كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»

فهمي يستعرض في كتابه نصف قرن من التطورات الدولية والإقليمية والمصرية

كلينتون يتسلم أوراق اعتماد  نبيل فهمي سفيرا لمصر  لدى واشنطن
كلينتون يتسلم أوراق اعتماد نبيل فهمي سفيرا لمصر لدى واشنطن
TT

كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»

كلينتون يتسلم أوراق اعتماد  نبيل فهمي سفيرا لمصر  لدى واشنطن
كلينتون يتسلم أوراق اعتماد نبيل فهمي سفيرا لمصر لدى واشنطن

«في قلب الأحداث» كتاب لوزير الخارجية المصري نبيل فهمي يستعرض فيه نصف قرن من الأحداث الدولية والإقليمية والوطنية، تابعها عن قرب بصفته مواطناً طموحاً وشاهداً مباشراً وممارساً دبلوماسياً ومسؤولاً سياسياً.
«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من الكتاب في ثلاث حلقات؛ تتناول الأولى معايشة فهمي من منصبه كسفير لبلاده في واشنطن، تجارب الإدارات الأميركية في البحث عن خليفة للرئيس المصري حسني مبارك بعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ومع تقدمه بالعمر.
ومن قلب الحدث، يسرد فهمي ما لمسه من المسؤولين الأميركيين في تقييمهم للمرشحين المحتملين لخلافة مبارك، وسط تجاذب بين «نشر قيم الديمقراطية» من جهة، والحفاظ على المصالح الأميركية واستقرار النظام المصري من جهة ثانية.
وهكذا يحكي فهمي كيف سقطت أسهم عمرو موسى، إذ كان شخصية قيادية ذات نزعة استقلالية، ما يجعل التعامل معه صعباً. إضافة الى مواقفه القوية المؤيدة للفلسطينيين.
بعده، ارتفعت أسهم اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات، ذي التوجه الوسطي مع نزعة براغماتية قوية، والذي حظي بمكانة جيدة لدى واشنطن، قبل أن تبرد الرغبة الأميركية به.
ثم حاول الأميركيون الرهان على جمال مبارك لخلافة والده، لكن لقاءً مباشراً معه مع الرئيس جورج بوش بدعوة شخصية من الأخير، أسقط هذا الرهان.
ودائماً كانت جماعة «الإخوان المسلمين» ورقة عند الأميركيين منذ بدأوا تقبل «الإسلام السياسي»، فنسجوا علاقات متعددة المستويات معهم، مثيرين حساسية نظام مبارك.

بسبب تشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية الكبيرة في الشرق الأوسط في نهاية القرن العشرين، كانت الأطراف العربية والأفريقية والدولية تتابع عن كثب ما يحدث بمصر في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك. وكان هناك اهتمام غربي، خصوصاً من الولايات المتحدة، بالأوضاع السياسية في مصر. وكانت واشنطن تسأل بشكل مباشر، وأحياناً علناً، عن خليفة مبارك المنتظر. وازداد هذا الاهتمام مع تنامي القلق الأميركي من تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
كانت الفكرة السائدة في واشنطن هي أن انتشار الديمقراطية أفضل وسيلة لحماية المصالح الأميركية في الخارج على المدى البعيد. وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، أصبحت التحركات لنشر الديمقراطية في العالم أقوى وأشرس.
مع تقدم مبارك في السن، لم تعد واشنطن تراهن عليه، كجزء من مستقبل الشرق الأوسط. وهي كانت محبطة لعدم وجود خطة واضحة لانتقال السلطة أو لخلافته وفق جدول زمني مقبول. لذا أصبحت حريصة على متابعة كل ما يتردد في مصر من شائعات بشأن ترشح مبارك من عدمه في الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في منتصف عام 2011، أو الشخصية المرشحة لخلافته إذا قرر التخلي عن السلطة. وقد رصدتُ لائحة لمرشحين محتملين لدى دوائر صناعة القرار في واشنطن. وأنا لا أستبعد أن يكون الأميركيون دعموا بعضهم، لكني لا أمتلك دليلاً مادياً على ذلك.
وفي أواخر التسعينات من القرن الماضي وأوائل عام 2000، كان عمرو موسى أول اسم مطروح لخلافة لمبارك، إذ كان يحظى بشعبية واضحة لدى مختلف قطاعات المجتمع المصري، لكنه لم يكن يحظى بدعم المؤسسات السياسية في الدولة، مثل الحزب الوطني الحاكم وأجهزة الأمن. ولو أجريت الانتخابات في 2000 و2005 بنزاهة ومن دون مشاركة مبارك، لكانت فرص فوزه كبيرة.
كسفير لمصر في واشنطن، كنت ألمس أن الأميركيين لا يحبون موسى. فقد كانوا يعتبرونه شخصية قيادية ووطنية ذات نزعة استقلالية، ما يجعل التعامل معه صعباً. إضافة إلى مواقفه القوية المؤيدة للفلسطينيين. وظهر هذا الموقف بوضوح في زيارته الأخيرة كوزير خارجية إلى واشنطن، قبيل انتقاله إلى جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2001.
وكان فريق عملية السلام في إدارة الرئيس بيل كلينتون أبلغ فريق خليفته جورج بوش، بأن وزارة الخارجية المصرية تتبنى مواقف متشددة وحماسية في الدفاع عن الحق الفلسطيني، وتعرقل الضغط على الفلسطينيين للقبول بما يُعرض عليهم لتسوية النزاع. لذلك كان عمرو موسى الأكثر استهدافاً من قبل الأميركيين والإسرائيليين.
بدا تأثير رسالة إدارة كلينتون واضحاً على تعامل مستشارة الأمن القومي الجديدة كونداليزا رايس مع موسى في أول لقاء لهما بعد تنصيب إدارة بوش. فقد تعاملت رايس معه بخشونة واضحة، وألقت عليه محاضرة سخيفة ومتعالية في طبيعة المشهد السياسي والمستقبل في الشرق الأوسط. وفوجئت شخصياً بصبر موسى وهدوئه، وتجنبه الدخول معها فيما يراه جدلاً لا طائل منه، مفضّلاً التركيز على التعاون المستقبلي مع واشنطن كأمين عام للجامعة العربية. وبعد هذا الاجتماع، أبلغت بوريس رايدل، الذي احتفظ بمنصبه كمساعد شخصي للرئيس وكبير مديري إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، بأن لقاء موسى ورايس كان سيئاً وغير مجدٍ، وبأن المستشارة أخطأت بحق مصر وبحق موسى كثيراً.
المرشح الثاني لخلافة مبارك كان اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، وهو صاحب «خلفية عسكرية» وله خبرة كبيرة في العمل المخابراتي. وبناء على تعليمات مبارك، تواصل سليمان مع كثير من الشخصيات الدولية والأميركية بشكل خاص، من خلال منصبه كمدير للمخابرات.
عمر سليمان، ذو التوجه الوسطي مع نزعة براغماتية قوية، حظي بمكانة جيدة لدى واشنطن. وهو لعب دوراً مهماً في كثير من المواضيع المتصلة بالحرب على الإرهاب والعلاقات الفلسطينية - الإسرائيلية، وبالتالي كان له دور مهم بالنسبة للعلاقات العربية - الإسرائيلية.
المهم بالنسبة للأميركيين كان إيمان عمر سليمان بأهمية العلاقات المصرية - الأميركية. وكانوا يفضلونه كخليفة لمبارك، مع أنهم لم يصرحوا ولم يوحوا بذلك أبداً في حدود معلوماتي، إلا أنني كنت أشعر بذلك من خلال الطريقة التي كانوا يسألون بها عنه. وعلى الرغم من أنه لم يكن الخيار المفضل من منظور التحول الديمقراطي المنشود في مصر، فإن العقلية الوسطية القادرة على قيادة المجتمع المصري والحفاظ على المصالح كانت أهم لدى الأميركيين من الديمقراطية.
سليمان اعتاد زيارة واشنطن منفرداً مرة كل عام على الأقل، في إطار التعاون مع نظيره في وكالة المخابرات الأميركية، فيلتقي مسؤولين أميركيين يتم تحديدهم حسب التطورات الدولية والاقليمية وتطور العلاقات بين البلدين. وكنتُ أحضر لقاءاته كافة، بما في ذلك مقابلاته مع نائب الرئيس ديك تشيني أو رايس، أو أعضاء الكونغرس، لكن ليس لقاءاته مع مسؤولي أجهزة المخابرات، مكتفياً في هذا الصدد بما يقدمه من ملاحظات لاحقة عن هذه اللقاءات في إطار التعاون العام مع السفارة المصرية في واشنطن.
في زيارة له إلى واشنطن عام 2004 وبعدما استمع مني عن تركيز مراكز البحث الأميركية الحديث عن الاحتمالات المختلفة لمرحلة ما بعد الرئيس مبارك، في ضوء اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مصر، مع مرور أكثر من عقدين على تولي مبارك السلطة، قال سليمان إن الأمور غير واضحة وكل شيء قابل للتغيير حتى آخر لحظة في مثل هذه الأمور، قبل أن يختم كلامه بأن الشائعات الخاصة بتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية خلقت بلبلة وحساسية، وأن من الأفضل أن يعلن الرئيس قراره في هذا الشأن لتهدأ الأمور بصرف النظر عما سيتقرر لاحقاً بالنسبة لمنصب الرئيس. ومع مرور الوقت، تلاشت فرص سليمان وهدأت الشائعات مثلها مثل الشائعات التي سبقتها حول عمرو موسى.
المرشح الثالث المحتمل والأشد إثارة للجدل لخلافة مبارك، كان نجله جمال، باعتباره شخصية مثالية لـ«الأجندة الديمقراطية» الأميركية. فقد تلقى تعليماً غربياً وهو مؤيد للقطاع الخاص، وأصبح بدءاً من 2002 شخصية بارزة في الحزب الوطني الحاكم الذي يرأسه والده.
ولم يكن الأميركيون، الذين لا يحبون عمرو موسى وغير المتيّمين بعمر سليمان، حددوا موقفهم من فكرة وصول جمال مبارك إلى الحكم خلفاً لوالده. وكسفير لبلادي في واشنطن، كنت على تواصل دائم مع مراكز الأبحاث والمحللين في الولايات المتحدة لمتابعة النقاشات بشأن مصر، بما في ذلك ردود الأفعال على الشائعات بشأن المرشحين المحتملين للرئاسة. وكان المحللون الأميركيون يسألونني باستمرار عن المرشحين الثلاثة. وكما أتذكر، لم يسألني أي مسؤول أميركي حكومي عن جمال، مع أنهم بالتأكيد كانوا يتابعون صعوده السياسي الظاهر للعيان.
جمال مبارك زار الولايات المتحدة في مناسبات عديدة، أولاً كعضو غير رسمي أثناء زيارات والده السنوية، ثم كعضو في وفود غير حكومية خصوصاً تلك التي تمثل مجتمع الأعمال المصري. كما كان يأتي منفرداً في زيارات خاصة، ولكن بشكل نادر. وبمرور الوقت، لاحظت التغير في مزاجه العام ونبرته خلال هذه الزيارات. كان دائماً مهذباً، ومتحفظاً في حديثه عن الأحداث في مصر على مر السنوات. كما لاحظت أنه تحوّل من كونه محفزاً للتغيير، إلى شخص يؤكد الحاجة إلى استقرار نظام الحكم وأمنه. وفي واحد من آخر اللقاءات بيننا في واشنطن، سألته عن زيادة تركيزه على الأمن وما إذا كان ذلك يعكس هاجساً موجوداً في مصر، فلم يرد على السؤال بشكل مباشر، لكنه تحدث عن المخاوف من صعود التيارات الإسلامية وفي مقدمتها الحركات السلفية.
وخلال زياراته للولايات المتحدة، كانت سفارة مصر في واشنطن تراعي أنه نجل رئيس الجمهورية وتجنبه التعرض لمواقف حرجة، وتقدم له الخدمات والمجاملات المعتادة والعادية التي تقدمها السفارة لشخصيات المجتمع المدني المصرية التي تزور واشنطن. ولم يكن يطلب أكثر من ذلك، كما أنه لم يكن يحظى بأي معاملة استثنائية، أو يتم التعامل معه كشخصية رسمية، وأقصى صفة رسمية تم التعامل بها معه كانت باعتباره قيادياً في الحزب الحاكم.
ومع تجنب السؤال رسمياً عن مستقبله، لوحظ تنامي اهتمام المسؤولين الأميركيين بترتيب لقاءات مع جمال مبارك لتقييم توجهاته السياسية، أو لنقل رسائل غير رسمية لوالده.
وفي مايو (أيار) 2006، زار جمال مبارك الولايات المتحدة لتجديد رخصة طيرانه. وكما كان يفعل باستمرار، طار من القاهرة إلى مطار دالاس في واشنطن، ثم استقل طائرة في رحلة طيران داخلية إلى وجهته ثم اتخذ المسار نفسه في طريق عودته إلى مصر. وكان جمال مبارك يتصل بي عادة قبل وصوله إلى واشنطن، في طريق الذهاب والعودة. وفي زيارته تلك، تلقيت اتصالاً هاتفياً من مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي يطلب فيه مقابلة مبارك الابن عندما يصل إلى واشنطن في طريق عودته إلى القاهرة.
ونظراً إلى أن هذه المقابلة اتخذت طابعاً رسمياً، لأنني تلقيت طلباً بها من مسؤول أميركي، وبعد الحصول على إذن من الرئيس مبارك، رتبت الاجتماع، وذهبت مع جمال لمقابلة هادلي. ولم يكن هناك أي شيء سري في اللقاء. وكانت أغلب الأسئلة التي طرحها هادلي تتعلق بتطوير الحزب الوطني ودور القطاع الخاص في مصر. مع ذلك، سبّبت هذه الزيارة مهاترات عديدة وواسعة في القاهرة مع نشر تقارير إعلامية عما وصف بأنها المحادثات السرية التي أجراها جمال خلال وجوده في واشنطن. وزادت حدة الشائعات عندما قال البيان الصادر عن البيت الأبيض إن جمال مبارك كان في أميركا لتجديد رخصة طائرته وليس رخصة طيرانه. وتلقيت اتصالات هاتفية عديدة من وسائل الإعلام المصرية تسأل لماذا لم أصدر بياناً عن الاجتماع كما فعل البيت الأبيض، وكان ردي في ذلك الوقت وكما الحال دائماً: «أنا لا أصدر بيانات عن مقابلات المواطنين المصريين غير الرسميين في أميركا»، وأضفت أن «الأمر متروك لتقدير البيت الأبيض وللطرف المصري الآخر في اللقاء لإصدار بيان من عدمه». حينها أدركت أن الأميركيين باتوا يتعاملون مع جمال مبارك بصورة أكثر جدية، على الرغم من عدم طرح أي أسئلة مباشرة عن مسألة خلافة الرئيس.
وبعد عامين، وفي 2008 تحديداً، تلقيت اتصالاً هاتفياً غاضباً من الرئيس مبارك متحدثاً عن الهواة ومعدومي الخبرة من المسؤولين الأميركيين، الذين يعتبرون جمال خليفة له في الرئاسة. وبحرص، هدأتُ الرئيس لكي أفهم منه سبب غضبه، وأشار إلى وصول دعوة أميركية إلى جمال لزيارة البيت الأبيض ومقابلة الرئيس بوش. وبطريقة مهذبة، لكن صريحة، قلت له إنه لا فكرة لدي أبداً عن الدعوة واقترحت عليه سؤال جمال عنها. وبهدوء غيّر مبارك مجرى الكلام، وقال إن بوش أرسل الدعوة إلى جمال. وسألني عن كيفية التعامل معها. وبعدما تلقيت صورة من الدعوة من الرئيس، أدركت أنها كانت رسالة مكتوبة بخط اليد على أوراق بوش الشخصية.
وخلال دقائق عاد مبارك واتصل بي مرة أخرى وسألني عن رأيي، فأبلغته بأنها دعوة شخصية من حيث الشكل والمضمون، لذلك فإن قبولها أو رفضها يجب أن يكون من جانب جمال، وإن الزيارة إذا تمت فيجب أن تكون «زيارة شخصية»، حيث يلتقي جمال بمضيفيه من دون مرافقة أي مسؤول مصري من السفارة في واشنطن، فتريث الرئيس في الرد وأبلغني بأنه سيعاود الاتصال لاحقاً.
وبعد يومين، اتصل بي مبارك مجدداً، وقال إن جمال سيأتي إلى أميركا في «زيارة شخصية»، مشدداً على أنه يريد مني تحديد ما أعنيه بإجراءات زيارة شخصية، وبالتحديد التعامل معه بالمطار. وبدا في هذه المكالمة كأب وهو يسأل عن الجوانب اللوجيستية للزيارة. وشرحت له أن المساعدة التي ستقدمها السفارة ستكون فقط في حدود ترتيبات التنقلات بين المطار والفندق، كجزء من إجراءات المجاملة التي تقدمها السفارة لأي شخصية عامة مصرية تأتي لزيارة أميركا. وأوضحت له أن حصول أي مسافر على معاملة دبلوماسية في المطارات الأميركية يحتاج إلى حمله تأشيرة سفر دبلوماسية، أما في غير هذه الحالة فإن الشخص سيتلقى معاملة عادية، وقد يتعرض للتفتيش الذاتي من جانب رجال الأمن في المطارات.
وتمت الزيارة كما كان مخططاً لها من دون مشاركة من السفارة المصرية. وبعد انتهاء اجتماعاته مع بوش ونائبه ديك تشيني، وربما بعض المسؤولين الأميركيين الآخرين، اتصل بي جمال وطلب مقابلتي قبل عودته إلى مصر بعد ظهر اليوم التالي، فدعوته إلى الغداء في أحد مطاعم ميريلاند، ولم أسأله عن الاجتماعات، كما لم يتحدث هو عنها بالتفصيل، واكتفى بالقول إن الأميركيين طرحوا أسئلة عامة عن مستقبل مصر وليس عن أي شيء محدد. بالخبرة أدركت أن الأميركيين كانوا يريدون تقييمه.
وبعد أيام قليلة من الزيارة، تراجع الحديث داخل مجتمع مراكز الأبحاث الأميركية، أو على الأقل داخل المؤسسات البحثية المحترمة، عن خلافة جمال مبارك المحتملة لوالده. بالنسبة لي، كان الأمر بمثابة إشارة إلى أنه في حين كان الأميركيون يميلون إليه باعتباره شخصية ليبرالية مدنية، فإنهم بعد اللقاء أدركوا أنه لن يكون قادراً على إدارة دولة معقدة مثل مصر، في بيئة مضطربة مثل الشرق الأوسط، وأن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط أكبر من أن تتم المخاطرة بها من أجل القيم الليبرالية. وأصبحوا يميلون إلى وجود مرشح قوى لخلافة مبارك يمكنه حماية مصالحهم في المنطقة، أياً كانت توجهاته.
وكان آخر الاحتمالات لخلافة مبارك بالنسبة للأميركيين يتمثل في جماعة «الإخوان المسلمون» وليس شخصاً محدداً. فقد أصبحت الإدارة الأميركية في عهد بوش، وبعده باراك أوباما، متقبلة لفكرة الإسلام السياسي، باعتباره مكوناً لا غنى عنه في المشهد السياسي بالشرق الأوسط. وباستثناء المحافظين الجدد، فإن كل أميركا في تلك اللحظة كانت مستعدة لاستيعاب الإسلاميين من دون دعمهم بشكل كامل. وازداد عدد أعضاء «الإخوان المسلمين» الذين يترددون على مراكز الأبحاث الأميركية ويشاركون في مؤتمرات حول أوضاع الشرق الأوسط، وأغلبها كان يعقد في قطر.
وتطورت علاقة السفارة الأميركية في القاهرة مع «جماعة الإخوان». فمنذ أوائل الثمانينات، ومع بداية حكم مبارك، بدأ اتصال السفارة بالجماعة عبر عناصر المخابرات، وبعد ذلك بدأت تختبر الموقف بشكل عرضي من خلال الدبلوماسيين التقليديين. وبمجرد قبول أوراق مرشحي الجماعة في انتخابات البرلمان المصري عام 2000، تغير الوضع وبدأ توجيه الدعوات للإخوان لحضور لقاءات في السفارة بشكل رسمي. المفارقة أن الحكومة المصرية التي تجاهلت الاتصالات الأولية بين السفارة والجماعة، بدأت تشكو منها عندما ازدادت اتصالات أعضاء البرلمان المرتبطين بالجماعة بالسفارة.
هذا التطور الجديد عزز نظريات المؤامرة لدى القيادة المصرية الأشد حساسية، في ظل تنامي حضور الإخوان السياسي. وأصبحت علاقة أميركا بالجماعة مصدر غضب للرئيس مبارك الذي أصبح أكثر تشككاً في نوايا الأميركيين. وازدادت الشكوك المصرية مع تصاعد دعوات الرئيس بوش إلى الإصلاح السياسي في مصر، وضرورة تغيير أنظمة الحكم في أماكن أخرى. وخلال سنواتي الأخيرة كسفير في واشنطن، زار مسؤولون مصريون كبار واشنطن بشكل متكرر، لسؤال الأميركيين مباشرة عن علاقاتهم بالإخوان. وعندما استقبل بوش رئيس الوزراء أحمد نظيف في المكتب البيضاوي في مايو (أيار) 2005، سأل الأخير الرئيس الأميركي عن الاتصالات مع الإخوان. وكان الأميركيون يراوغون وينفون وجود أي تقارب مع الجماعة، وهو أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة.
بعد ذلك أصبح ملف الإخوان حاضراً على جدول أعمال أي مسؤول مصري يزور أميركا. وكانت برقياتي للقاهرة تؤكد باستمرار أن واشنطن في الواقع لديها قنوات اتصال مع الإخوان. وأعدت تأكيد أن أميركا غيّرت طريقة تعاملها مع الدول الصديقة بعد الإطاحة المفاجئة بحكم الشاه في إيران عام 1979، فبدأت تتواصل مع الجميع. ونتيجة ذلك وبعد وقت قصير من زيارة نظيف لواشنطن عام 2005، عقد مبارك اجتماعاً رفيع المستوى مع المسؤولين المصريين، الذين زاروا الولايات المتحدة لمناقشة علاقة أميركا بالإخوان. كان مبارك منزعجاً جداً من التناقض بين الموقف الأميركي المعلن بعدم التواصل مع الإخوان، والاتصالات القوية السرية بينهما. وأمر مبارك السفير سليمان عواد الذي كان يشغل منصب المتحدث باسم الرئاسة، أن يتصل بي بشكل عاجل ويطلب مني إرسال مذكرتين؛ الأولى بشأن العلاقات بين أميركا والإخوان، والثانية كانت خاصة بالتعاون العسكري. وعندما سألته عن سبب العجلة في هذا الطلب، قال إن الرئيس يريد أن يناقش مع المسؤولين المصريين تقييمي لهذه العلاقة إلى جانب معلومات أجهزة المخابرات المصرية حولها.
والحقيقة أن قراءتي العامة للموقف الأميركي أثناء حكم الرئيس بوش الابن تجاه القيادة المصرية، وقبل عشر سنوات من خروج مبارك من الحكم، كانت تشير إلى أن الأميركيين كما هم دائماً نفعيون للغاية. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ووصول مبارك إلى سن 72 عاماً، كانت أميركا تستعد لمرحلة ما بعد مبارك. ولإنجاز هذه المهمة، بدأ الأميركيون يتابعون أي مرشح محتمل لخلافة مبارك ويمكنه حماية مصالحهم، بغض النظر عما إذا كان ديمقراطياً أم لا. وكان هذا هو سبب تفضيلهم لعمر سليمان على كل من عمرو موسى وجمال مبارك.
وكانوا يرون أنه في حال عدم وجود مرشح من المؤسسة الأمنية، سواء من الجيش أو الشرطة، فستكون أمام جماعة الإخوان فرصة جيدة للوصول إلى السلطة بفضل قدرتها على الحشد وقاعدتها الشعبية الواسعة. وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الرئيسين كلينتون وبوش يتابعان ثم يتقربان بحذر من الجماعة.
 


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

«كتارا» تعلن قائمتها لأفضل 9 أعمال في جائزة كتارا للرواية العربية

سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
TT

«كتارا» تعلن قائمتها لأفضل 9 أعمال في جائزة كتارا للرواية العربية

سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر (كتارا) عن قائمة الـ9 لأفضل الأعمال المشاركة في الدورة الثانية عشرة لجائزة كتارا للرواية العربية.

وأعلنت «كتارا» الأعمال التسعة الفائزة في فئات «الروايات المنشورة، والروايات غير المنشورة، وروايات الفتيان غير المنشورة، والروايات التاريخية غير المنشورة، والرواية القطرية المنشورة، والدراسات النقدية غير المنشورة»، البالغ مجموعها 45 رواية و9 دراسات نقدية مؤهلة للفوز بجائزة كتارا للرواية العربية.

وسجلت في هذه الدورة الجائزة رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014، إذ ضمت قائمة الـ9 لفئة الروايات المنشورة روائيين من 6 دول عربية.

وتصدرت مصر القائمة بـ3 روايات، تلتها السودان بروايتين، ورواية واحدة من كل من السعودية والجزائر وسوريا والأردن. وضمت القائمة الخاصة بفئة الرواية المنشورة رواية «معزوفة اليوم السابع» لجلال برجس (الأردن)، و«آشا الجعران والقمر»، لسمر نور (مصر)، و«مجانين أم كلثوم»، لشريف صالح (مصر)، و«رأيت ما لا يجوز لك»، لطارق الطيب (السودان)، و«سبدلا»، لعبد القادر الجاسم (سوريا)، و«بخلاف ما سبق»، لعزت القمحاوي (مصر)، و«مزامير التجاني»، لمحمد فتيلينه (الجزائر)، و«يداي لا ترتجفان»، لمها اليمني (السعودية)، و«حصار الغزالة واو»، لمهند رجب الدابي (السودان).

أما قائمة الـ9 لفئة الروايات غير المنشورة فقد اشتملت على روائيين من 8 دول عربية، تصدرت فلسطين القائمة بروايتين، ورواية واحدة من كل من السعودية، ومصر، والجزائر، واليمن، وسوريا، والأردن، وتونس.

وتأهلت رواية «موسيقى جنائزية في ديار العجزة» للروائي المصري إيهاب نجاني، ومن تونس، رواية «عرش الريح» لحسن سامي، ومن الجزائر، رواية «قد نلتقي» لسارة سليني، ومن سوريا، رواية «مدينة الماضي» لسامر محمد إسماعيل، ومن الأردن، رواية «الأطلسي... دستور من خاطره» لشاكر خلف قاسم المكل، ومن اليمن، رواية «الطسم- نقش على رماد الممالك» لمحمد محمود الشويع، ومن السعودية، رواية «الصوت الذي لم يبلغه زرياب» لناصر العماري، ومن فلسطين، رواية «المخيم» لنسرين القيسي، ورواية «للموت يوم آخر» لهدى المشهراوي.

وتضم قائمة الـ9 لفئة روايات الفتيان غير المنشورة روائيين من 4 دول عربية، تصدرت مصر والجزائر القائمة بعدد 3 روايات لكل دولة، تلتها المغرب بعدد روايتين، ورواية واحدة من اليمن.

وشملت هذه القائمة؛ رواية «الخالة» لإيمان مرسي (مصر)، و«أجنحة تكسر الظلام»، لجلول رفيق (الجزائر)، و«خيّاط طولقة»، لخديجة تلي (الجزائر)، و«شهرزاد في بلاد الوقواق» لمحمد دادي عدون (الجزائر)، و«الهدهد» لمحمد زكريا عبد الفتاح (مصر)، و«نظارة شمسية» لمنال الجراش (اليمن)، و«الولد الذي أنقذته الكتب» لمنير السرحاني (المغرب)، و«مملكة الحجر» لهاني القط (مصر)، و«زقاق الغربال» ليونس الديدي (المغرب).

وتضم قائمة الـ9 لفئة الدراسات النقدية غير المنشورة نقاداً من 5 دول عربية. تصدرت مصر والمغرب القائمة بـ3 دراسات نقدية لكل دولة، ودراسة واحدة من الأردن، وفلسطين، واليمن.

وشملت هذه القائمة دراسة «تقويض الاستشراق في الرواية التاريخية العربية المعاصرة: قراءة ما بعد كولونيالية في نماذج مختارة» للدكتورة أسماء رأفت عليان (الأردن)، و«الرواية العربية المعاصرة في ضوء النقد الجيني: من المخطوط الورقي إلى الرقمي (دراسة في مسودات رقمية)»، د. الحسن أيت العامل (المغرب)، و«الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما- رواية مصاطر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، د. أمل يونس محمد إرحيم (فلسطين)، و«الرواية العربية على عتبة التطور دراسة في التحقيق من منظور المصطلح النقدي التصنيفي»، د. حميد الكتاني (المغرب)، و«الرواية في مواجهة ذاتها، تمثيل الكتابة في الرواية المغربية»، د. عبد الرحيم الإدريسي البوزيدي (المغرب)، و«فلسفة الصورة السردية وتمثيلاتها في رواية دفاتر الوراق»، د. فوزي علي صويلح (اليمن)، و«سرديات الذكاء الاصطناعي في الرواية العربية: بين صناعة النص وتفكيك الإنسان»، محمد أبو الخير ستو (مصر)، و«شعرية الوثيقة وسرديات التحول: نماذج مختارة من الرواية القطرية المعاصرة (دراسة في ضوء التاريخانية)»، محمود ربيع سمرة (مصر)، و«تمثلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي»، د. محمود فرغلي علي موسى (مصر)

وبالنسبة لقائمة الـ9 لفئة الروايات التاريخية فهي تضم روائيين من 5 دول عربية، تصدرت مصر القائمة بعدد 5 روايات، ثم رواية واحدة من كل من الجزائر والمغرب وتونس واليمن.

وضمّت القائمة رواية «منابت الجوع»، أحمد عامر (مصر)، «جابر بن حيان»، أحمد محمد المحفلي (اليمن)، «حين يُظلم العالم»، أحمد محمد أبو النجا (مصر)، «حين تكلّم النّاجي ما بين الصّفتين»، بشير توهامي (الجزائر)، «البيّة قمر (أكلة رؤوس بايات تونس)»، خديجة التومي (تونس)، «يويا»، سامح علي (مصر)، «قبل أن يطلع الفجر، رجال الظل القاهرة 1941»، صبري محمد أمين (مصر)، «أولاد الولي»، عبد العلي عالمي (المغرب)، «غروب الكازار»، نهى فهيم (مصر).

وبالنسبة لفئة الرواية القطرية، فإن عدد الروايات المشاركة في جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة بلغ نحو 11 رواية، وسيتم اختيار فائز واحد لهذه الفئة.


«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية