة العربيّة اليوم، ما يمكن النّظرُ إليه، بوصفهِ إبداعاً عربيّاً، يقدم الجديد والمختلف على المستوى الكوني إلا في عالم الآداب ـــ الشعر والرواية والغناء والموسيقى والفنون التشكيلية، أي في كل ما هو مَدارُ جدلٍ بين التآويل النّقليّة وحركيّة الإبداع.
أمّا الفلسفة والعلوم، بتنويعاتها جميعاً وبخاصّة الحديثة (الذرّة، والتقنية، وعلوم الفضاء)، فهي في تناقض، على الصّعيد المَبْدَئيّ، مع الرّؤية الدينيّة، ذلك أنّها جوهريّاً سؤالٌ، بينما الرّؤية الدينيّة جواب. ولا يستطيع أهل الفلسفة والعلم أن يطرحوا أسئلتهم على النّصوص الدينية المؤَسِّسَة ذاتها ويكتفون بطرحها على الشروح وتآويلها، كما حدث ويحدث حتى الآن. وهذا لا يؤدّي إلى إنتاج علمٍ جديد، أو فكرٍ خلاّق، أو فلسفة ذات رؤى جديدة. وإنّما يؤدّي إلى نوعٍ من إعادة الكتابة، أو من الاستعادة. وهذا ما يُبقي الإنسان أسيراً للآلة الفكريّة السياسيّة الدينيّة، وهي التي تتمثّل في قَوْلَين ـــ قاعدتين:
- الأولى للإمام الشافعيّ: «مَن قال برأيِهِ في القرآن، فهو مُخْطِئ وإن أصاب». ومعنى ذلك أنّ الفردَ لا رأي له في الدّين، وإنّما الرّأي للجماعة - الأمّة التي تمثّلها السّلطة.
- والثّاني للفارابي: «كلُّ مَوْجودٍ في ذاتِهِ، فذاتُه له، وكلُّ موجودٍ في آلة فذاتُه لغيرِه».
وهما قولان لا يمكن التحرُّر مما يشيران إليه إلا بتأويل آخر للدّين يمكن أن ينهض بعضه على الوحي نفسه، ممثَّلاً بآياتٍ كمثل: «لا إكراهَ في الدّين»، «لكم دينُكم ولِي دين»، وكمثل هذه الآية على الأخصّ، التي يخاطِب بها اللهُ نبيَّه: «إنّك لن تَهدي مَن أحببتَ، ولكنّ اللهَ يهدي مَن يشاء».
وهذه آياتٌ أذكرها تمثيلاً، لا حَصراً.

5- منذ بدايات التأسيس للخلافة الإسلاميّة وسلطاتها، أخذت الثّقافة في عالم اللغة العربيّة تنهض على قاعدتين: الأولى تتمثّل في الوحي الديني الذي نزل باللغة العربيّة نفسها، لغة الشعر والغناء، لغة الحياة وحقوقها وحرّياتها. والثانية تتمثّل في حضور هذه اللغة العظيمة، تاريخاً وإبداعاً، قبل نزول الوحي. وفي هذا يكمن سرُّ الانشقاق العميق على جميع المستويات، داخل جسم اللغة العربية ذاتها، بين الإبداع الإلهي الذي حملته هذه اللغة دينيّاً، وبين البِدَع الإنسانيّة التي حملتها واستمرّت في حملها لغة الثّقافة، وعلى الأخصّ الشعر. وأرى شخصيّاً أنّ تاريخ هذا الانشقاق، في تطوّراته وآفاقها يمثّل لحظة حضاريّة يندر مثيلها في تاريخ الإبداع.
وأكتفي هنا بهذه الإشارة، مؤَكِّداً استحالة البحث الجذري الخلاّق في الثّقافة العربيّة، نشوءاً وتطوُّراً ومآلاً، إلا انطلاقاً من تحليل هذا الانشقاق، في جميع مستوياته وآفاقه. وطبيعي أنّني لن أدخل هنا في هذا البحث (الذي لا بدّ من الدّخول فيه عاجلاً أو آجِلاً، إن شئنا أن نتقدّم) وأنّ ما سأقوله في هذه المقالة لن يكون أكثر من إضاءاتٍ وإشارات.
حصّنَت الخلافة سلطاتها، دينيّاً وثقافيّاً، بتَأويلٍ فقهي للدّين، صارمٍ ومُغلَق ونهائي أدّى في الممارسة إلى أن تتحَوَّل الأفكارُ والآراء والمواقف إلى إيديولوجيات مُغلَقَة. هكذا نعيش، ثقافيّاً، منذ البدء في ثقافة يُنتِجُها إخوة أعداء في «نظام» سياسي واحدٍ، في بلاد «واحدة»، في «شعبٍ واحد» يتكوّن من إثنيّاتٍ ولغاتٍ «مختلفة».تضمر هذه «الوحدة» الظاهرة نوعاً من الانشقاق داخل الذّات: نؤمن بأنبياء الوحدانيّة (لا نفرِّق بين أحدٍ من رسلها) لكننا لا نطيع إلا الوحي الذي نزل باللغة العربيّة وحدها: الوحْي كما يؤوِّله فقهُ السلطة، وتَحميهِ سلطة الفقه.
إنّه مأزقٌ ثلاثي الأبعاد، فكري وتاريخي وحياتيّ: لا تستطيع الثقافة العربيّة أن تكون «حرّة»، ودون حرّيّة تظلُّ في أبهى حضورها، إشارة إلى موهبة، إلى أفق، إلى عمقٍ، إلى مغامرة... لكن لا يمكن أن تكون مشروعاً إبداعيّاً، مدنيّاً، وإنسانيّاً بالمعنى الشامل والمطلق. ذلك أنّ المشروع لا ينهض على رؤية حرّة للإنسان والحياة والكون، وعلى حركِيَّة خلاّقة لابتكار المستقبل.
هكذا، إيمانيّاً، «نُميتُ الموتَ»، لكنّنا، حياتِيّاً وعمليّاً لا نحيا كلّ يوم إلا فيما نموتُ كلّ يوم.
والنّتيجة، تاريخيّاً، هي أنّ الثّقافة في عالم اللغة العربيّة تحوَّلت إلى أشكالٍ من التكَيُّفات والمُرونات والتبَعِيّات فقدت فيها الاستبصار والجذريّة، وتمَّ اختزال الحياة بالسّلطة، وبالصّراع فيها وحولَها وعليها.
وفي هذا تبدو الثقافة العربيّة كأنّها دَغَلٌ بلا حدود، بدلاً من أن تبدو كمثل فضاء بلا حدود.
في كلّ دَغَلٍ زَغَلٌ، لا محالة.
ربما نجد هنا في «ثقافة» الصراع حول كلّ ما يتعلّق بـ«الإمامة والسّياسة»، وفقاً لتعبير ابن قُتَيبة، أبعاداً «نفسيّة»، بالمعنى الحديث في التحليل النّفسيّ، لا على مستوى الفرد، وحده، وإنّما على مُستوى «اللاشعور الجمعيّ»، تخطّى المسألة الدّينيّة، بالمعنى الحصري للكلمة، ويصبح مسألة ثقافيّة عامّة، ترسّخُها المؤسّسات وطرائق التعليم والتربية.
لم يعُدْ كافِياً للمسلم في هذا الصّراع أن يكونَ مسلماً. وإنّما صار لِزاماً عليه أن يكون مسلماً مثل... ومُفَكّراً مثل... وشاعراً مثل... إلخ. وأصبح من الضروري للمفكّر المسلم أو الشاعر أو الفنّان أو الكاتب، أن يُمتَحَنَ أو يُرازَ إسلامُه: هل هو من أهل «السنة» أو من أهل «التشَيُّع»؟ هل هو «وهّابيّ» أم «إخوانيّ»؟ هل هو «سلفيّ» أم «رافضيّ»؟... إلخ.
انتهَت الموضوعيّة، وصار كلُّ شيءٍ يُقَوَّم بمعيار السّلطة، استناداً إلى سياسة «المصلحة»، أو «التوظيف» أو «الاستخدام» بطريقة أو بأخرى. وهكذا لم يَعُدْ عالم اللغة العربيّة يُقرَأ في النّصوصِ ذاتها وإنّما أصبح يُقرَأُ سياسياً، أو دينيّاً: مَن ليس معي، فهو ضدّي. ولا يهمُّ أبداً ما يكتبه مَن «يُخالِفُنا» في السّياسة والدّين، في أي مجالٍ، ومهما كان عظيماً في حدّ ذاته: المهمّ هل هو معي أم ضدّي؛ وهذا ما أسهمَ في ترسيخ اللحمة القبليّة «الآيديولوجيّة» واستحالة بناء مجتمع ٍ مدَني في عالم اللغة العربيّة، تقوم العلاقات بين أفراده، على أسُسٍ مدنيّة، حرّيّاتٍ، وحقوقاً وواجبات. ولا يزال هذا العالم، على هذا المستَوى، مُؤَلَّفاً من تجَمُّعاتٍ بشريّة متبايِنة في مناطق جغرافيّة متَنَوِّعة: تجمُّعاتٌ مُكَوَّنة من أفرادٍ عليهم القيام بالواجباتِ نفسِها، دون أن تكون لهم الحقوقُ نفسها.
كنّا في الماضي نُعنى بدراسة «الفرق الدينيّة» ـــ واليوم أضَفْنا إلى هذه «العناية» عناياتٍ أكثرَ وأشمل: اليوم نُعنى بدراسة «الفرق الشعريّة»، و«الروائيّة» و«الفنّيّة»، و«الفكريّة». وكلٌّ منها يصرِّح بثقة: «أنا الأكثرُ حضوراً وأهمّيّة. أنا الأعظم».
هكذا تراجعَ الاهتمامُ بالنّصوص التأسيسية الكبرى، وحلّت محلَّها النّصوص الثانوية التي يسْهُلُ توظيفها سياسياً، ويسهلُ استخدامُها بوصفها رأسمالاً سياسياً - آيديولوجيّاً.

6- يعيش عالم اللغة العربيّة، اليوم، في مُنْجَزاتٍ ثقافيّة علميّة - تقنيّة أنْجَزها الغرب الأميركي الأوروبّيّ:
1. الثّورة الكمّيّة التي أدّت إلى التحَكُّم في المادّة، وإلى نشوء أشكالٍ للحياة نفسها تُعرَف للمرّة الأولى.
2. الثّورة الإلكترونيّة التي أسّسَت لعالم معرفي جديد.
3. الثّورة الحيويّة - الجُزَيْئيّة (البيو - تقنيّة)، وهي التي أخذت تتحكَّم الآن في الحياة نفسها بأشكالٍ مُتَنَوِّعة تستجيب كثيراً أو قليلاً لرغبات البشَر.
هذه الثورات خلْخَلَت اليقينيّات كلّها، وتوَلَّدَت عنها مشكلات خلق الإنسان نفسه، كافراً أو مؤمِناً، على السّواء. خصوصاً أنّها ربطَت العلم بمتطلَّبات الاقتصاد والسّياسة، ومختلف الإنتاج الذي يرتبط بهما، وبمنطق السّوق.
لم يشارك العرب، أنظمة ومؤسّسات، في أي ثورة من هذه الثورات، وإن شاركَ بعض الأفراد العرب الذين يعيشون في الهجرة. وهذه إشارة لإعادة التوكيد على أنّ مشكلات التقدُّم إنما هي مشكلات أنظمة ومؤسّسات ومعتقدات وليست مشكلة فقر أو نقصٌ في الأفراد المبدعين في جميع الميادين. فعند العرب خلاّقون متفرّدون في جميع المجالات.
يُفتَرَض في التجارب المُتنوِّعة، المريرة غالباً، لكن الغنيّة والمُتعَدِّدة، تلك التي عرفها العرب في تاريخهم الحديث، بدءاً من زوال الخلافة العثمانيّة، أن تكون كافية لتقديم مادّة فريدة للتّفكير، والاستبصار، والاعتبار.
يُفتَرَض فيها، تبعاً لذلك، أن تولِّدَ فيهم إرادة العمل على التأسيس لحياة جديدة وثقافة جديدة في ضوء الانقلابات المعرفيّة الكبرى. وفي ضوء التطوُّر الذي أنجزه الإنسان على المستوى الكونيّ.
لكنّه افتراض يبدو أنّه في غير محلِّه. ففي السّنوات الأخيرة التي عاشها عالم اللغة العربيّة، أمثلة بارزة عن الثّقافة العربيّة المَوروثة، الحيّة والفاعلة. أمثلة تجلّى فيها هُزالُ الحياة السّياسيّة العربيّة وهُزال الثّقافة والأخلاق إلى درجة يشعر فيها المُواطن بالخجل من نفسه ومن وجوده على هذه الأرض. تجلّى فيها كذلك هُزالٌ في معنى هذه الحياة ومعنى الوطن والشّعب، والديمقراطيّة والحريّة، وحقوق الإنسان. فإن يُعبَثَ بمصائر البشر إلى هذه الدّرجة، وأن تُستَعاد الخلافة وتُعلَن إقامتُها في أكثر من بلَدٍ عربي بهذه الطّريقة وبهذا المستوى، وأن تُبتَذَل القِيَم ويُبْتَذَل الإنسان إلى هذا الحدّ، وعلى جميع الصُّعُد - أمرٌ يُضمِرُ حقّاً انهيار الحياة العربيّة والثقافة العربيّة على نحوٍ لا سابِقَ له.
العاملون العرب باللغة في الميدان الثّقافي يُنتِجون أعمالهم الثّقافيّة - فكراً وفنّاً، شعراً وموسيقى وغناءً، في محيط اجتماعي - سياسي تقودُهُ، مباشرة أو مُداوَرَة، رؤية دينيّة للإنسان والحياة والعالم. وفي هذا ما يفسِّر كيف أنّ إنتاج هذه الثّقافة يخضع قليلاً أو كثيراً، بطريقة أو بأخرى، لأحكام هذه الرّؤية. وما يُعَقِّد المسْألة هنا هو الغيابُ شبْهُ الكامل للبعد التأريخيّ، في هذه الأحكام، وبخاصّة الشّرعيّة، تغيُّراً وتَطَوُّراً. فالمكان، مهما تبدّلَ يظلُّ في الفقه والشّرع هو هو، والزّمَن مهما تغيّرَ وتغيَّرَت الأوضاع، يظلُّ زمَناً واحداً: القرن الثّاني والعشرون هو في هذه الأحكام كأنّه القرنُ الأوّل. الأزمنة والأمكنة هي التي يجب أن تخضع لهذه الأحكام، وأن تتكَيَّف مع شرعها.
ومعنى ذلك، موضوعيّاً وعمليّاً، أنّ القوانين التي توُضَعَ أصلاً لخدمة الإنسان، إنّما هي أعظم من الإنسان نفسه، وأنّ كينونته ومصيره، حقوقاً وحرّيّات، خاضعة لهذه القوانين ولأحكامها. والكلام، إذن على الحريّة والإبداع، وهما جوهر الثقافة كلامٌ لا مكانَ له في هذه الأحكام.
هكذا يبدو كيف أنّ الثّقافة العربيّة شوارِعُ وحقولٌ لفظيّة سرداً ووصفاً واستعادة من الماضي واستعارة من الآخر الأجنبيّ: تنقل كتابة هذا الآخر ومُنجَزاتِه الكتابيّة، كمثل ما تنقل السياسة صناعتَه ومُنجَزاته المادّيّة. وفي هذا تعيش الثقافة العربيّة أسيرة لخرافتين: الأولى تجيء من جهة الماضي (الذات)، والثانية تجيء من جهة المستقبل (الآخر). وفي هذا أيضاً ما يفسِّر خلُوَّ الكتابة العربيّة، في مختلف تجلّياتها، من المغامرات الكُبرى - في استقصاء الطبيعة، وما وراء الطبيعة. وفي اكتناه الإنسان «الجرم الصّغير»، الذي انطَوى فيه «العالم الأكبر» - إضافة إلى اكتناه القضايا الكبرى في اللغة وفي الذّات والآخر، وفي الحرّيّة والمعرفة والحقيقة، وفي معنى الإنسان ذاته.

7- الثّقافة هي أيضاً تجاربُ ومختبراتٌ وآفاقٌ لصناعة التقَدُّم، على صعيد الرّؤية والكشف المعرفيّ، صعيد العلاقة بين الشّيء والشّيء، بين الشّيء والإنسان، وبين اللغة والكَوْن. والسُّؤال، في هذا الإطار، ما التقَدُّم الذي حقّقَتهُ الثّقافة العربيّة في القرن العشرين والربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين؟ وما يكون الجواب، إذا قورِنَ بالأجوبة التي تقدّمها ثقافات الشعوب الأخرى في العالم كلّه.
والجواب موضوعيّاً هو أنّ الثّقافة نفسها تخلّفَت. المظهر الأول لهذا التخلف هو ازدياد جهلِ العرَب بأداة الثّقافة: اللغة الأمّ، كمّاً ونوعاً. وازدياد هيمنة اللغات الأجنبيّة. إضافة إلى أن معظم ترجماتنا من هذه اللغات إلى العربيّة لا تُسعِد اللغة العربيّة ولا تُشَرِّفها - لا على صعيد الإيغال في معرفة أسرارها، ولا حتّى في إتقانها، بحيث نتجنّب على الأقلّ أخطاء النّحْوِ والصَّرف وطُرُق الاستخدام - مفرداتٍ وتراكيب.
لا تحيا الثّقافة ولا تتجدَّد إلاّ في مجتمَعٍ مدَني ينهض على الحرّيّات والحقوق، بحيث لا يعود مؤَلَّفاً من أفرادٍ عليهم أن يقوموا بالواجبات نفسها، دون أن تكون لهم الحقوق نفسها، كما هي الحال في البلدان العربيّة. غياب المُواطِنيّة المَدَنيّة، شكلٌ آخر لتغييب الثّقافة المدَنيّة، لإبقائها وظيفة تسهر عليها السّلطة، ولإبقائها قائمة على علاقاتٍ تفسد القراءة كأنها ظاهِرة اجتماعيّة، أكثر منها ظاهرة ثقافيّة.
يكفي عند بعضهم أن يكون الكاتب لا يرى رأيَهم لكي ينبذوه أو يحاربوه أو يُشَوِّهوه، تبعاً للحالة.
في هذا الأفق يمكن أن نَصِفَ الحالة الرّاهِنة التي تعيشها الثّقافة العربيّة، وبخاصّة في تجلّياتها الأدبيّة - الفنّيّة، بأنّها «دَغَل»، وبأنّها ظواهِرُ تشيرُ إلى أوضاعٍ «نفسيّة»، أكثر منها ظواهر بَحْثٍ واستقصاء ومعرفة.
والحَقّ أنّ القراءة اليوم في عالم اللغة العربيّة هي نفسها بين المُشكِلات الثّقافيّة الأولى. نادِراً ما نرى في هذا العالم قراءة موضوعيّة للنّصوص في ذاتها، وفي مَعزِلٍ عن انتماءات أصحابها، إثنيّاً أو مّذهبيّاً أو آيديولوجيّاً. وهذا ما يوجب الإشارة إلى أنّ القراءة السّائدة ليست غالباً إلّا تأويلاً، وإلّا تقويلاً: تُقَوِّلُ النّصّ ما لا يقوله. وأحياناً يضيف القُرّاء من عنديّاتهم إلى النصّ ما لم يَقُلْهُ صاحِبُ النّصّ، أبداً.
وأصحابُ هذه القراءات مختلفون في الصّورة، لكنّهم يأتلفون في المعنى. وهي قراءات يقوم بها أهل اليسار، تماماً كما يقوم بها أهل اليمين: القارئ واحدٌ في البنية العقليّة - الآيديولوجيّة، والدّلالات والغايات، متباعدة ومتبايِنة. وقد يصل أصحاب هذه القراءات إلى مستوى «نفسيّ» ينبغي أن يحلِّلَه المختصّون: الرّفض القاطِع لقراءة مَن يعُدّونه عدُوّاً لهم. ولا يطرحون هذا السّؤال البسيط: إذا كُنّا ضدَّ مفكِّرٍ أو كاتبٍ، فكيف نُحاوِرُه أو نحاربُه إذا لم نقرَأْه؟
بالنّبذِ الكامل. أو بالسّيف - يجيبكَ بعضُهم.

وُلِدَ الإنسان خلاّقاً مُبدِعاً. وليست حياتُه إلّا ناراً تتوهّجُ، تُضيء وتستضيء، في الاتّجاهات كلّها، عُلُوّاً وعُمقاً وفي المَيادين كلِّها.
حين يُحظر السّؤال، يُحظَرُ الفكر، وحين يُحظَر الفكر، يُحظَر الإنسانُ نفسُه. وما تكون جَدوى الإنسان إذا عاش مَرْبوطاً بحبْلٍ ولو كان من ذهب؟
كل كتابة إبداعية هي كتابة في فضاء ثقافة تنهض على اليقين بأنّ الإنسانَ هو مركز الكَوْن.



نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
TT

نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)

حذّر نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، الأربعاء، من أن العلاقة مع الولايات المتحدة «بصدد التفكك»، وأن أوروبا تمر بمرحلة تُثار فيها «تساؤلات حول ثوابتها»، في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثارها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً حقيبة المالية خلال خطاب في المؤسسة الألمانية للأبحاث الاقتصادية «دي آي دبليو» في برلين، إن «التحالف عبر الأطلسي يشهد تحولاً أعمق بكثير مما كنا نرغب في الاعتراف به حتى الآن»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».


تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
TT

تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)

يمنح تصاعد المنافسة بين القوى العظمى، الولايات المتحدة، سبباً أكبر للاستثمار في أطر التعاون الدولي للحد من الأسلحة النووية.

وقال محللان في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه بعد مرور نحو 80 عاماً على قصف هيروشيما وناغازاكي، لا يزال المجتمع الدولي يواجه التداعيات الاستراتيجية والسياسية والأخلاقية لسباقات التسلح النووي.

وقد حددت المنافسة الثنائية خلال الحرب الباردة الديناميكيات النووية العالمية، ولكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً؛ حيث يشمل دولاً متعددة تمتلك أسلحة نووية، وتقنيات ناشئة، وتحالفات جيوسياسية متغيرة.

فما دوافع سباقات التسلح النووي المعاصرة؟ وما المخاطر التي تشكلها هذه المنافسات؟ وما المسارات المحتملة نحو الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد؟

تطور سباقات التسلح النووي

خلال الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في إنتاج واسع النطاق للأسلحة النووية، مدفوعَين بنظرية الردع والتنافس الآيديولوجي والمخاوف من الضعف. وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تخفيف حدة التوترات، ولكنه لم يقضِ على الأسلحة النووية. وبدلاً من ذلك، تطور النظام العالمي إلى بيئة متعددة الأقطاب تضم 9 دول نووية، لكل منها ثقافتها الاستراتيجية واهتماماتها الأمنية الخاصة.

وعلى الرغم من أن غالبية دول الأمم المتحدة أيدت مبدأ نزع السلاح النووي، لم تتبنَّ أي من الدول التي تمتلك أسلحة نووية حالياً هذا المفهوم؛ بل ولم تتخذ أي خطوات ضئيلة في هذا الاتجاه.

وقال المحللان إن هناك عدة عوامل تدفع حالياً إلى تحديث الأسلحة النووية وسباقات التسلح المحتملة، وهي:

الابتكار التكنولوجي: تثير الأسلحة الفرط صوتية والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع الصاروخي، شكوكاً جديدة بشأن قدرة الترسانات النووية على البقاء. وهناك مصدر آخر لعدم الاستقرار المحتمل، وهو الفاعلية المتزايدة للأسلحة التقليدية في توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى بقدرات تدميرية، والتي قد تستدعي رداً نووياً. بالإضافة إلى ذلك، تقلص أنظمة المعلومات والتصنيع الحديثة، مقارنة بأنظمة الأجيال السابقة، والمدة الزمنية بين الفكرة وإنتاج النموذج الأولي وبين النموذج الأولي والإنتاج الضخم.

التنافس الإقليمي

يهدد التنافس العسكري الإقليمي بين الهند وباكستان، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، والصين والهند، وبين الصين وكوريا الشمالية، واليابان والولايات المتحدة، بتصعيد الحرب التقليدية إلى استخدام للأسلحة النووية؛ بل وحتى من دون تجاوز العتبة النووية، ويفاقم التوترات النووية الإقليمية والعالمية.

تآكل الحد من التسلح: أدى الانسحاب من اتفاقيات الحد من التسلح النووي -مثل معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى- إلى جانب إضعاف اتفاقية «ستارت» الجديدة التي تكاد تنتهي، إلى خلق حالة من الفوضى في مجال الحد من التسلح، مما يتسبب في انعدام الثقة التنافسي بين القوى النووية، وزيادة عدم اليقين بشأن تفكيرها الاستراتيجي النووي.

المنافسة بين القوى العظمى: أسفر وصول الصين شبه الحتمي كقوة نووية عظمى ثالثة عن ظهور محور إضافي من عدم اليقين، مقارنة بالتنافس الثنائي خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وتعد مشاركة الصين في صيغة ثلاثية لتبادل التفكير الاستراتيجي بشأن الأسلحة النووية والحد من التسلح ضرورة حتمية، وإن كانت صعبة للغاية، بالنسبة للدول الثلاث وقادتها العسكريين.

مخاطر وعواقب تجدد سباقات التسلح

عدم الاستقرار الاستراتيجي: مع سعي الدول لامتلاك ترسانات أكثر تطوراً وتنوعاً، يزداد خطر حدوث سوء تقدير. ويمكن أن تؤدي التقنيات التي تقلص وقت صنع القرار -مثل المركبات الانزلاقية فائقة السرعة، وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي- إلى زيادة احتمالية الاستخدام النووي العرضي أو الاستباقي.

مسارات التصعيد الإقليمي

في جنوب آسيا، تتسبب فترات إطلاق الصواريخ القصيرة والعقائد الغامضة في تفاقم حدة الأزمة بين الهند وباكستان. وفي شبه الجزيرة الكورية، تشكل القدرات المتزايدة لكوريا الشمالية تحدياً لأطر الردع التقليدية. وفي أوروبا، يثير الموقف النووي الروسي وردود فعل حلف شمال الأطلسي (الناتو) شكوكاً جديدة تذكر بديناميكيات الحرب الباردة، ولكن مع وجود عدد أكبر من الجهات الفاعلة وقيود أقل.

التكاليف الاقتصادية وتكاليف الفرص البديلة: تتطلب برامج تحديث الأسلحة النووية استثمارات مالية ضخمة. لذلك، بالنسبة لكثير من الدول، فإن السعي وراء القدرات النووية يعكس مفاضلة بين الفوائد الأمنية المتوقعة والاحتياجات المجتمعية طويلة الأجل. حتى في إطار الاحتياجات الدفاعية، توجد مفاضلات مهمة بين أنظمة الأسلحة المفضلة ودعم البنية التحتية.

وعلى سبيل المثال، في حالة الولايات المتحدة، قد يكون هناك تنافس بين تكاليف تطوير ونشر نظام الدفاع الصاروخي المقترح «القبة الذهبية» وبين طلبات القوات المسلحة لتطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية الاستراتيجية الهجومية.

المخاوف المعيارية والأخلاقية: إن الاعتماد المستمر على الأسلحة النووية يثير تساؤلات أخلاقية عميقة؛ حيث ستكون العواقب الإنسانية لأي مواجهة نووية -سواء كانت متعمدة أو عرضية- عواقب كارثية. ويهدد التآكل المحتمل للمعايير المناهضة للتجارب النووية والتهديدات المتهورة بالاستخدام النووي الاستباقي عقوداً من التقدم نحو تجنب الأزمات النووية وإدارتها.

المسارات المستقبلية: التصعيد أم ضبط النفس؟

يتطلب تنشيط الحد من التسلح أساليب مبتكرة تعكس واقع تعدد الأقطاب اليوم. ويجب أن تشمل الخطوات المحتملة توسيع تدابير الشفافية بين الدول التي تمتلك الأسلحة النووية، ووضع اتفاقيات جديدة تتناول التقنيات الناشئة، وتعزيز قنوات الاتصال في الأزمات للحد من سوء التقدير.

واعتبر المحللان أن التطورات التقنية الكبيرة يمكن أن تقلب الآليات المفهومة لطمأنة الدول النووية إزاء مخاوف الهجوم النووي الاستباقي. ومع تداخل الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والأنظمة المستقلة مع القيادة والسيطرة النووية، ستحتاج الدول إلى معايير أو اتفاقيات جديدة لمنع الاستخدامات المزعزعة للاستقرار.

ويمكن أن يكون وضع تفاهمات مشتركة لـ«الخطوط الحمراء» في التفاعلات النووية السيبرانية نقطة انطلاق.

وفي المناطق التي تشهد توترات نووية حادة، قد تساعد الأطر الدبلوماسية المصممة خصيصاً على تقليص المخاطر. وستساهم تدابير بناء الثقة في جنوب آسيا، وتجديد الحوار بشأن شبه الجزيرة الكورية، والمناقشات الأمنية الأوروبية، في تحقيق الاستقرار. كما أن احتواء نمو الأعداد والقدرة الفتاكة للأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية، في سياق الحفاظ على الردع والأمن الإقليميين، يعد أمراً له أهمية فورية.

ولا تزال المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والهيئات الدولية تلعب دوراً حيوياً في تشكيل الخطاب العام، وإجراء البحوث، والدعوة إلى تدابير الحد من المخاطر. وقد يكون تأثيرها بالغ الأهمية في ظل ما تواجهه القنوات الدبلوماسية الرسمية من عقبات سياسية.

ومن بين هذه التحديات: النقص النسبي في الدراسات المتعلقة بالردع النووي والحد من التسلح في أقسام البحوث بالجامعات حالياً، مقارنة بفترات الحرب الباردة وما بعدها مباشرة.

واختتم الخبيران تحليلهما بالقول إن سباقات التسلح النووي ليست من الماضي، وليست موضوعاً غامضاً، وإنما هي موجودة في كل مكان من خلال التغير التكنولوجي والمنافسة الجيوسياسية، وهياكل القوة العالمية المتغيرة.

وسوف يعتمد مستقبل الاستقرار النووي على الخيارات التي تتخذها الدول اليوم، سواء أكانت السعي وراء منافسة غير مقيدة، أم الاستثمار في أطر تعاونية تحد من المخاطر وتعزز الأمن على المدى الطويل. وفي حين أن التحديات هائلة، فإن الفرص المتاحة للدبلوماسية المبتكرة والحوكمة التكنولوجية والالتزام المتجدد بالحد من التسلح، تقدم مسارات نحو مستقبل أكثر أماناً.


رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».