كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة

3 - 4 زمن الوباء عزز الرغبة في الكتب المجنحة

كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة
TT

كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة

كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة

في لبنان إضافة إلى الحَجر والجائحة، كان العام ثقيلاً ومؤلماً، بسبب الانهيار الذي طال كل ما يمكن أن يمس تفاصيل الحياة اليومية. ما حدا بالمثقفين إلى الانغماس في قراءة الشعر والروايات والكتب النقدية أكثر من أي وقت مضى. غابت في سياق قراءات العام المنصرم الكتب الفكرية والسياسية، وفضل الكتاب اختيار كل ما يساعد على تعزيز الخيال، وتخفيف جلافة الواقع.
أربعة كتب وثلاث لغات
قرأ الشاعر هنري زغيب، كتباً كثيرة وأعاد قراءة بعضها هذا العام، ويتحدث هنا عن أربعة منها ويقول: كتاب «كلمات كلمات كلمات» لأُنسي الحاج، وهذه هي المرة الرابعة أَو الخامسة أَعود إِلى قراءة أجزائه الثلاثة التي تجمع معظم ما كان أُنسي نشرَه في الصفحة الأَخيرة من «ملحق النهار». أَعود إِليه لأَنه يؤَرخ مرحلة كاملة طوال عقدٍ ونيف (1964 - 1977) كانت فيه مقالات أُنسي سوطاً لاهباً على أَهل السياسة في لبنان، وانتصاراً صائباً لمثقفيه ومبدعيه. وكلما عدتُ إِليه أَجد نصوصه ما زالت صالحة لتكون شاهدة على ما يجري اليوم في لبنان، فلا شيء تغير. الثاني كتاب «جبران خليل جبران: حياته وعالمه» (بالإنجليزية) للنحات البوسطني خليل جبران وزوجته جين. فبعدما أَصدرتُ قبل أَشهُرٍ كتابي عن جبران «هذا الرجل من لبنان»، وجَدت نصوصاً ووثائق جديدة عنه استلزمَت أَن أَعود إِلى هذا الكتاب الذي أعتبره أَفضل ما صدر حتى الآن من سيرة جبران، لأَن المؤَلف (وهو ابنُ ابنِ عم جبران) يمتلك من الوثائق ما لا يمتلكه أَحد، كانت آلَت إِليه من مريانا شقيقة جبران، وهي الوحيدة الباقية بعدَه والمالكة تلك الوثائق النادرة والأَصلية. من هنا عودتي إِلى هذا الكتاب لاقتطاف بعض معلومات وتواريخ وأَسماء ووقائع احتاجها للمقالات الجديدة التي أَكتبُها عن جبران. الكتاب الثالث «أزهار الشر» لشارل بودلير (بالفرنسية). أعدتُ قراءته بعدما قرأْتُ مقالات عنه صدرت في عدد خاص من مجلة «لو فيغارو» الفرنسية، وبينها المحاكمة التي خضع لها بودلير برئاسة المدعي العام إِرنست بينار، الذي قسا في حكمه على الكتاب وغرم الشاعر بمبلغ كبير فوق طاقته، كما غرم الناشر سنة 1857، وطلب حذف 6 قصائد اعتبرَتْها المحكمة «تخدش الأَخلاق العامة والتقاليد الاجتماعية والنظُم الدينية». الكتاب الرابع: «الضفدع» (بالفرنسية) لأَلكسندر نجار، مسرحية تستعيد ما خضع له بودلير من محاكمة، وما خضع له الروائي غوستاف فلوبير، وبرئاسة المدعي العام نفسه إِرنست بينار، عقاباً على روايته «مدام بوفاري» لاعتبار المحكمة أَن في الرواية مساً بالأَخلاق العامة في ذلك العصر، والمسرحية على إِيجازها، رسم فيها أَلكسندر نجار بأُسلوبه المتميز ولغته الفرنسية النقية أَحداثاً جرَت للشاعر بودلير والروائي فلوبير.
المتعة في التنويع
ومن باب المتعة في التنويع، يقول الكاتب المسرحي فارس يواكيم من أهم ما قرأت: «مسارات الحداثة» والعنوان الفرعي «قراءة في تجارب الشعراء المؤسسين». كتاب عن شعراء للشاعر شوقي بزيع، يعلن في المقدمة أنه يجترح مهمة صعبة، أولها الخروج من ذاتية الشاعر إلى موضوعية الناقد، وتحويل لغة التعبير من الشعور إلى المنطق. والواقع أنه تنقل بيسر، وكانت كتابته النقدية ممتعة، في رحلة تعرف فيها القارئ على مضمون الحداثة، ثم قاده إلى محطاتها في الشعر العربي، خصوصاً مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين. وكتاب «هكذا في الحكاية التي لم يروها أحد»، مختارات من شعر عبده وازن، منتَخَبة من خمس مجموعات، اختارها وقدم لها محمد مظلوم. ولدى القراءة رحت متابعاً، مرة جديدة، قصائد عبده وازن في: «أبواب النوم» و«سراج الفتنة» و«نار العودة» و«حياة معطلة» و«الأيام ليست لنودعها». شعرت بالمتعة كما لدى قراءتها زمان نشرها الأول. وكتاب «ضريح آنا أخماتوفا» (الهيئة العامة لقصور الثقافة/مصر) لحسن نجمي. مجموعة شعرية تطربك أنغامها الموسيقية الكامنة في قصائدها النثرية. تنويعات على لحن الموت والحياة الخالد. لكنها فيما ظهر منها وما خفي لا تكف عن عشق الحياة، والحب هو ملهمها ومرشدها، كما في المراثي والغزليات. حب للإنسان والأشياء والأمكنة والمشاعر. وتبرز لغة نجمي الأنيقة، كما عهدتها. وأيضاً كتاب «الحياة تحت الصفر» لعباس بيضون، مجموعة شعرية كان من الممكن أن تحمل عنواناً فرعياً مكملاً «في زمن الكورونا». أراها قصائد الأفكار. أناشيد كتبها شاعر في زمن الحَجْر الذي أقعد الإنسان، لكن تأملاته لم تتوقف لحظة عن النبض عبر جدل مع الذات ومع العصر. وأخيراً «خانات الريح» (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، رواية كتبتها الطبيبة الأديبة سوسن جميل حسن. تقاعدت من الطب وتفرغت للأدب. كانت تعاين المرضى وتشخص الداء وتصف العلاج، فأضحت تعاين المجتمع وتضع يدها على مكمن الداء. والكاتبة سورية مقيمة منذ بضع سنوات في ألمانيا التي استقبلت نحو مليون لاجئ، تعرف تفاصيل الشخصيات الوافدة، وتدرك طبيعة المجتمع المضيف.
العبور للآخرين
ويقول الكاتب والناشر سليمان بختي: أن تقرأ يعني أن تعبر إلى الآخرين. هناك كتب يتذكرها المرء، ومنها كتاب «فضاءات – يوتوبيا المدينة المثقفة» للناقدة خالدة سعيد، إذ تستكمل ما بدأته في كتابها الأول وتلقي الضوء على تجارب سبعة وثلاثين مبدعاً، ساهموا في صنع بيروت الحرية والإبداع. كتاب هو في حب المدينة وما تحمل من قيم وأضواء ورموز. وكتاب «صفونا مع الدهر» وهو عودة إلى الشعر للشاعرة والناقدة د. سلمى الخضراء الجيوسي وفيه أيضاً مختارات من كتابها «العودة من النبع الحالم» الصادر عام 1960، وتعلن في كتابها الجديد أنه «لم تنتقص من هوانا السنين» وتختمها بالعودة المشتهاة: «نحن عدنا/ واخترقنا مناعة الإسمنت/ يا ينابيع هللي». ظاهرة العودة إلى الشعر في ظلال العمر هي عودة إلى الذات الأصيلة. أيضاً كتاب «إضاءات في الأدب والفكر والثقافة» للدكتورة زهيدة درويش جبور. هو كتاب يؤشر لحضور النقد الرصين في النتاج الأدبي والفكري. يتناول مواضيع الشعر وسؤال المعنى ومسألة الحداثة والالتزام. وهناك جولة تشمل الدراسات البيئية وتحاليل لنماذج الرواية الحديثة. وجولة في الأدب الفرنكفوني وفي الثقافة والمواطنة. وكتاب «رباعية بيروت» لفارس الحرموني المهجري - مجموعة أناشيد كتبت في حب بيروت واستنهاض دورها، والغوص في تاريخها ومعالمها وأساطيرها ورموزها. بيروت في عين المهاجر غيرها في عين المقيم. ثم كتاب «خميس مجلة شعر - من الشفاهية إلى التوثيق والتدوين» للأب جاك أماتاييس السالسي. كتاب يؤرخ ويوثق ويستكمل البحث في صورة مجلة «شعر»، وندوة خميسها ودورها التجديدي، ويحمل في طياته الجواب عن سؤال: لماذا لا يزال صدى مجلة «شعر» يتردد في الأوساط الفكرية العربية المعاصرة.
القراءة بعد التقاعد
بعد تقاعده عن تدريس الفلسفة، يقول الكاتب والأكاديمي محمود شريح: استوقفني شوقي أبي شقرا في «عندنا الآلهة والأغنية وجارنا المطرب الصدى». فكلما أصدر شوقي ديواناً جدد العهد أن قصيدة الحداثة تنطلق رؤيتها من المشهد البسيط لتلم بتفاصيل الأفق حيث الذاكرة لا تضيع وشائجها، وحيث الوعي الباطني ماثل أبداً. الصورة بسيطة لكنها ترُدنا إلى زمن خاص لتصبح ميتافيزيقية. وكتاب سيف الرحبي «عاشق بيروت وأهلها»، دون يوميات 2020 عام جائحة وباء «كورونا» البغيض. سجل الرحبي خواطره المتصلة بهذا الكابوس الجاثم على الصدور، في يوميات سماها «في النور المنبعث من نبوءة الغراب: أوراق 2020». ويأتي كتاب د. أنطوان أبو زيد في «كتابة خليل حاوي الشعرية مقاربة رمزية»، ليعيد إلى هذا الشاعر بهاءه ويردنا إلى رونقه تحت خانة قنطرتين: الذوق الأدبي ومنهج النقد الموضوعي، أي صورة حاوي طبق الأصل: أستاذ النقد الأدبي في أميركية بيروت على مدى ربع قرن، منذ عودته من كامبردج وبيده دكتوراه عن جبران وحتى انتحاره في 6 حزيران 1982.
الزمن النوعي
ويرى الشاعر سلمان زين الدين، أنه في غمرة الظروف الاستثنائية التي نعيش في لبنان والعالم العربي، تشكل القراءة فسحة أمل توسع العيش، على حد تعبير الطغرائي، ويغدو الكتاب فرصة لاقتطاع زمن نوعي من الزمن الكمي الذي نغرق في رماله المتحركة. وهو ما توفره كتب كثيرة، أقترح أربعة منها: «هذا الرجل من لبنان» للشاعر اللبناني هنري زغيب الصادر عن «منشورات مركز التراث اللبناني». الكتاب وضعته بالإنجليزية الشاعرة الأميركية بربارة يونغ عن الأديب اللبناني جبران خليل جبران، وهي التي لازمته في السنوات السبع الأخيرة من حياته، واستطاعت أن تقترب من هذه الشخصية المثيرة للجدل، وأن تضيف إلى سيرته جوانب مجهولة. وتأتي ترجمة هنري زغيب للكتاب بلغة أنيقة، وبتحقيق علمي، مع رفده بالوثائق التي تنشر للمرة الأولى. وكتاب «ضفاف أخرى» للشاعر اللبناني عيسى مخلوف. سيرة ذاتية ثقافية في إطار حواري، يجيب فيها الشاعر عن 237 سؤالاً طرحها عليه الشاعر العراقي علي محمود خضير. وتتناول الأجوبة: الكتب التي قرأ، والموسيقى التي سمع، والأعمال الفنية التي رأى، والأسفار التي قام بها، خارج الذات وداخلها. ثم كتاب «أن تعشق الحياة» للروائية اللبنانية علوية صبح. الكتاب إضافة نوعية إلى مدونة صبح الروائية، ترصد فيه قدرة المرأة على مواجهة الأعطاب، في عالم مرجعي يواجه أعطاب السلطة. وكذلك كتاب «الغجر يحبون أيضاً» للروائي الجزائري واسيني الأعرج. رواية تطرح سؤال الغجر ومعاناتهم التاريخية في مجتمع متعدد الهويات.
لكتب الأطفال حصة
ويقول الشاعر والصحافي السوري بهيج وردة: أبدأ بكتاب للأطفال قرأته لطفلي كان من كتبنا المفضلة هذا العام، وعنوانه «في رأسي نغم» لنادين باخص من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر مستوحى من رحلة إبداع زياد الرحباني، وتحديداً قصة لحن «عودك رنان»، والإلهام السري الذي كان يصاب به طفلاً ويفرغُه بالموسيقى. ثم مذكرات الصحافية العراقية منى سعيد الطاهر، وصدرت بعنوان «جمر وندى» فصول من سيرة ذاتية عن دار سطور - بغداد، وتجسد حربها في مواجهة مرض السرطان الذي شُخص بالصدفة وانتصارها عليه، ثم عودتها إلى بغداد بعد اغتراب طويل. وأخيراً كتاب «حسان عباس بعيون معاصرة» الذي جمع أقلاماً سورية مختلفة عن واحد من المؤثرين بعمق في المشهد الثقافي السوري المعاصر، وقدمه فايز سارة، وصدر عن «دار نرد» للنشر والتوزيع (2021)، إذ ضم شهادات من عاصروا وشاركوا د. عباس، أحلامه وتطلعاته إلى غدٍ مشرق.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.