كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة

3 - 4 زمن الوباء عزز الرغبة في الكتب المجنحة

كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة
TT

كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة

كُتاب ومثقفون لبنانيون فضلوا الأدب على السياسة

في لبنان إضافة إلى الحَجر والجائحة، كان العام ثقيلاً ومؤلماً، بسبب الانهيار الذي طال كل ما يمكن أن يمس تفاصيل الحياة اليومية. ما حدا بالمثقفين إلى الانغماس في قراءة الشعر والروايات والكتب النقدية أكثر من أي وقت مضى. غابت في سياق قراءات العام المنصرم الكتب الفكرية والسياسية، وفضل الكتاب اختيار كل ما يساعد على تعزيز الخيال، وتخفيف جلافة الواقع.
أربعة كتب وثلاث لغات
قرأ الشاعر هنري زغيب، كتباً كثيرة وأعاد قراءة بعضها هذا العام، ويتحدث هنا عن أربعة منها ويقول: كتاب «كلمات كلمات كلمات» لأُنسي الحاج، وهذه هي المرة الرابعة أَو الخامسة أَعود إِلى قراءة أجزائه الثلاثة التي تجمع معظم ما كان أُنسي نشرَه في الصفحة الأَخيرة من «ملحق النهار». أَعود إِليه لأَنه يؤَرخ مرحلة كاملة طوال عقدٍ ونيف (1964 - 1977) كانت فيه مقالات أُنسي سوطاً لاهباً على أَهل السياسة في لبنان، وانتصاراً صائباً لمثقفيه ومبدعيه. وكلما عدتُ إِليه أَجد نصوصه ما زالت صالحة لتكون شاهدة على ما يجري اليوم في لبنان، فلا شيء تغير. الثاني كتاب «جبران خليل جبران: حياته وعالمه» (بالإنجليزية) للنحات البوسطني خليل جبران وزوجته جين. فبعدما أَصدرتُ قبل أَشهُرٍ كتابي عن جبران «هذا الرجل من لبنان»، وجَدت نصوصاً ووثائق جديدة عنه استلزمَت أَن أَعود إِلى هذا الكتاب الذي أعتبره أَفضل ما صدر حتى الآن من سيرة جبران، لأَن المؤَلف (وهو ابنُ ابنِ عم جبران) يمتلك من الوثائق ما لا يمتلكه أَحد، كانت آلَت إِليه من مريانا شقيقة جبران، وهي الوحيدة الباقية بعدَه والمالكة تلك الوثائق النادرة والأَصلية. من هنا عودتي إِلى هذا الكتاب لاقتطاف بعض معلومات وتواريخ وأَسماء ووقائع احتاجها للمقالات الجديدة التي أَكتبُها عن جبران. الكتاب الثالث «أزهار الشر» لشارل بودلير (بالفرنسية). أعدتُ قراءته بعدما قرأْتُ مقالات عنه صدرت في عدد خاص من مجلة «لو فيغارو» الفرنسية، وبينها المحاكمة التي خضع لها بودلير برئاسة المدعي العام إِرنست بينار، الذي قسا في حكمه على الكتاب وغرم الشاعر بمبلغ كبير فوق طاقته، كما غرم الناشر سنة 1857، وطلب حذف 6 قصائد اعتبرَتْها المحكمة «تخدش الأَخلاق العامة والتقاليد الاجتماعية والنظُم الدينية». الكتاب الرابع: «الضفدع» (بالفرنسية) لأَلكسندر نجار، مسرحية تستعيد ما خضع له بودلير من محاكمة، وما خضع له الروائي غوستاف فلوبير، وبرئاسة المدعي العام نفسه إِرنست بينار، عقاباً على روايته «مدام بوفاري» لاعتبار المحكمة أَن في الرواية مساً بالأَخلاق العامة في ذلك العصر، والمسرحية على إِيجازها، رسم فيها أَلكسندر نجار بأُسلوبه المتميز ولغته الفرنسية النقية أَحداثاً جرَت للشاعر بودلير والروائي فلوبير.
المتعة في التنويع
ومن باب المتعة في التنويع، يقول الكاتب المسرحي فارس يواكيم من أهم ما قرأت: «مسارات الحداثة» والعنوان الفرعي «قراءة في تجارب الشعراء المؤسسين». كتاب عن شعراء للشاعر شوقي بزيع، يعلن في المقدمة أنه يجترح مهمة صعبة، أولها الخروج من ذاتية الشاعر إلى موضوعية الناقد، وتحويل لغة التعبير من الشعور إلى المنطق. والواقع أنه تنقل بيسر، وكانت كتابته النقدية ممتعة، في رحلة تعرف فيها القارئ على مضمون الحداثة، ثم قاده إلى محطاتها في الشعر العربي، خصوصاً مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين. وكتاب «هكذا في الحكاية التي لم يروها أحد»، مختارات من شعر عبده وازن، منتَخَبة من خمس مجموعات، اختارها وقدم لها محمد مظلوم. ولدى القراءة رحت متابعاً، مرة جديدة، قصائد عبده وازن في: «أبواب النوم» و«سراج الفتنة» و«نار العودة» و«حياة معطلة» و«الأيام ليست لنودعها». شعرت بالمتعة كما لدى قراءتها زمان نشرها الأول. وكتاب «ضريح آنا أخماتوفا» (الهيئة العامة لقصور الثقافة/مصر) لحسن نجمي. مجموعة شعرية تطربك أنغامها الموسيقية الكامنة في قصائدها النثرية. تنويعات على لحن الموت والحياة الخالد. لكنها فيما ظهر منها وما خفي لا تكف عن عشق الحياة، والحب هو ملهمها ومرشدها، كما في المراثي والغزليات. حب للإنسان والأشياء والأمكنة والمشاعر. وتبرز لغة نجمي الأنيقة، كما عهدتها. وأيضاً كتاب «الحياة تحت الصفر» لعباس بيضون، مجموعة شعرية كان من الممكن أن تحمل عنواناً فرعياً مكملاً «في زمن الكورونا». أراها قصائد الأفكار. أناشيد كتبها شاعر في زمن الحَجْر الذي أقعد الإنسان، لكن تأملاته لم تتوقف لحظة عن النبض عبر جدل مع الذات ومع العصر. وأخيراً «خانات الريح» (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، رواية كتبتها الطبيبة الأديبة سوسن جميل حسن. تقاعدت من الطب وتفرغت للأدب. كانت تعاين المرضى وتشخص الداء وتصف العلاج، فأضحت تعاين المجتمع وتضع يدها على مكمن الداء. والكاتبة سورية مقيمة منذ بضع سنوات في ألمانيا التي استقبلت نحو مليون لاجئ، تعرف تفاصيل الشخصيات الوافدة، وتدرك طبيعة المجتمع المضيف.
العبور للآخرين
ويقول الكاتب والناشر سليمان بختي: أن تقرأ يعني أن تعبر إلى الآخرين. هناك كتب يتذكرها المرء، ومنها كتاب «فضاءات – يوتوبيا المدينة المثقفة» للناقدة خالدة سعيد، إذ تستكمل ما بدأته في كتابها الأول وتلقي الضوء على تجارب سبعة وثلاثين مبدعاً، ساهموا في صنع بيروت الحرية والإبداع. كتاب هو في حب المدينة وما تحمل من قيم وأضواء ورموز. وكتاب «صفونا مع الدهر» وهو عودة إلى الشعر للشاعرة والناقدة د. سلمى الخضراء الجيوسي وفيه أيضاً مختارات من كتابها «العودة من النبع الحالم» الصادر عام 1960، وتعلن في كتابها الجديد أنه «لم تنتقص من هوانا السنين» وتختمها بالعودة المشتهاة: «نحن عدنا/ واخترقنا مناعة الإسمنت/ يا ينابيع هللي». ظاهرة العودة إلى الشعر في ظلال العمر هي عودة إلى الذات الأصيلة. أيضاً كتاب «إضاءات في الأدب والفكر والثقافة» للدكتورة زهيدة درويش جبور. هو كتاب يؤشر لحضور النقد الرصين في النتاج الأدبي والفكري. يتناول مواضيع الشعر وسؤال المعنى ومسألة الحداثة والالتزام. وهناك جولة تشمل الدراسات البيئية وتحاليل لنماذج الرواية الحديثة. وجولة في الأدب الفرنكفوني وفي الثقافة والمواطنة. وكتاب «رباعية بيروت» لفارس الحرموني المهجري - مجموعة أناشيد كتبت في حب بيروت واستنهاض دورها، والغوص في تاريخها ومعالمها وأساطيرها ورموزها. بيروت في عين المهاجر غيرها في عين المقيم. ثم كتاب «خميس مجلة شعر - من الشفاهية إلى التوثيق والتدوين» للأب جاك أماتاييس السالسي. كتاب يؤرخ ويوثق ويستكمل البحث في صورة مجلة «شعر»، وندوة خميسها ودورها التجديدي، ويحمل في طياته الجواب عن سؤال: لماذا لا يزال صدى مجلة «شعر» يتردد في الأوساط الفكرية العربية المعاصرة.
القراءة بعد التقاعد
بعد تقاعده عن تدريس الفلسفة، يقول الكاتب والأكاديمي محمود شريح: استوقفني شوقي أبي شقرا في «عندنا الآلهة والأغنية وجارنا المطرب الصدى». فكلما أصدر شوقي ديواناً جدد العهد أن قصيدة الحداثة تنطلق رؤيتها من المشهد البسيط لتلم بتفاصيل الأفق حيث الذاكرة لا تضيع وشائجها، وحيث الوعي الباطني ماثل أبداً. الصورة بسيطة لكنها ترُدنا إلى زمن خاص لتصبح ميتافيزيقية. وكتاب سيف الرحبي «عاشق بيروت وأهلها»، دون يوميات 2020 عام جائحة وباء «كورونا» البغيض. سجل الرحبي خواطره المتصلة بهذا الكابوس الجاثم على الصدور، في يوميات سماها «في النور المنبعث من نبوءة الغراب: أوراق 2020». ويأتي كتاب د. أنطوان أبو زيد في «كتابة خليل حاوي الشعرية مقاربة رمزية»، ليعيد إلى هذا الشاعر بهاءه ويردنا إلى رونقه تحت خانة قنطرتين: الذوق الأدبي ومنهج النقد الموضوعي، أي صورة حاوي طبق الأصل: أستاذ النقد الأدبي في أميركية بيروت على مدى ربع قرن، منذ عودته من كامبردج وبيده دكتوراه عن جبران وحتى انتحاره في 6 حزيران 1982.
الزمن النوعي
ويرى الشاعر سلمان زين الدين، أنه في غمرة الظروف الاستثنائية التي نعيش في لبنان والعالم العربي، تشكل القراءة فسحة أمل توسع العيش، على حد تعبير الطغرائي، ويغدو الكتاب فرصة لاقتطاع زمن نوعي من الزمن الكمي الذي نغرق في رماله المتحركة. وهو ما توفره كتب كثيرة، أقترح أربعة منها: «هذا الرجل من لبنان» للشاعر اللبناني هنري زغيب الصادر عن «منشورات مركز التراث اللبناني». الكتاب وضعته بالإنجليزية الشاعرة الأميركية بربارة يونغ عن الأديب اللبناني جبران خليل جبران، وهي التي لازمته في السنوات السبع الأخيرة من حياته، واستطاعت أن تقترب من هذه الشخصية المثيرة للجدل، وأن تضيف إلى سيرته جوانب مجهولة. وتأتي ترجمة هنري زغيب للكتاب بلغة أنيقة، وبتحقيق علمي، مع رفده بالوثائق التي تنشر للمرة الأولى. وكتاب «ضفاف أخرى» للشاعر اللبناني عيسى مخلوف. سيرة ذاتية ثقافية في إطار حواري، يجيب فيها الشاعر عن 237 سؤالاً طرحها عليه الشاعر العراقي علي محمود خضير. وتتناول الأجوبة: الكتب التي قرأ، والموسيقى التي سمع، والأعمال الفنية التي رأى، والأسفار التي قام بها، خارج الذات وداخلها. ثم كتاب «أن تعشق الحياة» للروائية اللبنانية علوية صبح. الكتاب إضافة نوعية إلى مدونة صبح الروائية، ترصد فيه قدرة المرأة على مواجهة الأعطاب، في عالم مرجعي يواجه أعطاب السلطة. وكذلك كتاب «الغجر يحبون أيضاً» للروائي الجزائري واسيني الأعرج. رواية تطرح سؤال الغجر ومعاناتهم التاريخية في مجتمع متعدد الهويات.
لكتب الأطفال حصة
ويقول الشاعر والصحافي السوري بهيج وردة: أبدأ بكتاب للأطفال قرأته لطفلي كان من كتبنا المفضلة هذا العام، وعنوانه «في رأسي نغم» لنادين باخص من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر مستوحى من رحلة إبداع زياد الرحباني، وتحديداً قصة لحن «عودك رنان»، والإلهام السري الذي كان يصاب به طفلاً ويفرغُه بالموسيقى. ثم مذكرات الصحافية العراقية منى سعيد الطاهر، وصدرت بعنوان «جمر وندى» فصول من سيرة ذاتية عن دار سطور - بغداد، وتجسد حربها في مواجهة مرض السرطان الذي شُخص بالصدفة وانتصارها عليه، ثم عودتها إلى بغداد بعد اغتراب طويل. وأخيراً كتاب «حسان عباس بعيون معاصرة» الذي جمع أقلاماً سورية مختلفة عن واحد من المؤثرين بعمق في المشهد الثقافي السوري المعاصر، وقدمه فايز سارة، وصدر عن «دار نرد» للنشر والتوزيع (2021)، إذ ضم شهادات من عاصروا وشاركوا د. عباس، أحلامه وتطلعاته إلى غدٍ مشرق.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».