هل يتصدع النموذج الصيني للتنمية الاقتصادية؟

هل يتصدع النموذج الصيني للتنمية الاقتصادية؟

«توافق بكين» يفقد بريقه لصالح الند الأميركي
الأربعاء - 2 جمادى الآخرة 1443 هـ - 05 يناير 2022 مـ رقم العدد [ 15744]
يرى محللون أن النموذج الصيني في التنمية نجح في إقناع الكثيرين بجدواه خلال العقدين الماضيين.. لكن من غير المحتمل أن يظل كذلك خلال العقدين المقبلين (رويترز)

في أعقاب انهيار الكتلة الشيوعية في أوروبا الشرقية، وتفكك الاتحاد السوفياتي السابق في أوائل تسعينات القرن العشرين، تحول الإجماع العالمي بشأن التنمية الاقتصادية إلى ما عُرف باسم «توافق واشنطن» الذي كان يدعو الدول الخارجة من النظام الشيوعي إلى التبني السريع لاقتصاد السوق والملكية الخاصة للسلع الرأسمالية.
وفي حين تبنت دول شرق أوروبا المفهوم الأميركي للتنمية، رفضت الصين التي احتفظت بنظام حكمها الشيوعي هذا النموذج الأميركي، وتبنت ما يمكن القول إنه نموذجها الخاص الذي سمح بخصخصة محدودة. ورغم نمو القطاع الخاص في الصين فإن الشركات المملوكة للدولة سجلت نمواً كبيراً أيضاً.
وخلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، حققت الصين ما يمكن عدّها واحدة من كبرى معجزات النمو الاقتصادي في التاريخ. ومن هذه التجربة ظهر إجماع جديد يمكن أن نسميه «توافق بكين»، الذي كان من المتوقع أن يتبناه المحللون الحكماء المتطورون على حد قول أستاذ الاقتصاد الأميركي تايلر كوين. وفي حين كان عدد المفكرين الغربيين الذين أيّدوا مكونات النموذج الصيني محدوداً، كان الكثيرون منهم يشعرون بالسعادة وهم يشيرون إلى فوائد تدخل الدول في الاقتصاد انطلاقاً من هذا النموذج.
ولكن تاير كوين يقول في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ»، إنه بمرور السنوات استعاد «توافق واشنطن» جاذبيته ليبدو أفضل من «توافق بكين». فعلى الصعيد البحثي أظهر أحدث الأبحاث أن النموذج الأميركي يحقق نتائج جيدة مع ارتفاع يعتمد عليه في معدل دخل الفرد في الدول التي تتبناه.
ولعل التطورات الأكثر دراماتيكية في هذا السياق جاءت من الصين نفسها. فالصين وظفت بكفاءة قوة الدولة لبناء البنية التحتية وإدارة مدنها وتعزيز النمو الاقتصادي. وكان أقوى مؤيدي «توافق واشنطن» يقللون من فرص نجاح هذا النموذج.
وبمرور الوقت أصبحت الصين «مدمنة لسلطة الدولة». فعندما تظهر مشكلة في المجتمع، تتحرك الحكومة لعلاجها. والنموذج الأبرز كان الاستخدام المفرط للسياسة المالية لمنع وصول الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في خريف 2008 إلى الصين.
ولكن تايلر كوين أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج «ميسون» الأميركية والكاتب في الكثير من الصحف المرموقة، يرى أن هذا التطبيق العام لقوة الدولة حتى لو نجح في ظرف معين فإنه ينطوي على خطر أكبر؛ فالصين أصبحت دولة مثقلة بحكومة ذات قدرات هائلة مقابل مجتمع مدني أقل قدرة. وخلال السنوات الكثيرة الماضية بذلت الحكومة الصينية جهوداً كبيرة لتقييد المجتمع المدني وحرية التعبير والحريات الدينية داخل الصين. والنتيجة أن الكثير من دول العالم بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الدول المجاورة للصين تخشى من قوة الدولة الصينية.
ويقول كوين إنه من الخطأ النظر إلى هذا الخوف بمعزل كامل عن استراتيجية التنمية للصين. فإذا اعتمد أي مجتمع على قوة الدولة لحل مشكلاته، ستزداد قوة هذه الدولة، وتزداد المخاطر المرتبطة بذلك. معنى هذا أنه من غير الصعب القول إن الصين كانت ستصبح أفضل لو ظلت الدولة الصينية أضعف.
ونظراً لآن قوة الدولة بشكل عام أصبحت محدودة، فإنه من الصعب على الصين حل الكثير من المشكلات الأساسية التي تواجه مجتمعها. فالقادة الصينيون يشعرون بالقلق من انخفاض معدلات الإنجاب في البلاد على سبيل المثال، ولم ينجح قرار رفع القيود على عدد الأطفال الذين يمكن للأسرة الصينية إنجابهم في حل المشكلة. وفي الكثير من المجتمعات تميل الأسر المتدينة إلى إنجاب الكثير من الأطفال، لكن الدولة الصينية تفرض قيوداً على الممارسات الدينية في المجتمع.
والآن كيف تعاملت الصين مع انتشار المتحور الجديد من فيروس «كورونا» المستجد «أوميكرون»؟ فالحزب الشيوعي الصيني رهن شرعيته بالقول إنه نجح في السيطرة على جائحة «كورونا» في حين لم تنجح أميركا في ذلك. معنى ذلك أن المواطنين الصينيين قد يجدون أنفسهم أمام حالة يقظة واضحة إذا اكتشفوا أن اللقاحات الصينية ليست فعالة بالدرجة التي ادّعتها الحكومة.
ويقول كوين إن المشكلات المتعلقة بـ«توافق بكين» أصبحت أكبر. فعلى مدى أغلب سنوات العقد الماضي اتبعت إثيوبيا نسخة من النموذج الصيني في التنمية واعتمدت على سياسات التصنيع والنمو في القطاع الصناعي. وحقق هذا النموذج بعض النجاح لفترة من الوقت، وسجلت إثيوبيا نمواً بأكثر من 10% سنوياً. وأطلق كوين على إثيوبيا في ذلك الوقت لقب «صين أفريقيا».
ولكن نمو قوة الدولة في إثيوبيا أدى إلى تصدع التوازن السياسي المطلوب للحفاظ على تماسك الدولة. وأصبحت الدولة الإثيوبية مركزاً للسيطرة، في الوقت الذي تزايد فيه الشعور بالخطر لدى المجموعات العرقية المتنوعة التي تتكون منها إثيوبيا، وسعت تلك المجموعات إلى الاستيلاء على السلطة، فدخلت إثيوبيا في أتون حرب أهلية، ما زالت عاجزة عن الخروج منها.
أخيراً، إذا كان النموذج الصيني في التنمية قد نجح في إقناع الكثيرين بجدواه خلال العقدين الماضيين، فإنه من غير المحتمل أن يظل كذلك خلال العقدين المقبلين.


الصين أقتصاد الصين

اختيارات المحرر

فيديو