سباق لقاحات بريطاني قبل وصول «الموجة الهائلة» من «أوميكرون»

تأكيد الوفاة الأولى بالمتحور الجديد المسؤول عن 40 % من إصابات لندن... وفرنسا تنتظر «موجة سادسة» في يناير

طابور من المواطنين أمام مركز للقاحات في وسط العاصمة البريطانية أمس (أ.ب)
طابور من المواطنين أمام مركز للقاحات في وسط العاصمة البريطانية أمس (أ.ب)
TT

سباق لقاحات بريطاني قبل وصول «الموجة الهائلة» من «أوميكرون»

طابور من المواطنين أمام مركز للقاحات في وسط العاصمة البريطانية أمس (أ.ب)
طابور من المواطنين أمام مركز للقاحات في وسط العاصمة البريطانية أمس (أ.ب)

بدأت بريطانيا، أمس (الاثنين)، سباقاً مع الزمن لتلقيح ملايين من مواطنيها بالجرعة الثالثة المعززة من لقاحات «كورونا» بحلول نهاية السنة، قبل وصول «موجة هائلة» من الإصابات المتوقعة بمتحور «أوميكرون» الشديد العدوى والذي بات يمثل 40 في المائة من الإصابات بـ«كوفيد - 19» في العاصمة لندن (20% في إنجلترا). وفيما قالت منظمة الصحة العالمية إن المتحور «أوميكرون» الذي رُصد في أكثر من 60 دولة يشكل «خطراً عالمياً كبيراً»، قال مسؤول طبي فرنسي إن البلاد تتوقع «موجة سادسة» من «كورونا» الشهر المقبل.
وسُجلت طوابير طويلة من المواطنين أمام مراكز التلقيح في المدن البريطانية أمس في ظل جهود ضخمة يقوم بها القائمون على جهاز الصحة العامة لتلقيح ما يصل إلى مليون شخص يومياً بالجرعة الثالثة قبل نهاية الشهر الجاري. وأكد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أمس تسجيل أول حالة وفاة بمتحور «أوميكرون» في بريطانيا.
وجاء هذا التأكيد بعدما حذر جونسون في خطاب إلى الأمة مساء الأحد من أنه «ينبغي ألا يساور أي أحد أدنى شك: هناك موجة هائلة آتية جراء أوميكرون»، معلناً أن جرعات اللقاح المعززة ستكون في متناول من تجاوزوا 18 عاماً بحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول) الجاري. ويراهن جونسون على الجرعة الثالثة لتجنب إغراق المستشفيات وإعاقة الاقتصاد. ولتحقيق أعلى مستوى تطعيم، سيتم رفع عدد مراكز التلقيح وتمديد ساعات عملها، إضافة إلى الاستعانة بالجيش وتدريب آلاف المتطوعين على منح التطعيم، وفق ما أوضح رئيس الوزراء المحافظ الذي أعلن أيضا رفع مستوى التحذير الوبائي من الثالث إلى الرابع، ما يعني أن «التفشي كبير وأن الضغط على الخدمات الصحية يتسع أو في طور الازدياد».
وقالت بريطانيا أمس إن متحور «أوميكرون» ينتشر بمعدل كبير ويمثل حوالي 40 في المائة من إصابات «كورونا» في لندن، ولذا ينبغي على الناس الحصول على جرعة لقاح إضافية لتجنب التعرض للخطر. وقال وزير الصحة البريطاني ساجد جاويد الاثنين لتلفزيون «سكاي نيوز»: «كل ما نعلمه عن أوميكرون... هو أنه ينتشر بمعدل كبير، وهو شيء لم نشهده من قبل أبداً، الإصابات تتضاعف كل يومين إلى ثلاثة أيام». وأضاف «هذا يعني أننا نواجه موجة عاتية من العدوى، مرة أخرى نحن في سباق بين اللقاح والفيروس». وأضاف أن أوميكرون ربما يمثل حوالي 40 في المائة من الإصابات في لندن.
في غضون ذلك، توصل علماء بريطانيون إلى أن نظام التطعيم بجرعتي لقاح للوقاية من «كوفيد - 19» لا يؤدي إلى إنتاج أجسام مضادة كافية لمحاربة المتحور «أوميكرون» من فيروس «كورونا»، الأمر الذي يرجح زيادة الإصابات بين من أصيبوا من قبل بالمرض أو تم تطعيمهم باللقاحات.
ونشر باحثون من جامعة أكسفورد الاثنين نتائج دراسة لم تحظ حتى الآن بمراجعة من جانب علماء مناظرين حللوا فيها عينات من دماء المشاركين في دراسة كبيرة لبحث إمكانية المزج بين اللقاحات ممن سبق أن حصلوا على جرعات من لقاحي أسترازينيكا - أكسفورد وفايزر - بيونتيك.
وأشارت «رويترز» إلى أن نتائج الدراسة تأتي بعد يوم من التحذير الذي أطلقه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عندما قال إن جرعتين من اللقاح غير كافيتين لكبح المتحور «أوميكرون». وقالت الدراسة إنه لا توجد أدلة حتى الآن على أن انخفاض مستوى الأجسام المضادة المكافحة للعدوى قد يؤدي إلى تزايد خطر الإصابة بأعراض حادة أو الدخول للمستشفى أو الوفاة لمن حصل على جرعتين من اللقاحات المعتمدة.
وقال ماثيو سنيب الأستاذ بجامعة أكسفورد الذي شارك في الدراسة: «هذه البيانات مهمة لكنها ليست سوى جزء من الصورة».
وفي باريس، قال مسؤول تنفيذي في أحد المستشفيات الفرنسية إن فرنسا ستتعرض لموجة سادسة من (كوفيد - 19) الشهر المقبل بسبب ظهور المتحور الجديد للفيروس والمعروف باسم أوميكرون والأشد نشرا للعدوى، في حين لا تزال البلاد في خضم الموجة الخامسة من الجائحة الناجمة عن السلالة دلتا. وقال مارتن هيرش مدير مجموعة مستشفيات إيه بي - اتش بي في باريس أكبر شبكة مستشفيات في أوروبا لإذاعة آر تي إل: «لم نتفوه بكلمة واحدة عن الموجة السادسة وهي أوميكرون التي ستأتي لاحقا في يناير (كانون الثاني)»، حسب ما جاء في تقرير لوكالة «رويترز».
وفي جنيف، قالت منظمة الصحة العالمية، أمس، إن المتحور «أوميكرون» الذي رُصد في أكثر من 60 دولة يشكل «خطراً عالمياً كبيراً» مع بعض الأدلة على أنه مقاوم للقاحات لكن البيانات السريرية عن شدته ما زالت محدودة. وقالت المنظمة في إفادة فنية صدرت أول من أمس الأحد إن حالة كبيرة من عدم التيقن تحيط بأوميكرون، الذي رصد لأول مرة الشهر الماضي في جنوب أفريقيا وهونغ كونغ، والذي قد يؤدي تحوره إلى سرعة أكبر في انتشار العدوى وعدد أكبر في الإصابات بـ(كوفيد - 19) وأضافت «مجمل الخطر المرتبط بالمتحور الجديد أوميكرون يظل مرتفعاً للغاية لعدة أسباب» في تكرار لتقييمها الأول.
وتابعت «ثانياً، فإن الأدلة الأولية تشير إلى تفاديه للاستجابات المناعية وإلى معدلات انتشار عالية وهو ما قد يتسبب في ارتفاع آخر في حالات الإصابة مع عواقب وخيمة»، مشيرة إلى قدرة الفيروس المحتملة على مقاومة المناعة التي توفرها الأجسام المضادة.
وأشارت المنظمة إلى أدلة أولية على ارتفاع أعداد من تكررت إصابتهم بالفيروس في جنوب أفريقيا. وتابعت أنه في حين تُظهر بيانات أولية من جنوب أفريقيا أن حالات الإصابة بأوميكرون أقل شدة من حالات الإصابة بسلالة دلتا، فإن المهيمن على الإصابات في العالم حالياً وجميع الحالات المسجلة في منطقة أوروبا كانت خفيفة أو دون أعراض، وما زال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن أن يكون أوميكرون أقل ضراوة.
وقالت المنظمة: «هناك حاجة لمزيد من البيانات لفهم شدته... وحتى إذا كانت شدته أقل من دلتا فيظل من المتوقع ارتفاع معدلات الدخول للمستشفيات نتيجة زيادة الحالات. ويشكل زيادة معدل دخول المستشفيات عبئا على الأنظمة الصحية ويزيد من الوفيات»، حسب ما أوردت «رويترز».
وفي برلين، عارض الاتحاد الألماني للمستشفيات، الذي يمثل أصحاب المستشفيات، فرض إغلاق عام لمكافحة انتشار فيروس «كورونا» في ألمانيا، موضحاً أن هذا الإجراء غير ضروري الآن. وقال رئيس الاتحاد، جيرالد جاس، في تصريحات للقناة الثانية في التلفزيون الألماني الاثنين: «الإغلاق العام ليس ضرورياً في الوضع الحالي، على الأقل من وجهة نظرنا. نحن نفضل استمرار القيود على الاختلاط، خاصة لغير المُلقحين»، موضحاً أن الإجراءات التي تستهدف غير الملقحين ليس الغرض منها التسبب في مضايقتهم، ولكنها تهدف إلى التحوط، و«لذلك فإنها سليمة».
تجدر الإشارة إلى أن التطعيم الإجباري صار مطبقاً بالفعل في ألمانيا على العاملين في المستشفيات ودور رعاية المسنين. وقال جاس إن معدل التطعيم في المستشفيات مرتفع للغاية، حيث يتجاوز 90 في المائة. وقال: «نأمل أن يكون هناك عدد قليل للغاية من الذين سيرفضون تلقي اللقاح، وبالتالي ربما نضطر لفقدانهم في النهاية».
وفي إسلام آباد، قال المعهد الوطني للصحة في باكستان، الاثنين، إن باكستان رصدت أول حالة إصابة مؤكدة بالسلالة المتحورة «أوميكرون» في مدينة كراتشي، أكبر المدن من حيث عدد السكان. وقال المعهد في تغريدة على «تويتر»: «تأكدنا... من أن عينة من كراتشي أثارت الشكوك في الآونة الأخيرة هي بالفعل المتحور أوميكرون». وأضاف: «هذه أول حالة إصابة مؤكدة، ولكن هناك متابعة مستمرة للعينات المشتبه في إصابتها بالمتحور الجديد لتحديد الاتجاهات».
وقال مسؤول في وزارة الصحة لـ«رويترز»، يوم الخميس، إن السلطات بدأت التقصي عن أول حالة يشتبه في إصابتها بالمتحور أوميكرون الأسبوع الماضي.
وفي جوهانسبرغ، أظهرت الفحوص إصابة رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا بـ(كوفيد - 19) على ما أعلنت الرئاسة في بيان، مشيرة إلى أنه يتلقى العلاج من أعراض خفيفة. وقالت الرئاسة إن رامافوزا الذي تلقى التطعيم بالكامل، بدأ يشعر بأنه ليس على ما يُرام إثر مغادرته مراسم تأبين رسمية لنائب الرئيس السابق إف دبليو دي كليرك في كيب تاون في وقت سابق الأحد، لكن معنوياته جيدة ويخضع لمراقبة الأطباء. وكان الرئيس يضع قناعا أسود خلال المراسم التي جمعت حوالي 200 شخص في كنيسة بالمدينة، إلا عندما ألقى خطاب التأبين. وسيبقى رامافوزا حاليا في الحجر الذاتي في كيب تاون، وقد فوض كل المسؤوليات إلى نائب الرئيس ديفيد مابوزا للأسبوع المقبل.
وفي بانكوك، أعلنت إدارة العلوم الطبية في تايلاند الاثنين تسجيل خمس إصابات جديدة بـ«كورونا» من المتحور أوميكرون، وذلك لمسافرين قادمين من نيجيريا وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة. وكانت تايلاند قد أكدت في وقت سابق تسجيل ثلاث حالات إصابة بمتحور أوميكرون لمسافرين من إسبانيا ونيجيريا.
ولا يزال متحور دلتا هو السلالة السائدة لفيروس «كورونا» في تايلاند.
وتستعد تايلاند، في غضون ذلك، لتوزيع 54 مليون جرعة من لقاح فيروس «كورونا» العام المقبل على الأشخاص الذين حصلوا بالفعل على ثلاث جرعات، وذلك بحسب ما ذكرته الهيئة المعنية بالوضع الوبائي في البلاد. وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الـ54 مليون جرعة التي سيتم توزيعها كجرعة رابعة، تأتي ضمن خطة الحكومة لتوزيع 120 مليون جرعة العام المقبل، تتضمن 41 مليون جرعة ثالثة و5 ملايين جرعة للأطفال الذين يبلغون من العمر أقل من 12 عاماً.
كما تتضمن الجرعات أيضاً 1.5 مليون جرعة تعزيزية لمن تعافوا من الفيروس و1.2 مليون جرعة للأفراد الذين لم يحصلوا على اللقاح بعد. وتستهدف الهيئة تطعيم ما لا يقل عن 80 في المائة من السكان في تايلاند العام المقبل.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.