جوليان معلوف لـ«الشرق الأوسط»: لا أبحث عن استمرارية بل عن فَرق أُحدثه

جوليان معلوف لـ«الشرق الأوسط»: لا أبحث عن استمرارية بل عن فَرق أُحدثه

المخرج اللبناني يكشف عن جمال طبيعة بلده في «خرزة زرقا»
الأحد - 1 جمادى الأولى 1443 هـ - 05 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15713]

يحصد مسلسل «خرزة زرقا» الذي يُعرض على قناة «إم تي في» المحلية، نسبة مشاهدة مرتفعة من المشاهد اللبناني. صحيح أنه سبق وعرضته محطة «أو إس إن» الفضائية مما سرق من وهج عرضه المحلي، إلا أن العمل كان له وقعه على المشاهد المحلي، لا سيما أنه يشهد منافسة خجولة من قنوات أخرى.

المخرج جوليان معلوف كانت له عينه الثاقبة في عدة مسلسلات سابقة كـ«الحب الحقيقي» و«مش أنا» و«بالقلب» وغيرها. فضخ في الدراما اللبنانية النبض الشبابي المنتظر. وفي مسلسل «خرزة زرقا» جذب معلوف بكاميرته المشاهد اللبناني عندما اختار طبيعة لبنان عنواناً رئيسياً لها. نسبة من المشاهدين لفتتهم كادرات ولوحات اختيرت كمواقع تصوير للعمل مما حفّزهم على المشاهدة. ويقول جوليان معلوف لـ«الشرق الأوسط»: «تمسكت بإظهار طبيعة لبنان في المسلسل، وهذا الأمر تطلب منّي بحثاً طويلاً كي تكون خياراتي ملائمة. فكان على بالي أن أسلط الضوء على لبنان الجمال وصاحب الطبيعة الساحرة. ومن ناحية ثانية كنت أرغب في تحفيز المغترب اللبناني لزيارة وطنه الأم ليكتشفه من جديد». اختار معلوف مناطق لبنانية مختلفة ليتم التصوير فيها، تمتد من شمال لبنان إلى جنوبه ومن بينها بلدات إهدن وبزبدين.

تفرض بعض الدول خارج لبنان شروطها في صناعة الدراما، وذلك من باب الترويج السياحي لها. تطالب بضرورة إلقاء الضوء على طبيعة البلاد وعلى عادات وتقاليد أهله. كما تعزز صورة المطبخ الخاص بالبلاد، عبر أكلات معروفة فيها من خلال تكرار أسمائها. «ثمة دولة تتبنى هذه الإنتاجات وتساندها، ومن البدهيّ أن تفرض هذه المطالب كي تسوّق لبلدها. ولكننا في لبنان نفتقد هذا التشجيع والاهتمام الذي يأتي من باب الاجتهاد الشخصي. وبرأيي ليس لدينا أي حل آخر نقوم به في هذا الاتجاه سوى المبادرات الفردية في ظل غياب تام للدولة اللبنانية عن صناعة الدراما».

يلحظ جوليان معلوف تطوراً ملحوظاً في الإنتاجات الدرامية الأخيرة: «حققت قفزة نوعية كنا نحتاج إليها، ودخل العنصر الشبابي عليها بشكل لافت. كنا بحاجة إلى هذه النقلة النوعية بعيداً عن التكرار والكلاسيكية في الأداء. هذا الأمر كان بمثابة قفزة أسهمت في تطوير صناعتنا الدرامية. فاللعبة الدرامية برمّتها تغيّرت. ونحن ذاهبون إلى مكانة مختلفة وجديدة تليق بقدراتنا».

يحكي المخرج اللبناني عن هذه النقلة ولكنه في الوقت نفسه يشير إلى ثغرات: «نفتقر إلى النصوص المتطورة، فلدينا مشكلة كتّاب في الدراما اللبنانية. ما زلت أبحث حتى اليوم عن نص يجذبني ويلائم أفكاري. ولذلك عندما أفقد الأمل أحاول من خلال كاميرتي أن أحسّن وضع العمل. فعدم وجود النص المناسب يدفعنا في اتجاه استخدام عناصر أخرى، تملأ هذا الفراغ».

يتابع جوليان معلوف مسلسلات وأعمالاً درامية عُرضت مؤخراً على منصة «شاهد». ويعلق: «لفتني المخرج التونسي مجدي السميري في مسلسل (8 أيام). أبدع في عمله وقدّم منتجاً جديداً من نوعه. فهو أخذنا إلى المستوى العالمي بأسلوب ذكي، كما جاء أداء الممثلين رائعاً، أكمل حلقة الإبداع هذه، مع سينتيا خليفة وبديع أبو شقرا وإلسا زغيب ومكسيم خليل. وأنا شخصياً وفيما لو سنحت لي الفرصة لتصوير مسلسل جديد لكنت استعنت بنفس هذه العناصر. لست من الأشخاص الذين يبحثون عن الاستمرارية بل عن إحداث الفَرق وهو ما يصعّب المهمة. هناك شيء ما ينقصنا في هذه الصناعة ألا وهو النص المتطور. وفي المقابل لدينا قدرات وطاقات هائلة في موضوع الممثلين والمخرجين والمنتجين».

يؤكد جوليان معلوف أن النزعة الدرامية الرائجة اليوم تُترجم إلى أعمال درامية قصيرة: «مسلسلات الـ60 حلقة لم تعد تواكب إيقاع الجمهور الشبابي ولا حتى حياتنا اليوم. ولذلك نرى المنصات تركن إلى هذا النوع من الإنتاج لأنها بذلك تسير على الخط الدرامي العالمي».

بدأ جوليان معلوف مسيرته المهنية وهو في عمر صغير، عندما تسلم إدارة إخراج البرنامج الكوميدي الساخر «CIA» لمارك قديح. فهل يتوق اليوم إلى إخراج عمل كوميدي جديد؟ «لا شك أن المشاهد العربي يحتاج إلى هذه النوع من المسلسلات اليوم. ولكن مع الأسف الكوميديا اللبنانية لم تستطع تحقيق الانتشار العربي. ولذلك أبحث عن قدرات شبابية، وأتمنى تنفيذ عمل كوميدي من النوع الخفيف والنظيف من فئة الـ(سيت كوم). وهذه المدرسة من الصعب إيجادها بكثرة ولكني سأبقى أقوم بمحاولاتي إلى أن أجد ما يقنعني».

ينتقد معلوف الكسل الذي يسكن اللبناني في مجال صناعة الدراما القديمة: «إن طبيعتنا مع الأسف هي على هذا الشكل، وبعض المنتجين يركّبون أعمالهم بالتي هي أحسن وعلى سجيتهم، غير آخذين بعين الاعتبار متطلبات الدراما اليوم وتطورها. فأن نصل إلى الهدف ونحقق مشاهدات عالية علينا أن نجتهد ونكابد؛ فلا شيء يأتي بالسهل. حالياً لدينا الفرصة المواتية كي نقرر قدرنا الدرامي بأيدينا. وتسهم شركات إنتاج رائدة في هذا الموضوع كـ(الصباح إخوان) و(إيغل فيلمز). صحيح أننا لا نزال في أول الطريق، ولكن المستقبل سيكون مضيئاً، وأنا متأكد من ذلك».

يتطلع جوليان معلوف إلى التعاون مع القدرات الشبابية، فماذا يلفته بهم؟ «يلفتني الفكر الذي يتمتعون به، فذهنيتهم تختلف اختلافاً تاماً عن الجيل السابق. إنهم يتمتعون بالانفتاح، لديهم الليونة في تقبلهم الغير وتعاملهم معه. وهذا الانفتاح يسمح لهم بأن يحققوا أهدافهم عن طريق نص وأداء وأسلوب وتعاطٍ مختلف. كما تعجبني وجهات نظرهم السباقة، إذ لديهم سرعة التفكير. هذا الجيل نعتمد عليه كثيراً لمستقبل درامي أفضل لا سيما أن فرصاً كثيرة باتت متاحة لهم كي يطّلعوا على هذه الصناعة. فجيلنا كان يتابع أعمالاً درامية مفروضة عليه من خلال الشاشة الصغيرة. اليوم توسَّع النطاق العام للدراما وما عاد محصوراً بأعمال مكسيكية مدبلجة كما في أيامنا».

يرتكز معلوف في أسلوبه الإخراجي على فريق متعاون. ويقول في هذا السياق: «الفريق الذي أعمل معه يشكّل العنصر الأساسي في أي تركيبة درامية أخوضها، ومن بعده تأتي عملية الكاستينغ للممثلين. وعندما أعمل تدور في ذهني أمور كثيرة أحاول أن أضبطها جميعها في وقت واحد. وهي تشمل الهدف الأساسي من العمل الذي يريد المنتج تحقيقه على المنصات. وبالتالي أحب أن تكون الصورة سريعة وغير مملة وأن تتمتع الكاميرا بحركة مريحة تنعكس إيجاباً على المشاهد. أتدخل بتفاصيل دقيقة وبكل شاردة وواردة كي أكون جاهزاً ومسلحاً بفريقي وأنا في موقع التصوير».

وعن أعماله المستقبلية يقول: «لديّ عروض كثيرة أقوم بدرسها اليوم، ولكني أتمنى أن أنفّذ تركيبة درامية جديدة نابعة من المصداقية وتشبه الناس. أميل عادةً نحو الأعمال المرتكزة على الواقع بعيداً عن النمط الخيالي (Fiction). وأفضّل أن تنبع من عناصر محلية وتضم شرائح لبنانية حقيقية تجمع ما بين الديانات والمجتمعات. فبرأيي عمل كهذا في إمكانه أن يُحدث الفرق، ويلامس الناس عن قرب. وهو ما أبحث عنه وأنوي تحقيقه».


لبنان سينما

اختيارات المحرر

فيديو