كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»

فهمي يستعرض في كتابه نصف قرن من التطورات الدولية والإقليمية والمصرية

كلينتون يتسلم أوراق اعتماد  نبيل فهمي سفيرا لمصر  لدى واشنطن
كلينتون يتسلم أوراق اعتماد نبيل فهمي سفيرا لمصر لدى واشنطن
TT

كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»

كلينتون يتسلم أوراق اعتماد  نبيل فهمي سفيرا لمصر  لدى واشنطن
كلينتون يتسلم أوراق اعتماد نبيل فهمي سفيرا لمصر لدى واشنطن

«في قلب الأحداث» كتاب لوزير الخارجية المصري نبيل فهمي يستعرض فيه نصف قرن من الأحداث الدولية والإقليمية والوطنية، تابعها عن قرب بصفته مواطناً طموحاً وشاهداً مباشراً وممارساً دبلوماسياً ومسؤولاً سياسياً.
«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من الكتاب في ثلاث حلقات؛ تتناول الأولى معايشة فهمي من منصبه كسفير لبلاده في واشنطن، تجارب الإدارات الأميركية في البحث عن خليفة للرئيس المصري حسني مبارك بعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ومع تقدمه بالعمر.
ومن قلب الحدث، يسرد فهمي ما لمسه من المسؤولين الأميركيين في تقييمهم للمرشحين المحتملين لخلافة مبارك، وسط تجاذب بين «نشر قيم الديمقراطية» من جهة، والحفاظ على المصالح الأميركية واستقرار النظام المصري من جهة ثانية.
وهكذا يحكي فهمي كيف سقطت أسهم عمرو موسى، إذ كان شخصية قيادية ذات نزعة استقلالية، ما يجعل التعامل معه صعباً. إضافة الى مواقفه القوية المؤيدة للفلسطينيين.
بعده، ارتفعت أسهم اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات، ذي التوجه الوسطي مع نزعة براغماتية قوية، والذي حظي بمكانة جيدة لدى واشنطن، قبل أن تبرد الرغبة الأميركية به.
ثم حاول الأميركيون الرهان على جمال مبارك لخلافة والده، لكن لقاءً مباشراً معه مع الرئيس جورج بوش بدعوة شخصية من الأخير، أسقط هذا الرهان.
ودائماً كانت جماعة «الإخوان المسلمين» ورقة عند الأميركيين منذ بدأوا تقبل «الإسلام السياسي»، فنسجوا علاقات متعددة المستويات معهم، مثيرين حساسية نظام مبارك.

بسبب تشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية الكبيرة في الشرق الأوسط في نهاية القرن العشرين، كانت الأطراف العربية والأفريقية والدولية تتابع عن كثب ما يحدث بمصر في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك. وكان هناك اهتمام غربي، خصوصاً من الولايات المتحدة، بالأوضاع السياسية في مصر. وكانت واشنطن تسأل بشكل مباشر، وأحياناً علناً، عن خليفة مبارك المنتظر. وازداد هذا الاهتمام مع تنامي القلق الأميركي من تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
كانت الفكرة السائدة في واشنطن هي أن انتشار الديمقراطية أفضل وسيلة لحماية المصالح الأميركية في الخارج على المدى البعيد. وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، أصبحت التحركات لنشر الديمقراطية في العالم أقوى وأشرس.
مع تقدم مبارك في السن، لم تعد واشنطن تراهن عليه، كجزء من مستقبل الشرق الأوسط. وهي كانت محبطة لعدم وجود خطة واضحة لانتقال السلطة أو لخلافته وفق جدول زمني مقبول. لذا أصبحت حريصة على متابعة كل ما يتردد في مصر من شائعات بشأن ترشح مبارك من عدمه في الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في منتصف عام 2011، أو الشخصية المرشحة لخلافته إذا قرر التخلي عن السلطة. وقد رصدتُ لائحة لمرشحين محتملين لدى دوائر صناعة القرار في واشنطن. وأنا لا أستبعد أن يكون الأميركيون دعموا بعضهم، لكني لا أمتلك دليلاً مادياً على ذلك.
وفي أواخر التسعينات من القرن الماضي وأوائل عام 2000، كان عمرو موسى أول اسم مطروح لخلافة لمبارك، إذ كان يحظى بشعبية واضحة لدى مختلف قطاعات المجتمع المصري، لكنه لم يكن يحظى بدعم المؤسسات السياسية في الدولة، مثل الحزب الوطني الحاكم وأجهزة الأمن. ولو أجريت الانتخابات في 2000 و2005 بنزاهة ومن دون مشاركة مبارك، لكانت فرص فوزه كبيرة.
كسفير لمصر في واشنطن، كنت ألمس أن الأميركيين لا يحبون موسى. فقد كانوا يعتبرونه شخصية قيادية ووطنية ذات نزعة استقلالية، ما يجعل التعامل معه صعباً. إضافة إلى مواقفه القوية المؤيدة للفلسطينيين. وظهر هذا الموقف بوضوح في زيارته الأخيرة كوزير خارجية إلى واشنطن، قبيل انتقاله إلى جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2001.
وكان فريق عملية السلام في إدارة الرئيس بيل كلينتون أبلغ فريق خليفته جورج بوش، بأن وزارة الخارجية المصرية تتبنى مواقف متشددة وحماسية في الدفاع عن الحق الفلسطيني، وتعرقل الضغط على الفلسطينيين للقبول بما يُعرض عليهم لتسوية النزاع. لذلك كان عمرو موسى الأكثر استهدافاً من قبل الأميركيين والإسرائيليين.
بدا تأثير رسالة إدارة كلينتون واضحاً على تعامل مستشارة الأمن القومي الجديدة كونداليزا رايس مع موسى في أول لقاء لهما بعد تنصيب إدارة بوش. فقد تعاملت رايس معه بخشونة واضحة، وألقت عليه محاضرة سخيفة ومتعالية في طبيعة المشهد السياسي والمستقبل في الشرق الأوسط. وفوجئت شخصياً بصبر موسى وهدوئه، وتجنبه الدخول معها فيما يراه جدلاً لا طائل منه، مفضّلاً التركيز على التعاون المستقبلي مع واشنطن كأمين عام للجامعة العربية. وبعد هذا الاجتماع، أبلغت بوريس رايدل، الذي احتفظ بمنصبه كمساعد شخصي للرئيس وكبير مديري إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، بأن لقاء موسى ورايس كان سيئاً وغير مجدٍ، وبأن المستشارة أخطأت بحق مصر وبحق موسى كثيراً.
المرشح الثاني لخلافة مبارك كان اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، وهو صاحب «خلفية عسكرية» وله خبرة كبيرة في العمل المخابراتي. وبناء على تعليمات مبارك، تواصل سليمان مع كثير من الشخصيات الدولية والأميركية بشكل خاص، من خلال منصبه كمدير للمخابرات.
عمر سليمان، ذو التوجه الوسطي مع نزعة براغماتية قوية، حظي بمكانة جيدة لدى واشنطن. وهو لعب دوراً مهماً في كثير من المواضيع المتصلة بالحرب على الإرهاب والعلاقات الفلسطينية - الإسرائيلية، وبالتالي كان له دور مهم بالنسبة للعلاقات العربية - الإسرائيلية.
المهم بالنسبة للأميركيين كان إيمان عمر سليمان بأهمية العلاقات المصرية - الأميركية. وكانوا يفضلونه كخليفة لمبارك، مع أنهم لم يصرحوا ولم يوحوا بذلك أبداً في حدود معلوماتي، إلا أنني كنت أشعر بذلك من خلال الطريقة التي كانوا يسألون بها عنه. وعلى الرغم من أنه لم يكن الخيار المفضل من منظور التحول الديمقراطي المنشود في مصر، فإن العقلية الوسطية القادرة على قيادة المجتمع المصري والحفاظ على المصالح كانت أهم لدى الأميركيين من الديمقراطية.
سليمان اعتاد زيارة واشنطن منفرداً مرة كل عام على الأقل، في إطار التعاون مع نظيره في وكالة المخابرات الأميركية، فيلتقي مسؤولين أميركيين يتم تحديدهم حسب التطورات الدولية والاقليمية وتطور العلاقات بين البلدين. وكنتُ أحضر لقاءاته كافة، بما في ذلك مقابلاته مع نائب الرئيس ديك تشيني أو رايس، أو أعضاء الكونغرس، لكن ليس لقاءاته مع مسؤولي أجهزة المخابرات، مكتفياً في هذا الصدد بما يقدمه من ملاحظات لاحقة عن هذه اللقاءات في إطار التعاون العام مع السفارة المصرية في واشنطن.
في زيارة له إلى واشنطن عام 2004 وبعدما استمع مني عن تركيز مراكز البحث الأميركية الحديث عن الاحتمالات المختلفة لمرحلة ما بعد الرئيس مبارك، في ضوء اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مصر، مع مرور أكثر من عقدين على تولي مبارك السلطة، قال سليمان إن الأمور غير واضحة وكل شيء قابل للتغيير حتى آخر لحظة في مثل هذه الأمور، قبل أن يختم كلامه بأن الشائعات الخاصة بتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية خلقت بلبلة وحساسية، وأن من الأفضل أن يعلن الرئيس قراره في هذا الشأن لتهدأ الأمور بصرف النظر عما سيتقرر لاحقاً بالنسبة لمنصب الرئيس. ومع مرور الوقت، تلاشت فرص سليمان وهدأت الشائعات مثلها مثل الشائعات التي سبقتها حول عمرو موسى.
المرشح الثالث المحتمل والأشد إثارة للجدل لخلافة مبارك، كان نجله جمال، باعتباره شخصية مثالية لـ«الأجندة الديمقراطية» الأميركية. فقد تلقى تعليماً غربياً وهو مؤيد للقطاع الخاص، وأصبح بدءاً من 2002 شخصية بارزة في الحزب الوطني الحاكم الذي يرأسه والده.
ولم يكن الأميركيون، الذين لا يحبون عمرو موسى وغير المتيّمين بعمر سليمان، حددوا موقفهم من فكرة وصول جمال مبارك إلى الحكم خلفاً لوالده. وكسفير لبلادي في واشنطن، كنت على تواصل دائم مع مراكز الأبحاث والمحللين في الولايات المتحدة لمتابعة النقاشات بشأن مصر، بما في ذلك ردود الأفعال على الشائعات بشأن المرشحين المحتملين للرئاسة. وكان المحللون الأميركيون يسألونني باستمرار عن المرشحين الثلاثة. وكما أتذكر، لم يسألني أي مسؤول أميركي حكومي عن جمال، مع أنهم بالتأكيد كانوا يتابعون صعوده السياسي الظاهر للعيان.
جمال مبارك زار الولايات المتحدة في مناسبات عديدة، أولاً كعضو غير رسمي أثناء زيارات والده السنوية، ثم كعضو في وفود غير حكومية خصوصاً تلك التي تمثل مجتمع الأعمال المصري. كما كان يأتي منفرداً في زيارات خاصة، ولكن بشكل نادر. وبمرور الوقت، لاحظت التغير في مزاجه العام ونبرته خلال هذه الزيارات. كان دائماً مهذباً، ومتحفظاً في حديثه عن الأحداث في مصر على مر السنوات. كما لاحظت أنه تحوّل من كونه محفزاً للتغيير، إلى شخص يؤكد الحاجة إلى استقرار نظام الحكم وأمنه. وفي واحد من آخر اللقاءات بيننا في واشنطن، سألته عن زيادة تركيزه على الأمن وما إذا كان ذلك يعكس هاجساً موجوداً في مصر، فلم يرد على السؤال بشكل مباشر، لكنه تحدث عن المخاوف من صعود التيارات الإسلامية وفي مقدمتها الحركات السلفية.
وخلال زياراته للولايات المتحدة، كانت سفارة مصر في واشنطن تراعي أنه نجل رئيس الجمهورية وتجنبه التعرض لمواقف حرجة، وتقدم له الخدمات والمجاملات المعتادة والعادية التي تقدمها السفارة لشخصيات المجتمع المدني المصرية التي تزور واشنطن. ولم يكن يطلب أكثر من ذلك، كما أنه لم يكن يحظى بأي معاملة استثنائية، أو يتم التعامل معه كشخصية رسمية، وأقصى صفة رسمية تم التعامل بها معه كانت باعتباره قيادياً في الحزب الحاكم.
ومع تجنب السؤال رسمياً عن مستقبله، لوحظ تنامي اهتمام المسؤولين الأميركيين بترتيب لقاءات مع جمال مبارك لتقييم توجهاته السياسية، أو لنقل رسائل غير رسمية لوالده.
وفي مايو (أيار) 2006، زار جمال مبارك الولايات المتحدة لتجديد رخصة طيرانه. وكما كان يفعل باستمرار، طار من القاهرة إلى مطار دالاس في واشنطن، ثم استقل طائرة في رحلة طيران داخلية إلى وجهته ثم اتخذ المسار نفسه في طريق عودته إلى مصر. وكان جمال مبارك يتصل بي عادة قبل وصوله إلى واشنطن، في طريق الذهاب والعودة. وفي زيارته تلك، تلقيت اتصالاً هاتفياً من مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي يطلب فيه مقابلة مبارك الابن عندما يصل إلى واشنطن في طريق عودته إلى القاهرة.
ونظراً إلى أن هذه المقابلة اتخذت طابعاً رسمياً، لأنني تلقيت طلباً بها من مسؤول أميركي، وبعد الحصول على إذن من الرئيس مبارك، رتبت الاجتماع، وذهبت مع جمال لمقابلة هادلي. ولم يكن هناك أي شيء سري في اللقاء. وكانت أغلب الأسئلة التي طرحها هادلي تتعلق بتطوير الحزب الوطني ودور القطاع الخاص في مصر. مع ذلك، سبّبت هذه الزيارة مهاترات عديدة وواسعة في القاهرة مع نشر تقارير إعلامية عما وصف بأنها المحادثات السرية التي أجراها جمال خلال وجوده في واشنطن. وزادت حدة الشائعات عندما قال البيان الصادر عن البيت الأبيض إن جمال مبارك كان في أميركا لتجديد رخصة طائرته وليس رخصة طيرانه. وتلقيت اتصالات هاتفية عديدة من وسائل الإعلام المصرية تسأل لماذا لم أصدر بياناً عن الاجتماع كما فعل البيت الأبيض، وكان ردي في ذلك الوقت وكما الحال دائماً: «أنا لا أصدر بيانات عن مقابلات المواطنين المصريين غير الرسميين في أميركا»، وأضفت أن «الأمر متروك لتقدير البيت الأبيض وللطرف المصري الآخر في اللقاء لإصدار بيان من عدمه». حينها أدركت أن الأميركيين باتوا يتعاملون مع جمال مبارك بصورة أكثر جدية، على الرغم من عدم طرح أي أسئلة مباشرة عن مسألة خلافة الرئيس.
وبعد عامين، وفي 2008 تحديداً، تلقيت اتصالاً هاتفياً غاضباً من الرئيس مبارك متحدثاً عن الهواة ومعدومي الخبرة من المسؤولين الأميركيين، الذين يعتبرون جمال خليفة له في الرئاسة. وبحرص، هدأتُ الرئيس لكي أفهم منه سبب غضبه، وأشار إلى وصول دعوة أميركية إلى جمال لزيارة البيت الأبيض ومقابلة الرئيس بوش. وبطريقة مهذبة، لكن صريحة، قلت له إنه لا فكرة لدي أبداً عن الدعوة واقترحت عليه سؤال جمال عنها. وبهدوء غيّر مبارك مجرى الكلام، وقال إن بوش أرسل الدعوة إلى جمال. وسألني عن كيفية التعامل معها. وبعدما تلقيت صورة من الدعوة من الرئيس، أدركت أنها كانت رسالة مكتوبة بخط اليد على أوراق بوش الشخصية.
وخلال دقائق عاد مبارك واتصل بي مرة أخرى وسألني عن رأيي، فأبلغته بأنها دعوة شخصية من حيث الشكل والمضمون، لذلك فإن قبولها أو رفضها يجب أن يكون من جانب جمال، وإن الزيارة إذا تمت فيجب أن تكون «زيارة شخصية»، حيث يلتقي جمال بمضيفيه من دون مرافقة أي مسؤول مصري من السفارة في واشنطن، فتريث الرئيس في الرد وأبلغني بأنه سيعاود الاتصال لاحقاً.
وبعد يومين، اتصل بي مبارك مجدداً، وقال إن جمال سيأتي إلى أميركا في «زيارة شخصية»، مشدداً على أنه يريد مني تحديد ما أعنيه بإجراءات زيارة شخصية، وبالتحديد التعامل معه بالمطار. وبدا في هذه المكالمة كأب وهو يسأل عن الجوانب اللوجيستية للزيارة. وشرحت له أن المساعدة التي ستقدمها السفارة ستكون فقط في حدود ترتيبات التنقلات بين المطار والفندق، كجزء من إجراءات المجاملة التي تقدمها السفارة لأي شخصية عامة مصرية تأتي لزيارة أميركا. وأوضحت له أن حصول أي مسافر على معاملة دبلوماسية في المطارات الأميركية يحتاج إلى حمله تأشيرة سفر دبلوماسية، أما في غير هذه الحالة فإن الشخص سيتلقى معاملة عادية، وقد يتعرض للتفتيش الذاتي من جانب رجال الأمن في المطارات.
وتمت الزيارة كما كان مخططاً لها من دون مشاركة من السفارة المصرية. وبعد انتهاء اجتماعاته مع بوش ونائبه ديك تشيني، وربما بعض المسؤولين الأميركيين الآخرين، اتصل بي جمال وطلب مقابلتي قبل عودته إلى مصر بعد ظهر اليوم التالي، فدعوته إلى الغداء في أحد مطاعم ميريلاند، ولم أسأله عن الاجتماعات، كما لم يتحدث هو عنها بالتفصيل، واكتفى بالقول إن الأميركيين طرحوا أسئلة عامة عن مستقبل مصر وليس عن أي شيء محدد. بالخبرة أدركت أن الأميركيين كانوا يريدون تقييمه.
وبعد أيام قليلة من الزيارة، تراجع الحديث داخل مجتمع مراكز الأبحاث الأميركية، أو على الأقل داخل المؤسسات البحثية المحترمة، عن خلافة جمال مبارك المحتملة لوالده. بالنسبة لي، كان الأمر بمثابة إشارة إلى أنه في حين كان الأميركيون يميلون إليه باعتباره شخصية ليبرالية مدنية، فإنهم بعد اللقاء أدركوا أنه لن يكون قادراً على إدارة دولة معقدة مثل مصر، في بيئة مضطربة مثل الشرق الأوسط، وأن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط أكبر من أن تتم المخاطرة بها من أجل القيم الليبرالية. وأصبحوا يميلون إلى وجود مرشح قوى لخلافة مبارك يمكنه حماية مصالحهم في المنطقة، أياً كانت توجهاته.
وكان آخر الاحتمالات لخلافة مبارك بالنسبة للأميركيين يتمثل في جماعة «الإخوان المسلمون» وليس شخصاً محدداً. فقد أصبحت الإدارة الأميركية في عهد بوش، وبعده باراك أوباما، متقبلة لفكرة الإسلام السياسي، باعتباره مكوناً لا غنى عنه في المشهد السياسي بالشرق الأوسط. وباستثناء المحافظين الجدد، فإن كل أميركا في تلك اللحظة كانت مستعدة لاستيعاب الإسلاميين من دون دعمهم بشكل كامل. وازداد عدد أعضاء «الإخوان المسلمين» الذين يترددون على مراكز الأبحاث الأميركية ويشاركون في مؤتمرات حول أوضاع الشرق الأوسط، وأغلبها كان يعقد في قطر.
وتطورت علاقة السفارة الأميركية في القاهرة مع «جماعة الإخوان». فمنذ أوائل الثمانينات، ومع بداية حكم مبارك، بدأ اتصال السفارة بالجماعة عبر عناصر المخابرات، وبعد ذلك بدأت تختبر الموقف بشكل عرضي من خلال الدبلوماسيين التقليديين. وبمجرد قبول أوراق مرشحي الجماعة في انتخابات البرلمان المصري عام 2000، تغير الوضع وبدأ توجيه الدعوات للإخوان لحضور لقاءات في السفارة بشكل رسمي. المفارقة أن الحكومة المصرية التي تجاهلت الاتصالات الأولية بين السفارة والجماعة، بدأت تشكو منها عندما ازدادت اتصالات أعضاء البرلمان المرتبطين بالجماعة بالسفارة.
هذا التطور الجديد عزز نظريات المؤامرة لدى القيادة المصرية الأشد حساسية، في ظل تنامي حضور الإخوان السياسي. وأصبحت علاقة أميركا بالجماعة مصدر غضب للرئيس مبارك الذي أصبح أكثر تشككاً في نوايا الأميركيين. وازدادت الشكوك المصرية مع تصاعد دعوات الرئيس بوش إلى الإصلاح السياسي في مصر، وضرورة تغيير أنظمة الحكم في أماكن أخرى. وخلال سنواتي الأخيرة كسفير في واشنطن، زار مسؤولون مصريون كبار واشنطن بشكل متكرر، لسؤال الأميركيين مباشرة عن علاقاتهم بالإخوان. وعندما استقبل بوش رئيس الوزراء أحمد نظيف في المكتب البيضاوي في مايو (أيار) 2005، سأل الأخير الرئيس الأميركي عن الاتصالات مع الإخوان. وكان الأميركيون يراوغون وينفون وجود أي تقارب مع الجماعة، وهو أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة.
بعد ذلك أصبح ملف الإخوان حاضراً على جدول أعمال أي مسؤول مصري يزور أميركا. وكانت برقياتي للقاهرة تؤكد باستمرار أن واشنطن في الواقع لديها قنوات اتصال مع الإخوان. وأعدت تأكيد أن أميركا غيّرت طريقة تعاملها مع الدول الصديقة بعد الإطاحة المفاجئة بحكم الشاه في إيران عام 1979، فبدأت تتواصل مع الجميع. ونتيجة ذلك وبعد وقت قصير من زيارة نظيف لواشنطن عام 2005، عقد مبارك اجتماعاً رفيع المستوى مع المسؤولين المصريين، الذين زاروا الولايات المتحدة لمناقشة علاقة أميركا بالإخوان. كان مبارك منزعجاً جداً من التناقض بين الموقف الأميركي المعلن بعدم التواصل مع الإخوان، والاتصالات القوية السرية بينهما. وأمر مبارك السفير سليمان عواد الذي كان يشغل منصب المتحدث باسم الرئاسة، أن يتصل بي بشكل عاجل ويطلب مني إرسال مذكرتين؛ الأولى بشأن العلاقات بين أميركا والإخوان، والثانية كانت خاصة بالتعاون العسكري. وعندما سألته عن سبب العجلة في هذا الطلب، قال إن الرئيس يريد أن يناقش مع المسؤولين المصريين تقييمي لهذه العلاقة إلى جانب معلومات أجهزة المخابرات المصرية حولها.
والحقيقة أن قراءتي العامة للموقف الأميركي أثناء حكم الرئيس بوش الابن تجاه القيادة المصرية، وقبل عشر سنوات من خروج مبارك من الحكم، كانت تشير إلى أن الأميركيين كما هم دائماً نفعيون للغاية. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ووصول مبارك إلى سن 72 عاماً، كانت أميركا تستعد لمرحلة ما بعد مبارك. ولإنجاز هذه المهمة، بدأ الأميركيون يتابعون أي مرشح محتمل لخلافة مبارك ويمكنه حماية مصالحهم، بغض النظر عما إذا كان ديمقراطياً أم لا. وكان هذا هو سبب تفضيلهم لعمر سليمان على كل من عمرو موسى وجمال مبارك.
وكانوا يرون أنه في حال عدم وجود مرشح من المؤسسة الأمنية، سواء من الجيش أو الشرطة، فستكون أمام جماعة الإخوان فرصة جيدة للوصول إلى السلطة بفضل قدرتها على الحشد وقاعدتها الشعبية الواسعة. وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الرئيسين كلينتون وبوش يتابعان ثم يتقربان بحذر من الجماعة.
 


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.