جان دورميسون.. آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي

العضو البارز في الأكاديمية الفرنسية منذ أكثر من 40 سنة

جان دورميسون
جان دورميسون
TT

جان دورميسون.. آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي

جان دورميسون
جان دورميسون

أعترف بأني شعرت بالحزن عندما سمعت بأن الكاتب الفرنسي الشهير جان دورميسون سقط مغشيا عليه في برنامج تلفزيوني قبل أيام، فنقلوه إلى المستشفى مباشرة ولا يزال فيه حتى اللحظة. ولكن اطمئنوا يبدو أن أخباره مشجعة وصحته تتحسن على الرغم من أنه بلغ من العمر عتيا (90 سنة تقريبا). لماذا شعرت بالحزن؟ لأنه مولع بالأدب إلى أقصى حد ممكن، ولأن قراءته من أمتع ما يكون. وكل من هو مولع بالأدب صديقي وأستاذي. ولا أفهم كيف يمكن أن يوجد مثقف واحد لا علاقة له بطراوة الأدب وعبق الشعر. وقد قرأت له حتى الآن كثيرا من الكتب، بل وقدمت بعضها هنا أو هناك. وهو على أي حال أحد أعمدة الفكر والسياسة في فرنسا. وكان مسؤولا عن قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية في الـ«يونيسكو» سابقا، ورئيسا لتحرير جريدة الـ«فيغارو» في فترة من الفترات. كما انتخب عضوا بارزا في الأكاديمية الفرنسية منذ أكثر من 40 سنة. وهو مقرب من اليمين الديغولي، وبالتالي فليس معاديا للعرب أو كارها للإسلام بشكل مسبق كسواه.
ولكن جان دورميسون كاتب وأديب قبل كل شيء آخر، وربما كان آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي. فهو مشبع به إشباعا. ربما كان يعرف عن راسين وكورنيه وموليير وفولتير وشاتوبريان وفيكتور هيغو وعشرات الآخرين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم! وحلمه هو أن يدخل محراب الأدب، أن يصبح خالدا فيه كما حصل لهؤلاء الكبار ولأمثالهم كمارسيل بروست مثلا. إنه يبيع الدنيا كلها برواية «بحثًا عن الزمن الضائع». ولكنه يعترف بكل صدق وأمانة بأنه لم يستطع تحقيق ذلك. لقد اقترب من المرتبة العليا دون أن يصلها. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
أحيانا يستعرض جان دورميسون شريط حياته السابق فيتحدث عن كل شيء: عن الحب، والحياة، والموت، وما بعد الموت، عن النجاح والفشل، عن الشخصيات التي تعرف عليها على مدار عمره المديد، عن الأدباء الكبار الذين يحبهم، عن السياسيين الذين التقى بهم، عن الحرب والسلم، عن العرب واليهود، عن الصراع بين العالم الإسلامي والغرب، عن حرب الجزائر، عن النظريات العلمية الحديثة، عن سارتر وآرون، إلخ، إلخ.. فهو يتحدث مثلا عن فترة الخمسينات من القرن العشرين وهيمنة جان بول سارتر على المسرح الثقافي الفرنسي، ويقول: كان سارتر رائع الذكاء وكريما إلى أقصى الحدود. وكنا نلتقي به في مقاهي السان جيرمان دوبريه وسط العاصمة الفرنسية. كنا لا نزال شبابا في أول العمر ونحلم بتغيير العالم وكتابة أعظم المؤلفات. وبالتالي فشخصية سارتر كانت تسحرنا، لأنه أبدع في كل المجالات: من فلسفة، ومسرح، ونقد أدبي، ومقالة سياسية، وكنا نحلم بأن نصبح مثله، بأن نرتفع إلى مستواه. ثم يردف جان دورميسون قائلا: وكان سارتر يقدم نفسه كسقراط جديد هدفه تعليم الشبيبة وتثقيفها. كان يعتبر نفسه نبي العصور الحديثة، أو قل: كان الآخرون يعتبرونه كذلك. نقول ذلك على الرغم من أنه أخطأ كثيرا في مواقفه السياسية. فقد أيّد الاتحاد السوفياتي على طول الخط عندما كان لا يزال ستالينيا توتاليتاريا. وحقد على أميركا والمعسكر الغربي على طول الخط على الرغم من أنه كان يمثل معسكر الديمقراطية والحرية. ولذلك اختلفت معه لأن أصولي يمينية ولأني كنت مقربا من عدوه اللدود: ريمون آرون. وبعد أن ساهم في المقاومة ضد الاحتلال النازي بشكل ضعيف جدا راح سارتر يشكل فلسفته الوجودية فور انتهاء الحرب العالمية الثانية. ثم انتقل بعدئذ إلى الماركسية أو قل إلى نوع من المصالحة بين الوجودية والماركسية. وراح يقول بأن كل معاد للشيوعية هو شخص حقير أو كلب! وعندما كانوا يسألونه: من هو الديكتاتور أكثر، ستالين أم ديغول كان يجيبهم: ديغول! ولكن على الرغم من هذا العمى الآيديولوجي، فإن سارتر يظل قمة من قمم الأدب الفرنسي في عصرنا الراهن. وقد كتب عن طفولته كتابا جميلا وناجحا جدا بعنوان «الكلمات». ثم ألف كتابا ضخما في الفلسفة يدعى «الوجود والعدم». وقد لقي نجاحا منقطع النظير بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه أعطى الشبيبة الفرنسية التي خرجت محطمة بعد الحرب الأمل بمستقبل أفضل، أو الأمل بالقدرة على مواجهة الخيبات المدمرة. ولكن كتابه مستعار من فلاسفة الألمان في الواقع: أي من كتب هوسيرل، وكارل ياسبرز، وهيدغر. وبالتالي فهو مقلّد أكثر مما هو مبدع. نقول ذلك على الرغم من أن مقدرته على اختراع المصطلحات الفلسفية الجديدة تدعو للإعجاب والدهشة. ولكن، هل يمكن أن يرتفع فلسفيا إلى مرتبة هيدغر؟ ثم يتحدث جان دورميسون عن نهاية سارتر، ويقول: لقد حشدت جنازة سارتر وراءها عشرات الآلاف من البشر عام 1980. وغصت شوارع باريس بالناس من أولها إلى آخرها: أي حتى الوصول إلى المقبرة في حي المونبارناس. ولا تضاهيها أي جنازة أخرى في التاريخ الحديث، اللهمّ إلا جنازة فيكتور هيغو قبل مائة سنة. فعندئذ هبت باريس كلها عن بكرة أبيها لكي تودع شاعرها الأكبر. أفتح هنا قوسا وأقول بأن المجلة الأدبية الفرنسية «الماغازين ليتيرير» أجرت استفتاء في عددها الأخير شهر أبريل (نيسان) وتبين فيه أن فيكتور هيغو هو أديب فرنسا الأول؛ إذ حصد معظم الأصوات، في حين أن سارتر جاء في المرتبة الخامسة عشرة ولم يحصد إلا اثني عشر صوتا. أما فولتير فقد جاء في المرتبة السادسة ونال 29 صوتا.. ثم قالت المجلة بأن شكسبير هو أديب الإنجليز الأول بلا منازع، ودانتي هو الأول بالنسبة للإيطاليين، وغوته بالنسبة للألمان، وسيرفانتس بالنسبة للإسبان، إلخ.. ولكن ماذا عن العرب؟ لا أحد يطرح هذا السؤال. حتما المتنبي هو الشاعر العربي الأول. أما بالنسبة للنثر فهناك حيرة وخيارات كثيرة. هل هو الجاحظ أم التوحيدي أم المعري؟ أم شخص آخر؟ أنا شخصيا أميل إلى المعري لأنه نبغ شعرا ونثرا على حد سواء. وهذا نادر. ثم إني أضع رسالة الغفران فوق كل الآداب العربية قاطبة. بحياته كلها لم يحلق الأدب العربي إلى هذا المستوى، إلى هذا العلوّ. لكن ماذا عن العصور الحديثة؟ من هو الشاعر العربي الأول؟ أنصحك وأنصح نفسي بعدم الإجابة لكيلا تتعرض لعملية اغتيال.
لكن لنعد إلى جان دورميسون. فيما يخص الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يقول لنا ما يلي: لقد التقيت بسيدة فرنسية مهمة من أصل يهودي، وقالت لي ما يلي: الشيء الذي يحزنني في الوقت الحاضر هو موقف الناس في الغرب تجاهنا. فقد تغير في السنوات الأخيرة ما عدا في أميركا لحسن الحظ. أما في ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، فإن الجماهير أصبحت تنصرف عنا إلى حد كبير وتتعاطف مع الفلسطينيين.
صحيح أن الشعوب الأوروبية لا تزال تقف معنا عندما تحصل عملية انتحارية وتحصد عشرات الناس بين قتلى وجرحى في تل أبيب، أو نتانيا، أو القدس، إلخ.. ولكن الدعاية الفلسطينية فعلت مفعولها في أوروبا وأصبحت تجذب إلى قضيتها كثيرين. وهذا شيء حديث العهد وما كان معروفا في الماضي. في السابق كانت الدعاية الإسرائيلية هي وحدها المهيمنة على الساحة. أما الآن فلا. وهذا ما يقلقني. وعندئذ يطرح عليها جان دورميسون هذا السؤال: ولكن أليس للفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم على أرضهم؟ فتجيبه السيدة اليهودية قائلة: لهم الحق. ولكن نحن أيضا لنا الحق. فإسرائيل هي أرضنا منذ الأزل وإلى الأبد بصك إلهي توراتي. لقد عدنا إليها بعد ألفي سنة وكأننا غادرناها البارحة. ألم تسمع بقصة الأرض الموعودة؟ ولكن العرب لا هدف لهم إلا استئصالنا ومحونا من الوجود. إنهم يحلمون بالقضاء علينا يوما ما أو رمينا في البحر.
وعندئذ يجيب دورميسون: المشكلة هي أنكم حتى لو انتصرتم على العرب ألف مرة، فإن الكلمة الأخيرة ستكون لهم. لماذا؟ لأن المنطقة هي لهم من الأساس. ثم لأنهم سوف يغمرونكم بالعدد من داخلكم ومن خارجكم. الديمغرافيا لصالح العرب يا سيدتي، ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا ضد القنبلة الديمغرافية التي قد لا تقل خطورة عن القنبلة الذرية. إسرائيل سوف تغرق في بحر من العرب يوما ما لا محالة. وبالتالي فالنصر للعرب في نهاية المطاف حتى من دون قتال.. ولذا فمن مصلحتكم أن تجدوا حلا معهم لكي يقبلوا بكم يوما ما. فالحروب وسفك الدماء إلى ما لانهاية شيء عقيم. يضاف إلى ذلك أن قمع شعب بأسره على أرض آبائه وأجداده قد أفقدكم رصيدكم الأخلاقي وتعاطف العالم معكم ليس فقط بسبب المحرقة النازية، وإنما أيضا بسبب الاضطهاد أو الاحتقار الذي عانيتم منه على مدار القرون.. أخيرا، فإن اليهود ازدهروا يوما ما علما وفلسفة وأدبا في ظل الحضارة العربية الإسلامية إبان الأندلس الزاهرة. فهل سيعود مرة أخرى ذلك الفردوس المفقود؟



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».