أكثر من 700 محاولة هروب من مخيّم الهول السوري

بمبالغ مالية وشبكة أنفاق... نساء يتحدثن عن تفاصيل عمليات تهريب البشر من مركز إيواء أسر «داعش»

مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)
مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من 700 محاولة هروب من مخيّم الهول السوري

مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)
مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)

روت ثلاث سيدات «داعشيات» من النمسا وروسيا وداغستان كيف حاولن الهروب من مخيم الهول، بمحافظة الحسكة (شرق سوريا)، عبر شبكة أنفاق وبمبالغ مالية طائلة. وجاءت محاولاتهن في ظل ارتفاع عمليات القتل ومعدلات الجريمة في هذا المخيم الذي يؤوي ما لا يقل عن 60 ألف شخص بينهم أفراد أسر مقاتلين من تنظيم «داعش». وتقول أجهزة الأمن في المخيم إنها أحبطت أو وثّقت منذ مارس (آذار) 2020 قرابة 700 محاولة هروب لأسر «داعشية» من المخيم.
وتحدثت النساء الثلاث اللواتي كن متشحات بالسواد ومنتقبات لا يظهر منهنّ شيء سوى عيون حائرة ونظرة تشاؤمية، عن وجود شبكات لتهريب البشر يتم التواصل معها عبر برامج للاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي، على أن تكون محافظة إدلب أو مناطق أخرى في شمال سوريا خاضعة للنفوذ التركي أول محطة بعد نجاح عملية التهريب من المخيم. وبعد ذلك، تتولى الشبكات نقل من يتم تهريبهم من الهول إلى داخل الأراضي التركية ومنها إلى مواطنهم الأصلية، وهو أمر يتم غالباً لقاء دفع مبالغ مالية طائلة.
بعد سفر زوجها إلى سوريا، أكثر بلدان الشرق الأوسط سخونة، أوائل 2014، تغيّرت حياة النمساوية «حفصة» رأساً على عقب. فقد كانت متزوجة من مواطن من أبناء بلدها يدعى «تشيراك»، التحقت به في سوريا بعد سنة من زواجهما وعاشا في مناطق سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي. وفي أثناء حديثها، بالكاد كانت تتذكر أسماء المدن والبلدات التي عاشت فيها خلال 4 سنوات من التنقل في سوريا، مشيرةً إلى مقتل زوجها في معارك التنظيم بعد مرور عامين على زواجهما، مضيفةً أنه كان خلال هذه الفترة قد تزوج بامرأة ثانية تحمل الجنسية الألمانية. وبعد القضاء على سيطرة التنظيم الجغرافية والعسكرية في بلدة الباغوز بريف دير الزور الشرقي ربيع 2019 نُقلت إلى مخيم الهول في شرق سوريا.
وقالت «حفصة» إنه بعد تكرار حوادث الهروب والقتل في هذا المخيم حاولت الهرب بدورها، لكن محاولتها فشلت. وفي بداية حديثها، قالت هذه المرأة إنها من مواليد غراتس وهي ثانية كبرى المدن النمساوية بعد العاصمة فيينا، وتبلغ من العمر 27 سنة وهي من أصول تونسية.
وعن تفاصيل محاولتها الهروب، كشفت «حفصة» أن «سيدة جهادية»، كما وصفتها، تواصلت معها على رقم هاتفها المحمول وبعثت لها برسالة عبر برنامج «واتساب». وقالت: «بدايةً استغربت كثيراً كيف عثرت على رقمي وكيف تعرف أنني أحاول الهروب. طرحت الكثير من الأسئلة عليها. أجابتني بأنه بعد الهروب ستجيب عن كل شيء». وأشارت إلى أن هذه السيدة كانت تتحدث معها سراً بلغة عربية فصحى لدرجة أنها لم تتمكن من معرفة هوية البلد الذي تتحدر منه. وتابعت: «لم تطلب مني أي مبلغ مالي، أعطتني بعض الأسماء والأرقام وطلبت مني التواصل معهم. وبالفعل تواصلت مع شخص التقيته عند نقطة محددة، وذهبنا عبر نفق طويل إلى سور المخيم الخارجي». وزادت أنها اكتشفت فيما بعد أنه يعمل لقوى الأمن (التي يديرها الأكراد في المخيم)، مشيرة إلى اعتقالها بصحبة 3 نساء أخريات كن يحاولن أيضاً الفرار من مخيم الهول. وتابع: «أخذونا للتحقيق وتعرضنا للتوقيف لكن أُخلي سبيلنا فيما بعد».
أما «راية» المتحدرة من داغستان، وعمرها 28 سنة، فقالت إنها سافرت من بلادها إلى إسطنبول بداية عام 2015، وكانت آنذاك عمرها 22 عاماً. ومن هناك، تواصلت «راية» مع موالين لتنظيم «داعش» عبر منصات التواصل الاجتماعي، فطُلب منها السفر إلى مدينة أضنة التركية، حيث تواصلت مع مهربي بشر ومنها قصدت المناطق الحدودية مع سوريا ودخلت عبر بوابة تل أبيض التابعة لمدينة الرقة. قصدت في البداية بلدة جرابلس (محافظة حلب)، ثم توجهت مع آخرين إلى الطبقة والرقة. وبعد تحرير الرقة من «داعش» عام 2017 هربت مع موالين للتنظيم وقصدوا مدن وبلدات الريف الشرقي لمحافظة دير الزور. وكانوا كلما طُرد «داعش» من منطقة يذهبون إلى جهة ثانية.
انتهى المطاف بـ«راية» مع أرامل أخريات من التنظيم في بلدة الباغوز، آخر معقل لـ«داعش» في سوريا. وبعد استسلامهم عام 2019 خرجوا إلى مخيم الهول. وكشفت «راية» أن شبكة تهريب للبشر موالية للتنظيم تواصلت معها وهي في المخيم من روسيا، وقالت لها إن الشبكة ستدفع أموالاً لمهربين محليين يعملون سائقين لدى منظمات دولية. وأوضحت: «قالوا لنا إنه سيتم نقلنا من المخيم إلى مدينة إدلب السورية، ومنها سيتم نقلنا لتركيا ثم السفر إلى روسيا». وأضافت أن عناصر هذه الشبكة زوّدوها ببضعة أسماء وأرقام للاتصال بها، موضحة: «في إحدى الليالي، قرابة الساعة الأولى بعد منتصف الليل، ذهبت للنقطة (المتفق عليها للقاء) وهناك دخلنا نفقاً ومشينا ربع ساعة حتى خرجنا من فتحة ثانية. لكن يبدو أن حركتنا كشفت أمرنا، فقُبض علينا وأخذونا للاستجواب».
أما الروسية «نوريانا» فتقول إنها تنقلت بين مدن وبلدات سورية عدة حفظتها واحدة تلو الأخرى مع تواريخ السكن، وبعد مقتل زوجها الروسي في غارة جوية هربت مع أطفالها إلى العراق لكنهم عادوا إلى سوريا أواخر 2018 جراء القصف العنيف لطيران التحالف الدولي هناك. وانتهى بها المطاف في بلدة الباغوز بريف دير الزور. وبعد استسلام «داعش» في هذه البلدة، أُخرجت لمخيم الهول الذي تعيش فيه منذ عامين و10 أشهر.
وعن قصة هروبها، تقول «نوريانا» إنها اشترت هاتفاً من سوق المخيم بمبلغ كبير مع شريحة إنترنت وأدخلته سراً إلى خيمتها. وأضافت: «بدأت بالتواصل مع أهلي وكنت أستفسر من الجارات وأخوات وصديقات عن طرق الهروب. وبالفعل تواصل معي شخص قال إنه عراقي سيساعدني للهروب». وأعطى هذا الشخص، المجهول الهوية، حيثيات عملية التهريب وحدد التوقيت والزمان والمكان: «ذهبت إلى النقطة (المحددة) وبعد لحظات داهمت قوة كبيرة من عناصر الأمن المكان وألقوا القبض علينا. لا أعرف كيف افتضح الأمر، ولا أعرف أسماء الأشخاص الذين تواصلوا معي. استخدموا أسماء وهمية وألقاباً».
وأعلنت قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية في مخيم الهول القبض على شبكات تهريب البشر بينهم نساء «داعشيات» بتهم تشكيل «خلايا نائمة إرهابية وتهريب البشر»، وبعد تنفيذ عمليات أمنية شملت عدة أقسام، قبضت قوات الأمن على «قياديات» في «داعش» وأحالتهن إلى مراكز التحقيق. وتشتبه أجهزة الأمن في أن النساء «الداعشيات» تلعبن دور الوسيط مع خلايا نائمة للتنظيم في عمليات التهريب من المخيم وتقديم يد العون لعوائل مسلحي التنظيم المتطرف.
وتكررت في الشهور الماضية حوادث الهروب من المخيم الواقع على بُعد 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة. وكشف المتحدث باسم قوى الأمن الداخلي، علي الحسن، أن محاولات الفرار التي تم إحباطها وتوثيقها منذ مارس 2020 وصلت إلى قرابة 700 محاولة «حاولت فيها أسر (داعشية) من جنسيات مختلفة الهروب من المخيم للوصول إلى تركيا ثم إلى بلدانها الأصلية، حسبما كشفت التحقيقات». ولفت إلى أن جهاز أمن المخيم زاد نقاط المراقبة والتفتيش وتسيير دوريات حول المخيم ومداخله ومخارجه. وزاد أن «مساحة المخيم كبيرة للغاية، وهو محاط بأرض صحراوية وعرة. قمنا بزيادة نقاط المراقبة ومخافر الحراسة. ودورياتنا تجول ليل نهار طوال 24 ساعة داخل المخيم وخارجه».
ويؤوي مخيم الهول القريب من الحدود العراقية 60 ألف شخص، يشكّل السوريون والعراقيون النسبة الكبرى من تعداد قاطنيه. كما يضم قسماً خاصاً بالنساء الأجنبيات «المهاجرات» وأطفالهن، وهم يتحدرون من نحو 50 دولة غربية وعربية. ويبلغ عددهم نحو 11 ألف سيدة وطفل (بينهم 3177 امرأة). ويخضع هذا القسم لحراسة أمنية مشددة، كما يمنع الخروج والدخول إلا بإذن خطّي من إدارة المخيم.


مقالات ذات صلة

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

المشرق العربي خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي شعار الضربة الجوية على درعا التي قالت القوات المسلحة الأردنية إنها استهدفت خليه لـ«داعش»

مصادر: الأردن نسّق مع دمشق بشأن قصف الجنوب السوري

أكدت مصادر أردنية التنسيق مع الجانب السوري لقصف مناطق بإحداثيات مؤكدة لضرب عناصر من «داعش» كانوا على اتصال بالخلية الإرهابية التي نفذت عملية كنيسة حمود.

«الشرق الأوسط» (دمشق) محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي لقطة جوية لأشخاص يتفقدون الأضرار في موقع استهدفته غارات جوية أردنية الليلة الماضية على قرية في منطقة اللجاة الواقعة في الريف الشمالي الشرقي لدرعا بسوريا (أ.ف.ب) p-circle

غارات ندّدت بها دمشق... الأردن يعلن مقتل أكثر من 20 عنصراً من «داعش»

أعلنت الحكومة الأردنية أن غارات جوية نفذها سلاح الجو الأردني في جنوب سوريا بعد الاعتداء الدامي على كنيسة في محافظة الكرك أوقعت أكثر من 20 قتيلا من عناصر «داعش».

«الشرق الأوسط» (عمان - دمشق)
المشرق العربي رجل أمن عراقي مع مشتبه فيه بالانتماء إلى «داعش» في سجن الكرخ ببغداد (أ.ب)

المؤبد لـ7 فرنسيين في العراق بتهمة الانتماء إلى «داعش»

أصدرت محكمة جنايات الكرخ في بغداد، الثلاثاء، أحكاماً بالسجن المؤبد بحق 6 مُدانين، و15 سنة بحق مُدان سابع، جميعهم يحمل الجنسية الفرنسية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن الأردنية في موقع المداهمة خلال جانب من العملية الأمنية بالأمس (مديرية الأمن العام الأردنية) p-circle

الأردن يؤكد اعتزازه بالعلاقات «الأخوية» مع سوريا بعد قصف مواقع لـ«داعش»

أكد الأردن اليوم اعتزازه بالعلاقات الأخوية التي تربطه بسوريا، وحرصه على تطوير هذه العلاقات بما يخدم مصالح البلدين بعد القصف ​الذي شنه على جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (عمان)

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.