جان دورميسون.. آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي

العضو البارز في الأكاديمية الفرنسية منذ أكثر من 40 سنة

جان دورميسون
جان دورميسون
TT

جان دورميسون.. آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي

جان دورميسون
جان دورميسون

أعترف بأني شعرت بالحزن عندما سمعت بأن الكاتب الفرنسي الشهير جان دورميسون سقط مغشيا عليه في برنامج تلفزيوني قبل أيام، فنقلوه إلى المستشفى مباشرة ولا يزال فيه حتى اللحظة. ولكن اطمئنوا يبدو أن أخباره مشجعة وصحته تتحسن على الرغم من أنه بلغ من العمر عتيا (90 سنة تقريبا). لماذا شعرت بالحزن؟ لأنه مولع بالأدب إلى أقصى حد ممكن، ولأن قراءته من أمتع ما يكون. وكل من هو مولع بالأدب صديقي وأستاذي. ولا أفهم كيف يمكن أن يوجد مثقف واحد لا علاقة له بطراوة الأدب وعبق الشعر. وقد قرأت له حتى الآن كثيرا من الكتب، بل وقدمت بعضها هنا أو هناك. وهو على أي حال أحد أعمدة الفكر والسياسة في فرنسا. وكان مسؤولا عن قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية في الـ«يونيسكو» سابقا، ورئيسا لتحرير جريدة الـ«فيغارو» في فترة من الفترات. كما انتخب عضوا بارزا في الأكاديمية الفرنسية منذ أكثر من 40 سنة. وهو مقرب من اليمين الديغولي، وبالتالي فليس معاديا للعرب أو كارها للإسلام بشكل مسبق كسواه.
ولكن جان دورميسون كاتب وأديب قبل كل شيء آخر، وربما كان آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي. فهو مشبع به إشباعا. ربما كان يعرف عن راسين وكورنيه وموليير وفولتير وشاتوبريان وفيكتور هيغو وعشرات الآخرين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم! وحلمه هو أن يدخل محراب الأدب، أن يصبح خالدا فيه كما حصل لهؤلاء الكبار ولأمثالهم كمارسيل بروست مثلا. إنه يبيع الدنيا كلها برواية «بحثًا عن الزمن الضائع». ولكنه يعترف بكل صدق وأمانة بأنه لم يستطع تحقيق ذلك. لقد اقترب من المرتبة العليا دون أن يصلها. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
أحيانا يستعرض جان دورميسون شريط حياته السابق فيتحدث عن كل شيء: عن الحب، والحياة، والموت، وما بعد الموت، عن النجاح والفشل، عن الشخصيات التي تعرف عليها على مدار عمره المديد، عن الأدباء الكبار الذين يحبهم، عن السياسيين الذين التقى بهم، عن الحرب والسلم، عن العرب واليهود، عن الصراع بين العالم الإسلامي والغرب، عن حرب الجزائر، عن النظريات العلمية الحديثة، عن سارتر وآرون، إلخ، إلخ.. فهو يتحدث مثلا عن فترة الخمسينات من القرن العشرين وهيمنة جان بول سارتر على المسرح الثقافي الفرنسي، ويقول: كان سارتر رائع الذكاء وكريما إلى أقصى الحدود. وكنا نلتقي به في مقاهي السان جيرمان دوبريه وسط العاصمة الفرنسية. كنا لا نزال شبابا في أول العمر ونحلم بتغيير العالم وكتابة أعظم المؤلفات. وبالتالي فشخصية سارتر كانت تسحرنا، لأنه أبدع في كل المجالات: من فلسفة، ومسرح، ونقد أدبي، ومقالة سياسية، وكنا نحلم بأن نصبح مثله، بأن نرتفع إلى مستواه. ثم يردف جان دورميسون قائلا: وكان سارتر يقدم نفسه كسقراط جديد هدفه تعليم الشبيبة وتثقيفها. كان يعتبر نفسه نبي العصور الحديثة، أو قل: كان الآخرون يعتبرونه كذلك. نقول ذلك على الرغم من أنه أخطأ كثيرا في مواقفه السياسية. فقد أيّد الاتحاد السوفياتي على طول الخط عندما كان لا يزال ستالينيا توتاليتاريا. وحقد على أميركا والمعسكر الغربي على طول الخط على الرغم من أنه كان يمثل معسكر الديمقراطية والحرية. ولذلك اختلفت معه لأن أصولي يمينية ولأني كنت مقربا من عدوه اللدود: ريمون آرون. وبعد أن ساهم في المقاومة ضد الاحتلال النازي بشكل ضعيف جدا راح سارتر يشكل فلسفته الوجودية فور انتهاء الحرب العالمية الثانية. ثم انتقل بعدئذ إلى الماركسية أو قل إلى نوع من المصالحة بين الوجودية والماركسية. وراح يقول بأن كل معاد للشيوعية هو شخص حقير أو كلب! وعندما كانوا يسألونه: من هو الديكتاتور أكثر، ستالين أم ديغول كان يجيبهم: ديغول! ولكن على الرغم من هذا العمى الآيديولوجي، فإن سارتر يظل قمة من قمم الأدب الفرنسي في عصرنا الراهن. وقد كتب عن طفولته كتابا جميلا وناجحا جدا بعنوان «الكلمات». ثم ألف كتابا ضخما في الفلسفة يدعى «الوجود والعدم». وقد لقي نجاحا منقطع النظير بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه أعطى الشبيبة الفرنسية التي خرجت محطمة بعد الحرب الأمل بمستقبل أفضل، أو الأمل بالقدرة على مواجهة الخيبات المدمرة. ولكن كتابه مستعار من فلاسفة الألمان في الواقع: أي من كتب هوسيرل، وكارل ياسبرز، وهيدغر. وبالتالي فهو مقلّد أكثر مما هو مبدع. نقول ذلك على الرغم من أن مقدرته على اختراع المصطلحات الفلسفية الجديدة تدعو للإعجاب والدهشة. ولكن، هل يمكن أن يرتفع فلسفيا إلى مرتبة هيدغر؟ ثم يتحدث جان دورميسون عن نهاية سارتر، ويقول: لقد حشدت جنازة سارتر وراءها عشرات الآلاف من البشر عام 1980. وغصت شوارع باريس بالناس من أولها إلى آخرها: أي حتى الوصول إلى المقبرة في حي المونبارناس. ولا تضاهيها أي جنازة أخرى في التاريخ الحديث، اللهمّ إلا جنازة فيكتور هيغو قبل مائة سنة. فعندئذ هبت باريس كلها عن بكرة أبيها لكي تودع شاعرها الأكبر. أفتح هنا قوسا وأقول بأن المجلة الأدبية الفرنسية «الماغازين ليتيرير» أجرت استفتاء في عددها الأخير شهر أبريل (نيسان) وتبين فيه أن فيكتور هيغو هو أديب فرنسا الأول؛ إذ حصد معظم الأصوات، في حين أن سارتر جاء في المرتبة الخامسة عشرة ولم يحصد إلا اثني عشر صوتا. أما فولتير فقد جاء في المرتبة السادسة ونال 29 صوتا.. ثم قالت المجلة بأن شكسبير هو أديب الإنجليز الأول بلا منازع، ودانتي هو الأول بالنسبة للإيطاليين، وغوته بالنسبة للألمان، وسيرفانتس بالنسبة للإسبان، إلخ.. ولكن ماذا عن العرب؟ لا أحد يطرح هذا السؤال. حتما المتنبي هو الشاعر العربي الأول. أما بالنسبة للنثر فهناك حيرة وخيارات كثيرة. هل هو الجاحظ أم التوحيدي أم المعري؟ أم شخص آخر؟ أنا شخصيا أميل إلى المعري لأنه نبغ شعرا ونثرا على حد سواء. وهذا نادر. ثم إني أضع رسالة الغفران فوق كل الآداب العربية قاطبة. بحياته كلها لم يحلق الأدب العربي إلى هذا المستوى، إلى هذا العلوّ. لكن ماذا عن العصور الحديثة؟ من هو الشاعر العربي الأول؟ أنصحك وأنصح نفسي بعدم الإجابة لكيلا تتعرض لعملية اغتيال.
لكن لنعد إلى جان دورميسون. فيما يخص الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يقول لنا ما يلي: لقد التقيت بسيدة فرنسية مهمة من أصل يهودي، وقالت لي ما يلي: الشيء الذي يحزنني في الوقت الحاضر هو موقف الناس في الغرب تجاهنا. فقد تغير في السنوات الأخيرة ما عدا في أميركا لحسن الحظ. أما في ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، فإن الجماهير أصبحت تنصرف عنا إلى حد كبير وتتعاطف مع الفلسطينيين.
صحيح أن الشعوب الأوروبية لا تزال تقف معنا عندما تحصل عملية انتحارية وتحصد عشرات الناس بين قتلى وجرحى في تل أبيب، أو نتانيا، أو القدس، إلخ.. ولكن الدعاية الفلسطينية فعلت مفعولها في أوروبا وأصبحت تجذب إلى قضيتها كثيرين. وهذا شيء حديث العهد وما كان معروفا في الماضي. في السابق كانت الدعاية الإسرائيلية هي وحدها المهيمنة على الساحة. أما الآن فلا. وهذا ما يقلقني. وعندئذ يطرح عليها جان دورميسون هذا السؤال: ولكن أليس للفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم على أرضهم؟ فتجيبه السيدة اليهودية قائلة: لهم الحق. ولكن نحن أيضا لنا الحق. فإسرائيل هي أرضنا منذ الأزل وإلى الأبد بصك إلهي توراتي. لقد عدنا إليها بعد ألفي سنة وكأننا غادرناها البارحة. ألم تسمع بقصة الأرض الموعودة؟ ولكن العرب لا هدف لهم إلا استئصالنا ومحونا من الوجود. إنهم يحلمون بالقضاء علينا يوما ما أو رمينا في البحر.
وعندئذ يجيب دورميسون: المشكلة هي أنكم حتى لو انتصرتم على العرب ألف مرة، فإن الكلمة الأخيرة ستكون لهم. لماذا؟ لأن المنطقة هي لهم من الأساس. ثم لأنهم سوف يغمرونكم بالعدد من داخلكم ومن خارجكم. الديمغرافيا لصالح العرب يا سيدتي، ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا ضد القنبلة الديمغرافية التي قد لا تقل خطورة عن القنبلة الذرية. إسرائيل سوف تغرق في بحر من العرب يوما ما لا محالة. وبالتالي فالنصر للعرب في نهاية المطاف حتى من دون قتال.. ولذا فمن مصلحتكم أن تجدوا حلا معهم لكي يقبلوا بكم يوما ما. فالحروب وسفك الدماء إلى ما لانهاية شيء عقيم. يضاف إلى ذلك أن قمع شعب بأسره على أرض آبائه وأجداده قد أفقدكم رصيدكم الأخلاقي وتعاطف العالم معكم ليس فقط بسبب المحرقة النازية، وإنما أيضا بسبب الاضطهاد أو الاحتقار الذي عانيتم منه على مدار القرون.. أخيرا، فإن اليهود ازدهروا يوما ما علما وفلسفة وأدبا في ظل الحضارة العربية الإسلامية إبان الأندلس الزاهرة. فهل سيعود مرة أخرى ذلك الفردوس المفقود؟



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي