الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية
TT

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية


1- ما الصفة أو الصّفات التي يمكن أن نُطلقها على الثقافة العربية السائدة، تخصيصاً لها وتمييزاً، بين ثقافات الشعوب؟
أهي مثلاً، ثقافة عقلية، ثقافة إبداعٍ وابتكارٍ تفتَتِح آفاقاً جديدة للمعرفة، أم ثقافة نَقْلٍ واستعادة من جهة، وترجمة وتفاعُلٍ من جهة؟
أهي ثقافة بَحثٍ دقيقٍ وصعب، أم ثقافة مرجعٍ، عامّ وسهل؟
ما مكانُ العلم ومكانتُه فيها، استقصاءً لأسرار الطبيعة، واكتشافاً لمجهولاتها؟
ما مكانُ الفلسفة ومكانتُها، اكتناهاً لمعنى الإنسان، وجوداً وحياة ومَصيراً؟
ما الجديد الذي قدّمته وأسهمت به في بناء عالم المعرفة، على المستوى الكَونيّ، بدءاً من سقوط الخلافة في صورتها العثمانيّة، والتي سجَنَت عالم اللغة العربية في ظلماتٍ مُتَنَوِّعة، على مدى أربعة قرون؟
ما موقعُ اللغة العربيّة الأمّ في إنتاج المعرفة اليوم؟
هل يُتقِنُ العربي اليوم لغتَه - الأمّ الإتقانَ الضّروري الذي يتيح له أن يُبدع بها وفيها، كما فعل أسلافُه؟
لماذا لا يزال الجمهور الإسلامي العربي يتقبَّلُ عالم الجِنِّ والسّحر، أكثر مما يتقبّل عالم ابن رشد أو ابن عربي أو المعرّي أو الرّازيّ، تمثيلاً لا حصراً، لكي لا نقول ديكارت وفرويد وماركس واينشتاين، تمثيلاً لا حصراً؟
لماذا، مع هذا كلّه، يتواصَل بروز الأفراد العرَب في جميع الميادين المعرفيّة الخلاّقة، خارجَ بلدانهم العربيّة التي وُلِدوا فيها؟ وهو سؤالٌ ضروري للتّذكير بأنّ القُصورَ ليس في الفرد العربي كطبيعة، وإنّما هو في السّلطة ومؤسّساتها. ولماذا إذن يُتابِع العربُ بناءَ سلطاتٍ لا ترى إلى الثّقافة، في مختلف تجلّياتها، إلا بوصفها وظيفة وأداة في خدمتها، إدارياً وسياسياً، ولا ترى المثقّفين إلا بوصفهم موَظَّفين؟
هل علينا، إذن، أن نخضعَ ما تراه سلطاتُ العرب ونكرِّر ما تقوله: ليست الثّقافة معرفة للكشف عن أسرار الطبيعة، وإنّما هي وظيفة من وظائف السّلطة؟

2- كيف يصحُّ الكلامُ على الثّقافة العربيّة إذا لم تتصدّرْهُ هذه التساؤلات أو ما يُشبِهُها؟ ويعرف جميعُ المَعنِيين أنَّ الأجوبة عنها موضِعُ اختلافٍ واسعٍ، وجذريٍّ، أحياناً. وفي هذا ما يُشير إلى أنّ الخِلافَ بين المثقّفين العرب، إنّما هو، عُمقيّاً، خلافٌ في مستوى الهويّة، وإلى أنّ هويّة الثّقافة العربيّة ملتبسة، مُتَقَلْقِلة، غائمة، شبهُ ضائعة. ومَن ينظر إليها بعمق، في واقعها العميق، سيرى أنّها مُكَوَّنة من ظَواهِرَ - «قبائل»، تتعارض، وتتناقّض، وتتنافى، فيما توصَفُ بأنّها تعيش في «بيتٍ» واحد. وبما أنّها، في جوهرها، ثقافة سلطَويّة، فإنّ مُنتِجيها يعيشون في تَزاحُمٍ مَصلَحيّ، فردي - لا يمكن أن يؤدّي إلا إلى مَزيدٍ من البؤس، في مختلفِ دلالاته.

3- تحرَّكت الثّقافة العربيّة وتتحرك، بدءاً من ظهور الوحْي الإسلاميّ، في محيطٍ دينيّ. وفي هذا المحيط تغلَّبَت أمواجُ التسييسِ على النّظرة إلى الوَحْي. وتغلَّبَت تبعاً لذلك التأويلات التي تربط السّلطة بالدّين رَبطاً عضويّاً، بوَصفِه القاعدة الأولى للنّظر والعمل. ونعرف عنفَ الصِّراع بين هذه السّلطة ومُنتِجي الثّقافة في مختلف تجلّياتها، ومن ضمنها الشعر نفسه، النّتاج الثّقافي الأوّل باللغة العربيّة. ولا يزال هذا الصّراع قائماً حتّى الآن، بشكلٍ أو آخر، بطريقة أو بأخرى. ولا أجد هنا مجالاً للدخول فيه: أسباباً ونتائج، خصوصاً أنّ جميع المَعنيين يعرفونه.
لكن ما يجب التوكيد عليه هو أنّ هذه التآويل أفسدَت ثلاث قضايا كبرى:
1 - الثّقافة أو إنتاج المعرفة إبداعيّاً، بحيث صارت الثقافة تراكماً، لا استقصاءً.
2 - تحويل الدين إلى أداة سياسيّة عنفيّة، بحيث وصلَ عنفها إلى درجة إعطاء السلطة مرتبة الغاية والمَرجع والقرار، بدلاً من أن تكون تتويجاً حُرّاً تُنجِزُهُ إراداتٌ وحُرّيّاتٌ وحقوق.
3 - بدلاً من أن يظلَّ الدّين فضاءً فرديّاً حرّاً، حوّلَتهُ السلطة إلى نظامٍ مُغلَقٍ واحِدِ البعد لرقابة مُتَعددة الأبعاد، نظام ٍ يمجِّدها ويحميها، ويدافِعُ عنها.

4- لا نجد في الثّقافة العربيّة اليوم، ما يمكن النّظرُ إليه، بوصفهِ إبداعاً عربيّاً، يقدم الجديد والمختلف على المستوى الكوني إلا في عالم الآداب ـــ الشعر والرواية والغناء والموسيقى والفنون التشكيلية، أي في كل ما هو مَدارُ جدلٍ بين التآويل النّقليّة وحركيّة الإبداع.
أمّا الفلسفة والعلوم، بتنويعاتها جميعاً وبخاصّة الحديثة (الذرّة، والتقنية، وعلوم الفضاء)، فهي في تناقض، على الصّعيد المَبْدَئيّ، مع الرّؤية الدينيّة، ذلك أنّها جوهريّاً سؤالٌ، بينما الرّؤية الدينيّة جواب. ولا يستطيع أهل الفلسفة والعلم أن يطرحوا أسئلتهم على النّصوص الدينية المؤَسِّسَة ذاتها ويكتفون بطرحها على الشروح وتآويلها، كما حدث ويحدث حتى الآن. وهذا لا يؤدّي إلى إنتاج علمٍ جديد، أو فكرٍ خلاّق، أو فلسفة ذات رؤى جديدة. وإنّما يؤدّي إلى نوعٍ من إعادة الكتابة، أو من الاستعادة. وهذا ما يُبقي الإنسان أسيراً للآلة الفكريّة السياسيّة الدينيّة، وهي التي تتمثّل في قَوْلَين ـــ قاعدتين:
- الأولى للإمام الشافعيّ: «مَن قال برأيِهِ في القرآن، فهو مُخْطِئ وإن أصاب». ومعنى ذلك أنّ الفردَ لا رأي له في الدّين، وإنّما الرّأي للجماعة - الأمّة التي تمثّلها السّلطة.
- والثّاني للفارابي: «كلُّ مَوْجودٍ في ذاتِهِ، فذاتُه له، وكلُّ موجودٍ في آلة فذاتُه لغيرِه».
وهما قولان لا يمكن التحرُّر مما يشيران إليه إلا بتأويل آخر للدّين يمكن أن ينهض بعضه على الوحي نفسه، ممثَّلاً بآياتٍ كمثل: «لا إكراهَ في الدّين»، «لكم دينُكم ولِي دين»، وكمثل هذه الآية على الأخصّ، التي يخاطِب بها اللهُ نبيَّه: «إنّك لن تَهدي مَن أحببتَ، ولكنّ اللهَ يهدي مَن يشاء».
وهذه آياتٌ أذكرها تمثيلاً، لا حَصراً.

5- منذ بدايات التأسيس للخلافة الإسلاميّة وسلطاتها، أخذت الثّقافة في عالم اللغة العربيّة تنهض على قاعدتين: الأولى تتمثّل في الوحي الديني الذي نزل باللغة العربيّة نفسها، لغة الشعر والغناء، لغة الحياة وحقوقها وحرّياتها. والثانية تتمثّل في حضور هذه اللغة العظيمة، تاريخاً وإبداعاً، قبل نزول الوحي. وفي هذا يكمن سرُّ الانشقاق العميق على جميع المستويات، داخل جسم اللغة العربية ذاتها، بين الإبداع الإلهي الذي حملته هذه اللغة دينيّاً، وبين البِدَع الإنسانيّة التي حملتها واستمرّت في حملها لغة الثّقافة، وعلى الأخصّ الشعر. وأرى شخصيّاً أنّ تاريخ هذا الانشقاق، في تطوّراته وآفاقها يمثّل لحظة حضاريّة يندر مثيلها في تاريخ الإبداع.
وأكتفي هنا بهذه الإشارة، مؤَكِّداً استحالة البحث الجذري الخلاّق في الثّقافة العربيّة، نشوءاً وتطوُّراً ومآلاً، إلا انطلاقاً من تحليل هذا الانشقاق، في جميع مستوياته وآفاقه. وطبيعي أنّني لن أدخل هنا في هذا البحث (الذي لا بدّ من الدّخول فيه عاجلاً أو آجِلاً، إن شئنا أن نتقدّم) وأنّ ما سأقوله في هذه المقالة لن يكون أكثر من إضاءاتٍ وإشارات.
حصّنَت الخلافة سلطاتها، دينيّاً وثقافيّاً، بتَأويلٍ فقهي للدّين، صارمٍ ومُغلَق ونهائي أدّى في الممارسة إلى أن تتحَوَّل الأفكارُ والآراء والمواقف إلى إيديولوجيات مُغلَقَة. هكذا نعيش، ثقافيّاً، منذ البدء في ثقافة يُنتِجُها إخوة أعداء في «نظام» سياسي واحدٍ، في بلاد «واحدة»، في «شعبٍ واحد» يتكوّن من إثنيّاتٍ ولغاتٍ «مختلفة».تضمر هذه «الوحدة» الظاهرة نوعاً من الانشقاق داخل الذّات: نؤمن بأنبياء الوحدانيّة (لا نفرِّق بين أحدٍ من رسلها) لكننا لا نطيع إلا الوحي الذي نزل باللغة العربيّة وحدها: الوحْي كما يؤوِّله فقهُ السلطة، وتَحميهِ سلطة الفقه.
إنّه مأزقٌ ثلاثي الأبعاد، فكري وتاريخي وحياتيّ: لا تستطيع الثقافة العربيّة أن تكون «حرّة»، ودون حرّيّة تظلُّ في أبهى حضورها، إشارة إلى موهبة، إلى أفق، إلى عمقٍ، إلى مغامرة... لكن لا يمكن أن تكون مشروعاً إبداعيّاً، مدنيّاً، وإنسانيّاً بالمعنى الشامل والمطلق. ذلك أنّ المشروع لا ينهض على رؤية حرّة للإنسان والحياة والكون، وعلى حركِيَّة خلاّقة لابتكار المستقبل.
هكذا، إيمانيّاً، «نُميتُ الموتَ»، لكنّنا، حياتِيّاً وعمليّاً لا نحيا كلّ يوم إلا فيما نموتُ كلّ يوم.
والنّتيجة، تاريخيّاً، هي أنّ الثّقافة في عالم اللغة العربيّة تحوَّلت إلى أشكالٍ من التكَيُّفات والمُرونات والتبَعِيّات فقدت فيها الاستبصار والجذريّة، وتمَّ اختزال الحياة بالسّلطة، وبالصّراع فيها وحولَها وعليها.
وفي هذا تبدو الثقافة العربيّة كأنّها دَغَلٌ بلا حدود، بدلاً من أن تبدو كمثل فضاء بلا حدود.
في كلّ دَغَلٍ زَغَلٌ، لا محالة.
ربما نجد هنا في «ثقافة» الصراع حول كلّ ما يتعلّق بـ«الإمامة والسّياسة»، وفقاً لتعبير ابن قُتَيبة، أبعاداً «نفسيّة»، بالمعنى الحديث في التحليل النّفسيّ، لا على مستوى الفرد، وحده، وإنّما على مُستوى «اللاشعور الجمعيّ»، تخطّى المسألة الدّينيّة، بالمعنى الحصري للكلمة، ويصبح مسألة ثقافيّة عامّة، ترسّخُها المؤسّسات وطرائق التعليم والتربية.
لم يعُدْ كافِياً للمسلم في هذا الصّراع أن يكونَ مسلماً. وإنّما صار لِزاماً عليه أن يكون مسلماً مثل... ومُفَكّراً مثل... وشاعراً مثل... إلخ. وأصبح من الضروري للمفكّر المسلم أو الشاعر أو الفنّان أو الكاتب، أن يُمتَحَنَ أو يُرازَ إسلامُه: هل هو من أهل «السنة» أو من أهل «التشَيُّع»؟ هل هو «وهّابيّ» أم «إخوانيّ»؟ هل هو «سلفيّ» أم «رافضيّ»؟... إلخ.
انتهَت الموضوعيّة، وصار كلُّ شيءٍ يُقَوَّم بمعيار السّلطة، استناداً إلى سياسة «المصلحة»، أو «التوظيف» أو «الاستخدام» بطريقة أو بأخرى. وهكذا لم يَعُدْ عالم اللغة العربيّة يُقرَأ في النّصوصِ ذاتها وإنّما أصبح يُقرَأُ سياسياً، أو دينيّاً: مَن ليس معي، فهو ضدّي. ولا يهمُّ أبداً ما يكتبه مَن «يُخالِفُنا» في السّياسة والدّين، في أي مجالٍ، ومهما كان عظيماً في حدّ ذاته: المهمّ هل هو معي أم ضدّي؛ وهذا ما أسهمَ في ترسيخ اللحمة القبليّة «الآيديولوجيّة» واستحالة بناء مجتمع ٍ مدَني في عالم اللغة العربيّة، تقوم العلاقات بين أفراده، على أسُسٍ مدنيّة، حرّيّاتٍ، وحقوقاً وواجبات. ولا يزال هذا العالم، على هذا المستَوى، مُؤَلَّفاً من تجَمُّعاتٍ بشريّة متبايِنة في مناطق جغرافيّة متَنَوِّعة: تجمُّعاتٌ مُكَوَّنة من أفرادٍ عليهم القيام بالواجباتِ نفسِها، دون أن تكون لهم الحقوقُ نفسها.
كنّا في الماضي نُعنى بدراسة «الفرق الدينيّة» ـــ واليوم أضَفْنا إلى هذه «العناية» عناياتٍ أكثرَ وأشمل: اليوم نُعنى بدراسة «الفرق الشعريّة»، و«الروائيّة» و«الفنّيّة»، و«الفكريّة». وكلٌّ منها يصرِّح بثقة: «أنا الأكثرُ حضوراً وأهمّيّة. أنا الأعظم».
هكذا تراجعَ الاهتمامُ بالنّصوص التأسيسية الكبرى، وحلّت محلَّها النّصوص الثانوية التي يسْهُلُ توظيفها سياسياً، ويسهلُ استخدامُها بوصفها رأسمالاً سياسياً - آيديولوجيّاً.

6- يعيش عالم اللغة العربيّة، اليوم، في مُنْجَزاتٍ ثقافيّة علميّة - تقنيّة أنْجَزها الغرب الأميركي الأوروبّيّ:
1. الثّورة الكمّيّة التي أدّت إلى التحَكُّم في المادّة، وإلى نشوء أشكالٍ للحياة نفسها تُعرَف للمرّة الأولى.
2. الثّورة الإلكترونيّة التي أسّسَت لعالم معرفي جديد.
3. الثّورة الحيويّة - الجُزَيْئيّة (البيو - تقنيّة)، وهي التي أخذت تتحكَّم الآن في الحياة نفسها بأشكالٍ مُتَنَوِّعة تستجيب كثيراً أو قليلاً لرغبات البشَر.
هذه الثورات خلْخَلَت اليقينيّات كلّها، وتوَلَّدَت عنها مشكلات خلق الإنسان نفسه، كافراً أو مؤمِناً، على السّواء. خصوصاً أنّها ربطَت العلم بمتطلَّبات الاقتصاد والسّياسة، ومختلف الإنتاج الذي يرتبط بهما، وبمنطق السّوق.
لم يشارك العرب، أنظمة ومؤسّسات، في أي ثورة من هذه الثورات، وإن شاركَ بعض الأفراد العرب الذين يعيشون في الهجرة. وهذه إشارة لإعادة التوكيد على أنّ مشكلات التقدُّم إنما هي مشكلات أنظمة ومؤسّسات ومعتقدات وليست مشكلة فقر أو نقصٌ في الأفراد المبدعين في جميع الميادين. فعند العرب خلاّقون متفرّدون في جميع المجالات.
يُفتَرَض في التجارب المُتنوِّعة، المريرة غالباً، لكن الغنيّة والمُتعَدِّدة، تلك التي عرفها العرب في تاريخهم الحديث، بدءاً من زوال الخلافة العثمانيّة، أن تكون كافية لتقديم مادّة فريدة للتّفكير، والاستبصار، والاعتبار.
يُفتَرَض فيها، تبعاً لذلك، أن تولِّدَ فيهم إرادة العمل على التأسيس لحياة جديدة وثقافة جديدة في ضوء الانقلابات المعرفيّة الكبرى. وفي ضوء التطوُّر الذي أنجزه الإنسان على المستوى الكونيّ.
لكنّه افتراض يبدو أنّه في غير محلِّه. ففي السّنوات الأخيرة التي عاشها عالم اللغة العربيّة، أمثلة بارزة عن الثّقافة العربيّة المَوروثة، الحيّة والفاعلة. أمثلة تجلّى فيها هُزالُ الحياة السّياسيّة العربيّة وهُزال الثّقافة والأخلاق إلى درجة يشعر فيها المُواطن بالخجل من نفسه ومن وجوده على هذه الأرض. تجلّى فيها كذلك هُزالٌ في معنى هذه الحياة ومعنى الوطن والشّعب، والديمقراطيّة والحريّة، وحقوق الإنسان. فإن يُعبَثَ بمصائر البشر إلى هذه الدّرجة، وأن تُستَعاد الخلافة وتُعلَن إقامتُها في أكثر من بلَدٍ عربي بهذه الطّريقة وبهذا المستوى، وأن تُبتَذَل القِيَم ويُبْتَذَل الإنسان إلى هذا الحدّ، وعلى جميع الصُّعُد - أمرٌ يُضمِرُ حقّاً انهيار الحياة العربيّة والثقافة العربيّة على نحوٍ لا سابِقَ له.
العاملون العرب باللغة في الميدان الثّقافي يُنتِجون أعمالهم الثّقافيّة - فكراً وفنّاً، شعراً وموسيقى وغناءً، في محيط اجتماعي - سياسي تقودُهُ، مباشرة أو مُداوَرَة، رؤية دينيّة للإنسان والحياة والعالم. وفي هذا ما يفسِّر كيف أنّ إنتاج هذه الثّقافة يخضع قليلاً أو كثيراً، بطريقة أو بأخرى، لأحكام هذه الرّؤية. وما يُعَقِّد المسْألة هنا هو الغيابُ شبْهُ الكامل للبعد التأريخيّ، في هذه الأحكام، وبخاصّة الشّرعيّة، تغيُّراً وتَطَوُّراً. فالمكان، مهما تبدّلَ يظلُّ في الفقه والشّرع هو هو، والزّمَن مهما تغيّرَ وتغيَّرَت الأوضاع، يظلُّ زمَناً واحداً: القرن الثّاني والعشرون هو في هذه الأحكام كأنّه القرنُ الأوّل. الأزمنة والأمكنة هي التي يجب أن تخضع لهذه الأحكام، وأن تتكَيَّف مع شرعها.
ومعنى ذلك، موضوعيّاً وعمليّاً، أنّ القوانين التي توُضَعَ أصلاً لخدمة الإنسان، إنّما هي أعظم من الإنسان نفسه، وأنّ كينونته ومصيره، حقوقاً وحرّيّات، خاضعة لهذه القوانين ولأحكامها. والكلام، إذن على الحريّة والإبداع، وهما جوهر الثقافة كلامٌ لا مكانَ له في هذه الأحكام.
هكذا يبدو كيف أنّ الثّقافة العربيّة شوارِعُ وحقولٌ لفظيّة سرداً ووصفاً واستعادة من الماضي واستعارة من الآخر الأجنبيّ: تنقل كتابة هذا الآخر ومُنجَزاتِه الكتابيّة، كمثل ما تنقل السياسة صناعتَه ومُنجَزاته المادّيّة. وفي هذا تعيش الثقافة العربيّة أسيرة لخرافتين: الأولى تجيء من جهة الماضي (الذات)، والثانية تجيء من جهة المستقبل (الآخر). وفي هذا أيضاً ما يفسِّر خلُوَّ الكتابة العربيّة، في مختلف تجلّياتها، من المغامرات الكُبرى - في استقصاء الطبيعة، وما وراء الطبيعة. وفي اكتناه الإنسان «الجرم الصّغير»، الذي انطَوى فيه «العالم الأكبر» - إضافة إلى اكتناه القضايا الكبرى في اللغة وفي الذّات والآخر، وفي الحرّيّة والمعرفة والحقيقة، وفي معنى الإنسان ذاته.

7- الثّقافة هي أيضاً تجاربُ ومختبراتٌ وآفاقٌ لصناعة التقَدُّم، على صعيد الرّؤية والكشف المعرفيّ، صعيد العلاقة بين الشّيء والشّيء، بين الشّيء والإنسان، وبين اللغة والكَوْن. والسُّؤال، في هذا الإطار، ما التقَدُّم الذي حقّقَتهُ الثّقافة العربيّة في القرن العشرين والربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين؟ وما يكون الجواب، إذا قورِنَ بالأجوبة التي تقدّمها ثقافات الشعوب الأخرى في العالم كلّه.
والجواب موضوعيّاً هو أنّ الثّقافة نفسها تخلّفَت. المظهر الأول لهذا التخلف هو ازدياد جهلِ العرَب بأداة الثّقافة: اللغة الأمّ، كمّاً ونوعاً. وازدياد هيمنة اللغات الأجنبيّة. إضافة إلى أن معظم ترجماتنا من هذه اللغات إلى العربيّة لا تُسعِد اللغة العربيّة ولا تُشَرِّفها - لا على صعيد الإيغال في معرفة أسرارها، ولا حتّى في إتقانها، بحيث نتجنّب على الأقلّ أخطاء النّحْوِ والصَّرف وطُرُق الاستخدام - مفرداتٍ وتراكيب.
لا تحيا الثّقافة ولا تتجدَّد إلاّ في مجتمَعٍ مدَني ينهض على الحرّيّات والحقوق، بحيث لا يعود مؤَلَّفاً من أفرادٍ عليهم أن يقوموا بالواجبات نفسها، دون أن تكون لهم الحقوق نفسها، كما هي الحال في البلدان العربيّة. غياب المُواطِنيّة المَدَنيّة، شكلٌ آخر لتغييب الثّقافة المدَنيّة، لإبقائها وظيفة تسهر عليها السّلطة، ولإبقائها قائمة على علاقاتٍ تفسد القراءة كأنها ظاهِرة اجتماعيّة، أكثر منها ظاهرة ثقافيّة.
يكفي عند بعضهم أن يكون الكاتب لا يرى رأيَهم لكي ينبذوه أو يحاربوه أو يُشَوِّهوه، تبعاً للحالة.
في هذا الأفق يمكن أن نَصِفَ الحالة الرّاهِنة التي تعيشها الثّقافة العربيّة، وبخاصّة في تجلّياتها الأدبيّة - الفنّيّة، بأنّها «دَغَل»، وبأنّها ظواهِرُ تشيرُ إلى أوضاعٍ «نفسيّة»، أكثر منها ظواهر بَحْثٍ واستقصاء ومعرفة.
والحَقّ أنّ القراءة اليوم في عالم اللغة العربيّة هي نفسها بين المُشكِلات الثّقافيّة الأولى. نادِراً ما نرى في هذا العالم قراءة موضوعيّة للنّصوص في ذاتها، وفي مَعزِلٍ عن انتماءات أصحابها، إثنيّاً أو مّذهبيّاً أو آيديولوجيّاً. وهذا ما يوجب الإشارة إلى أنّ القراءة السّائدة ليست غالباً إلّا تأويلاً، وإلّا تقويلاً: تُقَوِّلُ النّصّ ما لا يقوله. وأحياناً يضيف القُرّاء من عنديّاتهم إلى النصّ ما لم يَقُلْهُ صاحِبُ النّصّ، أبداً.
وأصحابُ هذه القراءات مختلفون في الصّورة، لكنّهم يأتلفون في المعنى. وهي قراءات يقوم بها أهل اليسار، تماماً كما يقوم بها أهل اليمين: القارئ واحدٌ في البنية العقليّة - الآيديولوجيّة، والدّلالات والغايات، متباعدة ومتبايِنة. وقد يصل أصحاب هذه القراءات إلى مستوى «نفسيّ» ينبغي أن يحلِّلَه المختصّون: الرّفض القاطِع لقراءة مَن يعُدّونه عدُوّاً لهم. ولا يطرحون هذا السّؤال البسيط: إذا كُنّا ضدَّ مفكِّرٍ أو كاتبٍ، فكيف نُحاوِرُه أو نحاربُه إذا لم نقرَأْه؟
بالنّبذِ الكامل. أو بالسّيف - يجيبكَ بعضُهم.

وُلِدَ الإنسان خلاّقاً مُبدِعاً. وليست حياتُه إلّا ناراً تتوهّجُ، تُضيء وتستضيء، في الاتّجاهات كلّها، عُلُوّاً وعُمقاً وفي المَيادين كلِّها.
حين يُحظر السّؤال، يُحظَرُ الفكر، وحين يُحظَر الفكر، يُحظَر الإنسانُ نفسُه. وما تكون جَدوى الإنسان إذا عاش مَرْبوطاً بحبْلٍ ولو كان من ذهب؟
كل كتابة إبداعية هي كتابة في فضاء ثقافة تنهض على اليقين بأنّ الإنسانَ هو مركز الكَوْن.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.