تقنية جديدة تكشف عن الطفرات الجينية النادرة في الخلايا

علماء «كاوست» يطورونها لرصد طفرة واحدة في مجموعة من 10 آلاف خلية

عملية التحرير والقص الجيني
عملية التحرير والقص الجيني
TT

تقنية جديدة تكشف عن الطفرات الجينية النادرة في الخلايا

عملية التحرير والقص الجيني
عملية التحرير والقص الجيني

تفتقر التقنيات الحالية لتحديد تسلسل الحمض النووي «دي إن إيه»DNA إلى الحساسية اللازمة للكشف عن الطفرات الجينية النادرة في مجموعة كبيرة من الخلايا، وهو أمر بالغ الأهمية في الكشف المبكر عن السرطان، على سبيل المثال.

أبحاث الجينات

وقد طور فريق من العلماء في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) أخيراً، تقنية تعرف باسم «التسلسل الموجه لجزيئات الحمض النووي المفردة» (IDMseq)، التي يمكن من خلالها الكشف بدقة عن طفرة جينية واحدة في مجموعة تضم عشرة آلاف خلية.
ويتكون الحمض النووي من سلسلتين من الجزيئات مرتبطتين ببعضهما، ويشكل البنية الحلزونية المزدوجة، وتسجل عليه كل البيانات الجينية، لذلك يشار إليه على أنه الشفرة الوراثية للحياة.
والأمر الآخر الأكثر أهمية هو أن الفريق نجح في استخدام تقنية (IDMseq) لتحديد عدد ووتيرة حدوث الطفرات التي تسببها أداة التحرير الجيني «كريسبر - كاس9» CRISPER/Cas9 في الخلايا الجذعية الجنينية لدى البشر.
وتعد تقنية «كريسبر - كاس9» أحد أهم التطورات العلمية في القرن الحالي، فهي أداة قوية جعلت عملية التحرير (القص) الجيني أسرع وأكثر دقة وأرخص وأيسر من حيث التشغيل حيث تتيح تغيير تسلسل الحمض النووي وتعديل وظيفة الجينات بسهولة. وكلمة كريسبر هي اختصار لـ«التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد»، وهو عبارة عن امتدادات من الحمض النووي. أما «كاس9» فهو إنزيم يعمل بمثابة مقص جزيئي يقوم بقص شرائط الحمض النووي في نقاط بعينها بهدف التخلص من الجينات المعيبة. وقد استلهمت هذه التقنية من نظام الدفاع الطبيعي لدى البكتيريا والعتائق لإحباط هجمات الفيروسات.
لقد أحدثت تقنية «كريسبر» نقلة نوعية في عالم الأحياء وذلك من حيث قدرتها على تصحيح العيوب الوراثية لعلاج بعض الأمراض ومنع انتشارها أو الوقاية منها عن طريق تصحيح الطفرات الخطيرة، وتحسين المحاصيل عن طريق إنتاج مجموعة من النباتات والحيوانات الجديدة المعدلة وراثياً. إلا أن هذه التقنية لها أيضاً بعض المخاطر والمحاذير إضافة إلى أثارتها لمسائل معقدة فيما يخص الناحية الأخلاقية والسياسية والبراءات.
ويتمثل أحد المخاطر في احتمال أن يكون لـ«إنزيم كريسبر كاس 9» تأثيرات غير مقصودة أو غير مستهدفة على عدة مواقع في الجينوم. فمثلا في بعض الأحيان قد يؤدي إجراء عمليات القطع المزدوج في الحمض النووي إلى حدوث عمليات إدخال مادة وراثية غير مرغوبة أو عمليات حذف كبرى وغير متوقعة مما قد ينتج عنها تبعات سلبية مثل التسبب في مرض السرطان.
جدير بالذكر أن جائزة نوبل في الكيمياء كانت قد منحت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 للبروفسورة إيمانويل شاربنتييه، مديرة وحدة ماكس بلانك لعلوم مسببات الأمراض، في برلين، ألمانيا، وللبروفسورة جينيفر دودنا، من جامعة كاليفورنيا، بيركيلي، الولايات المتحدة الأميركية لتطويرهما طريقة للتحرير الجيني والتي تعرف باسم «كريسبر - كاس9» أو «المقص الجيني».
وحالياً تجرى التجارب السريرية لاختبار مدى أمان استخدام تقنية «كريسبر» في علاج بعض الأمراض الوراثية.

رصد الطفرات

يقول عالم الأحياء الدكتور مو لي، أستاذ العلوم البيولوجية المساعد في «كاوست» الذي أشرف على الدراسة: «تكشف الدراسة التي أجريناها احتمال وجود مخاطر متعلقة باستخدام أداة التحرير الجيني «كريسبر - كاس9»، وتتيح لنا أدوات جديدة لدراسة نتائج التحرير الجيني على نحو أفضل».
وتتضمن تقنية IDMseq، التي طورها فريق كاوست، إضافة ترميز شريطي مميز إلى كل جزيء من جزيئات الحمض النووي في عينة من الخلايا، يليها إنتاج عدد كبير من النسخ لكل جزيء باستخدام تقنية تفاعلات البلمرة المتسلسل (PCR). وتحمل الجزيئات المنسوخة نفس الرمز الشريطي للجزيئات الأصلية (تقنية تفاعلات البلمرة هي طريقة شائعة في علم الأحياء الجزيئي، لإنتاج سريع لمليارات النسخ من عينة محددة من الحمض النووي الريبي).
بعد ذلك تستخدم إحدى أدوات نظم المعلومات الحيوية، ويطلق عليها «التحليل المتغير مع معرف جزيئي مميز للقراءة الطويلة» VAULT، ثم تفك شفرات الرموز الشريطية وتوضع جزيئات مماثلة في «الحاويات» الخاصة بها، لتمثل كل حاوية أحد الجزيئات الأصلية للحمض النووي. وتستخدم تقنية VAULT مجموعة من الخوارزميات للكشف عن الطفرات الموجودة في الحاويات. وتحقق هذه العملية نتائج جيدة عند استخدامها مع تقنيات التسلسل من الجيل الثالث طويل القراءة، كما تساعد العلماء على رصد وتيرة حدوث جميع أنواع الطفرات وتحديدها، بدءاً بالتغيرات في أحرف الحمض النووي ووصولاً إلى عمليات الحذف والإضافة الكبرى في جزيئات الحمض النووي الأصلية.
وقد نجح هذا النهج المستخدم مع تقنيات الجيل الثالث طويل القراءة في الكشف عن طفرة جينية أحدثت عمداً ومزجت بمجموعة من الخلايا شائعة النمط بنسب 1:100، و1:1000، و1:10000، ونجح أيضاً في تحديد وتيرة حدوثها بدقة.
علاوةً على ذلك، استخدم الباحثون تقنية IDMseq في البحث عن الطفرات التي سببتها أداة التحرير الجيني «كريسبر - كاس9». ويقول تشونجوي بي، طالب الدكتوراه بالجامعة: «أفاد عديد من الدراسات الحديثة بأن أداة التحرير هذه قد تتسبب في عمليات حذف كبرى وغير متوقعة في الحمض النووي حول الجينات المحررة، وهو ما يفرض بعض المخاوف بشأن أمان استخدامها. ويصعب الكشف عن عمليات الحذف وتقدير كمها باستخدام أساليب تسلسل الحمض النووي الحالية، لكن الطريقة التي طورناها، إلى جانب منصات التسلسل المختلفة الأخرى، تساعد على تحليل هذه الطفرات الكبرى في الحمض النووي بدرجة كبيرة من الدقة والحساسية».
وقد أظهرت الاختبارات أن عمليات الحذف الكبرى تسهم في حدوث 2.8 إلى 5.4 في المائة في نتائج التحرير الجيني باستخدام أداة «كريسبر - كاس9»، وكشفت أيضاً عن زيادة ثلاث مرات في متغيرات الحمض النووي أحادية القاعدة في الجزء المحرر جينياً. ويقول البروفسور ياني هوانج من جامعة بكين، وهو باحث دولي مساعد تشارك في تمويل أبحاثه «كاوست»: «يشير ذلك إلى أنه ما زال أمامنا كثير لنعرفه عن تقنية «كريسبر - كاس9» قبل أن تصبح آمنة للاستخدام في المرافق الطبية».
ويشير الباحثون إلى أن تقنية IDMseq تستخدم حالياً في تحديد تسلسل حمض نووي أحادي الشريط، لكن العمل على استخدامها في تحديد تسلسل حمض نووي ثنائي الشريط قد يرفع من كفاءتها.


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يختبر «واتساب» تبويباً جديداً يجمع جهات الاتصال ويعرض الأكثر نشاطاً بسهولة أكبر (رويترز)

«واتساب» يختبر تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد

يختبر «واتساب» تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد مع البحث السريع والحفاظ على إعدادات الخصوصية الحالية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للمقياس أن يدفع الأنظمة الذاتية إلى تعديل طريقة التعلم أو إعادة تقييم خطتها عند ظهور معلومات مهمة (أدوبي)

مقياس جديد يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على «فهم المفاجأة»

يقترح باحثون مقياساً جديداً يساعد الأنظمة الذاتية على تمييز الأحداث النادرة من التغيرات التي تتطلب إعادة التقييم وتعديل السلوك.

تكنولوجيا تتيح الخدمة في الأسواق الجديدة أكثر من 350 ألف عنوان بأكثر من 120 لغة مع اختلاف النماذج والأسعار بحسب السوق (أدوبي)

«سبوتيفاي» توسّع الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً... والسعودية ضمن التوسع

توسع «سبوتيفاي» خدمة الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً مع أسواق عربية جديدة ومكتبة واسعة ونماذج اشتراك متعددة عالمياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يظل تاريخ الميلاد جزءاً من التقييم لكنه ليس العامل الوحيد في التصنيف (د.ب.أ)

كيف يتنبأ «ChatGPT» بعمر المستخدم ويُفعّل تجربة المراهقين؟

يتنبأ «شات جي بي تي» بعمر المستخدم عبر إشارات الحساب وسلوك الاستخدام لتفعيل ضوابط أمان وتجربة مخصصة للمراهقين عند الحاجة.

نسيم رمضان (لندن)

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».