على بُعد أقل من كيلومتر من الاستديو الذي شهد سنوات تألقه وإبداعاته وزيارات كبار المشاهير المصريين له في شارع «26 يوليو» بوسط القاهرة، على مدار نحو نصف قرن، يجد عشاق الفوتوغرافيا أنفسهم مرة أخرى أمام أعمال وروائع المصور الشهير الذي رحل عن عالمنا منذ 20 عاماً، في إحدى قاعات مركز التحرير الثقافي المطلّ على ميدان التحرير بوسط القاهرة، حيث تُعرض مجموعة من صور ومقتنيات الفنان الراحل عبر معرض يمتد لنحو عام، احتفاءً بالذكرى المئوية لميلاده.
المعرض الذي نُظّم بالتعاون بين مكتبة الكتب النادرة، ومركز التحرير الثقافي التابعين للجامعة الأميركية في القاهرة، التي أهداها فان ليو الاستديو الخاص به بمحتوياته كاملة، يضم أكثر من 150 صورة من أعمال ليو المميزة التي يُعرض بعضها لأول مرة، مع مكتبه الشخصي، ومسرحه الخشبي الصغير، وأدوات تصوير، والحامل الذي كان يعرض عليه صوره في الاستديو لمدة تزيد على أربعة عقود.
ليفون ألكسندر بويادجيان، الشهير بـ«ليو»، جاء إلى مصر مع أسرته وهو في الرابعة من عمره، وعاشت أسرته في مدينة الزقازيق (دلتا مصر) لمدة 3 سنوات قبل أن تنتقل إلى القاهرة عام 1930، حيث عمل الأب في شركة «الترام»، والتحق فان بالمدارس الأرمينية، ثمّ بالجامعة الأميركية عام 1940 التي لم يستكمل فيها دراسته لشغفه بالتصوير.
طارق عطية، مدير مركز التحرير الثقافي، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «الجامعة تتيح الفرصة للباحثين والمهتمين برؤية بعض المقتنيات النادرة التي تمتلكها، في مقرها، أو عبر موقعها الإلكتروني، أو المعارض المتخصصة، على غرار المعرض الحالي لليو. فنحن لدينا خطة بعيدة المدى للنشاط الثقافي والمتحفي في مبنى الجامعة بميدان التحرير، الذي يعد أحد أقدم مباني وسط القاهرة، تهدف إلى تحويل المعارض الدورية إلى معارض ومتاحف دائمة لإبراز بعض المجموعات التي تمتلكها الجامعة ومنها مجموعة ليو، لذلك قررنا أن نتعاون في تنظيم معرض له في مبنى مركز التحرير الثقافي، ليكون نواة للمتحف الدائم».
وحسب عطية، فإنّ «ليو، لم يكن المصور المفضل للمشاهير من الفنانين أو المثقفين أو السياسيين فقط، بل كان المصور المفضل كذلك لكل فئات المجتمع، وهذا ما أعطاه كل هذا الثراء والتنوع في الأعمال، كما برع كذلك في تنفيذ بورتريهات شخصية له، أو (سيلفي) باستخدام كاميرات ومعدات تعد بدائية مقارنةً بمعدات اليوم، منذ عقود طويلة».
وينصح مدير مركز التحرير الثقافي، الشباب المهتمين بالتصوير الفوتوغرافي، بـ«التعرف على تجربة ليو الملهمة، بوصفه أحد المصورين المميزين بصناعة الدراما داخل الكادر، فنظرات وتعبيرات وجوه أبطاله متفردة بشكل كبير»، مشيراً إلى أنّه شخصياً «يهتم بإلقاء نظرة ثانية على التراث ودراسة تطورات صناعة الفن، لبحث الفرضية التي يرددها البعض، وهي أنّ التطورات التي حدثت في صناعة الفن كان مصدرها العالم الغربي، وأنّ كبار المبدعين والفنانين المصريين كانوا مجرد ناقلين لها، لكن من المحتمل جداً، أن يكون العكس هو الصحيح، وهو تأثر الفنانين الأجانب بإبداعات فنانينا على غرار شادي عبد السلام، أو يوسف شاهين، أو ليو، وغيرهم من القامات الرفيعة».
وينقسم المعرض إلى قسمين، الأول صور التقطها ليو بنفسه وتنقسم إلى بورتريهات ذاتية، وصور لمشاهير وفنانين وسياسيين وشخصيات عامة على غرار محمد نجيب، وطه حسين، وأنور وجدي، وداليدا، ورشدي أباظة، وزبيدة ثروت، وسامية جمال، وشادي عبد السلام وشيريهان، والفنان محمد عبد المطلب، وعمر الشريف، وفاتن حمامة، ولبلبة، وغيرهم، بينما ضم القسم الآخر مجموعة أخرى من نوادر أرشيفه الخاص، بعضها صور له التقطها بعض أصدقائه، وأخرى التقطها هو لنفسه، لم تُعرض من قبل.
وتنفرد مكتبة الكتب النادرة في الجامعة الأميركية بامتلاك أرشيف ليو بالكامل، الذي يشمل الصور والمجلات والكتب وأوراق سجل عليها ملاحظات بخط يده، وأدوات استخدمها في التصوير، وفق علا سيف، أمينة قسم الفوتوغرافيا والسينما في مكتبة الكتب النادرة بالجامعة الأميركية في القاهرة.
وتقول سيف لـ«الشرق الأوسط»: «إن أعمال ليو تعكس اتجاهات النصف الثاني من القرن العشرين في مجال الفوتوغرافيا، وتوثق سمات الطبقات الاجتماعية المتنوعة في مصر خلال الفترة ذاتها، لا سيما أنّه كان يستقبل جميع الفئات في الاستديو الخاص به، وكان يطلب من البعض الآخر تصويرهم في الشارع لإعجابه بملامحهم على سبيل المثال، وكان يتحدث طويلاً مع زبائنه، ليلتقط لهم صوراً معبرة، وليست مجرد صور عادية للأوراق والمستندات الرسمية، وهذا يظهر جلياً في معظم أعماله».
ويحاكي القسم الأول من المعرض، قسم الاستقبال في استديو ليو، حيث كانت تُعرض مجموعة مميزة من أبرز أعماله على الحائط، إلى جوار مكتبه الأثير، بينما يحاكي الجزء الثاني من المعرض، استديو ليو من الداخل، حيث وُضعت بعض معداته، والدَّرَج الخشبي، وصوره الشخصية المميزة. تقول سيف: «وضعنا صورة بحجم كبير لإضفاء إحساس بأنّه لا يزال موجوداً داخل الاستديو الخاص به». مشيرة إلى «أهمية إحياء ذكراه بوصفه مصدر إلهام لكثيرين وذاكرة فوتوغرافية وطنية لمصر».
وزارت «الشرق الأوسط» المبنى الذي يحمل رقم 7 في «شارع 26 يوليو» بالقاهرة الخديوية، المدوّن في كارت ليو أسفل اللوح الزجاجي بمكتبه الخشبي، للبحث عن الاستديو القديم أو معرفة مكانه، فلم تجد له أثراً، بعد مرور نحو 20 عاماً على رحيل صاحبه، وبسؤال حارس العقار عنه، لم يعرف أين مكانه بالتحديد، بعد سيطرة محال الملابس الجاهزة وكافيه سياحي على معظم مساحة الطابق الأرضي للمبنى.
وتعود قصة إهداء أرشيف ليو للجامعة الأميركية إلى عام 1998، عندما أبلغ الفنان صديقه المصور الأميركي باري إيفرسون، نيته إغلاق الاستديو بسبب مرضه في السنوات الأخيرة من حياته، فاقترح عليه إيفرسون التبرع به للجامعة الأميركية بالقاهرة، حتى تظل ثروته الفنية في أمان ومحمية للأجيال القادمة، حسب تصريحات إيفرسون خلال افتتاح المعرض، مضيفاً أنه رغم عرض عدد من الأثرياء من جنسيات مختلفة شراء أرشيف ليو، فإنه رفض هذه العروض المغرية، قائلاً: «كل هذه الصور للمصريين ويجب أن تظل لهم»، ووافق بالفعل على إهداء جميع أعماله إلى الجامعة الأميركية في عام 1999 قبيل رحيله بثلاث سنوات في عام 2002.
إطلالة على إبداعات «فان ليو» بعد عقدين من رحيله
https://aawsat.com/home/article/3399981/%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%C2%AB%D9%81%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%8A%D9%88%C2%BB-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84%D9%87
إطلالة على إبداعات «فان ليو» بعد عقدين من رحيله
متحف دائم في القاهرة لأعمال المصور الأرميني ـ المصري
ميدان التحرير قديما
- القاهرة: عبد الفتاح فرج
- القاهرة: عبد الفتاح فرج
إطلالة على إبداعات «فان ليو» بعد عقدين من رحيله
ميدان التحرير قديما
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

