ختام «منصة الشارقة للأفلام»: أسئلة المستقبل والجذور والمكان الآخر

ختام «منصة الشارقة للأفلام»: أسئلة المستقبل والجذور والمكان الآخر

وُزّعت الجوائز على صنّاع أفلام بينهم ثلاثة عرب
الخميس - 27 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 02 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15710]

في الطريق من الفندق إلى مطار الشارقة مع بدايات انفلاش الشمس، الأحد الفائت، جمعت الحافلة الفنان اللبناني نديم شوفي مع صاحبة السطور للعودة إلى بيروت. الكتيّب الموزّع على الصحافيين الوافدين إلى الإمارة لتغطية الدورة الرابعة من «منصة الشارقة للأفلام» (19 - 27 نوفمبر «تشرين الثاني») دلَّ على فيلم الشاب الجالس قرب النافذة، بأنه إماراتي. وفي حفل توزيع الجوائز داخل بيت عبيد الشامسي التراثي ليل السبت، كان الإعلان على هذا الشكل: «جائزة أفضل فيلم تجريبي قصير لـ(ما بين الخلود وتلبّد الغيوم)، إخراج نديم شوفي من لبنان»! يفسّر وقوعنا في لغط الهويات بأنّ حصوله على المركز الأول ضمن برنامج «فن جميل» للتكليفات الفنية بدبي، لتنفيذ الفيلم، بَصَمه بجنسية الدولة المُسهِّلة ولادة الأحلام.

زحمة في الطريق إلى المطار، ودردشة. نديم شوفي فنان تشكيلي، يهتم بالنحت والفيديوهات القصيرة ذات الأبعاد الثلاثة. يقدّم شريطاً شيّقاً (18 دقيقة) عن فداحة الوقت وشراهة الزمن. الإنسان طرف في معركة هائلة على مستوى الكوكب. فهو في قبضة تضيّق إحكامها على أنفاسه حتى تكاد تحوّله إلى آلة مبرمجة. أي خرق في سيستم حياته يحيله على مزيد من القلق والهواجس.

تُقلّد رئيسة «مؤسسة الشارقة للفنون» حور بنت سلطان القاسمي، ورئيس «مدينة الشارقة للإعلام» خالد المدفع، صنّاع الأفلام الفائزين، الجوائز. يؤكد نديم شوفي لـ«الشرق الأوسط» أنّه لم يعلم مسبقاً بالنتائج. اسمه أول عربي من ثلاثة يُذاع وسط الحضور وحماسة كاميرات الهواتف. وقد تفاجأ! شغفه في الفن التشكيلي المعاصر، لكنه يؤمن بأنّ الفنون شاسعة، ولا فارق في التعبير إلا باستخدام الأدوات.

رافقته فكرة الفيلم لسنة ونصف سنة، فخمّرها في رأسه. تطلّب تنفيذه نحو ستة أشهر لخلط الواقعية بالخيال العلمي والتجارب والبحث. لا أثر للبنان في الفيلم المُصمم بالغرافيك، ولا إشارة إلى هوية. هو صراع التكنولوجيا مع اللهاث الإنساني واليوميات المزدحمة. تتصدّر أسئلة مستقبل كوكب الأرض الواجهة الأمامية لشريط لا يحمل إجابات عن كل شيء. يضع الإنسان المسلوبة كينونته بفعل الهجمة الاستهلاكية المسيطرة، أمام مرافعة عنوانها الحرية. تصبح الحياة رهينة السيستم، عوض أن يكون السيستم ذاته في خدمة الحياة. حرب كونية غير متكافئة غايتها هزيمة الآدمي.

طالبُ هندسة كيميائية، تقوده المصادفات إلى الفن. يخبرنا أنه لم يهتم خلال معالجة الشريط بمسألتَي الخطأ والصواب: «أردتُ استفزاز المشاعر الإنسانية فيعيد الجمهور مراجعة المفاهيم المتعلقة بالوقت. تدّعي التكنولوجيا أنّها ستحل المشكلات وتصنع السعادة، لكنها سرعان ما تقع في الأفخاخ الكبرى المتعلقة بجدليات ساخنة كالعنصرية مثلاً خلال الإعداد لبصمات الوجه».

المدينة مغلقة في الشريط، فأين حرية الإنسان داخل العالم الجديد؟ يجيب بأنه يطرح إشارات مكثفة عن الهلاك اليومي ونمط العيش المرتكز على الإنتاج، من وجهة نظر رافضة لاستغلال الإنسان بذريعة العجلة الإنتاجية وجنون الوقت. ففي رأيه، ليس جذاباً أن يجد المرء نفسه في خضم دورة حياة أبدية ضمن نظام زمني صارم قائم على الساعة: «لا أتّبع اتجاهات آيديولوجية، بل أضع الجمهور أمام مشاعر طارئة، فيعيد التفكير بما سيكون عليه الكوكب بعد 40 سنة مثلاً، وهل ستظل مشاعر الحب والتفكير ذاتها أم ستتغيّر مع تغيّر النظرة إلى العالم؟».

يستعد لمعرض قريب في «مؤسسة بيروت للفن»، يُكمل فكرة الفيلم بمجسّمات. تضرّرت معدّات الصوت في زلزال بيروت، وأصيب الشاب اللبناني بقسوة الظروف دفعة واحدة، فنهض يتابع طريقه. تشجّعه الجائزة الأولى لفيلمه التجريبي الأول، وتجعله يتروّى للأفضل: «لم أفكر بعد في الفيلم المقبل. سأترك الأمور تنضج عوض دفعها رغماً عنها إلى الاكتمال».

جمالٌ عميق استحق جائزته كأفضل فيلم وثائقي طويل في عرضه الخليجي الأول بالشارقة: «الرقص مع رصاصة» للعراقي ضياء جودة (57 دقيقة). في لبنان، يلتهب نفس الجرح! جرح أن تكون ولا تكون، وأن تُمحى سنوات العمر على غفلة من الوجود الهش. يصفّق الحضور لشريط شارك في المسابقة الرسمية لـ«أيام قرطاج السينمائية»، يختزل الروح العراقية الحرّة خارج حتمية الموت. فمن خلال بطله، وبصوت كاتبه ومخرجه، يوجّه الشريط الفائز رسالة مدوّية رفضاً للمقتلة العراقية وإبادة الإبداع بذريعة تجريم الفن وتحريمه.

تتحوّل الرصاصة إلى فعلٍ معاكس للقتل، حين تصبح رغماً عنه، فرصة ثانية للحياة. فالبطل الراقص الذي يتلقّى رصاصة من متطرّفين لسحق روحه الفنية، يختار مكاناً آخر (السويد) للتحليق بروح طليقة، عصيّة على الخوف.

لنحو عشر سنوات، والمخرج المولود في بغداد، المتلقّي دروس السينما بجامعة الفنون الجميلة فيها، يصوّر صرخته. بدا في سباق مع الموت، فمَن يصل أولاً إلى خط النهاية، الفكرة أم الجسد المقتول؟ الإبداع أم الجنائز؟ كان ذلك وسط المفخخات اليومية والمجازر المتنقلة على أرض تغرق بالدماء. تأتي السينما كخلاص من مآسي القدر النازف. فالجسد الراقص في أرض آمنة، محاولة للملمة الخسائر والتعويض الأخير.

تُلمح لجنة التحكيم إلى أنّ الخيار لم يكن سهلاً لانتقاء الفائزين. ويتحدث خالد المدفع عن «الارتقاء في الصناعة السينمائية وتقديم رؤية فنية للواقع، لتعزيز مكانة الشارقة كقلب حاضن للمواهب». الموهبة العربية الثالثة التي حصدت جائزة «أفضل فيلم وثائقي قصير» جاءت من المغرب. يقدّم عبد الصمد المنتصر في فيلمه «قلب الشوف» (18 دقيقة) مقاربة لعلاقة الإنسان بالجذور المبلّلة بدمع التاريخ. فالصحراء الواقعة في جنوب المغرب، الناجية من حروب وندوب، تثقل سكانها حد عجزهم عن استعادة مرارات الماضي والقسوة الاجتماعية أمام الكاميرا، كأنّ فيهم ما يكبّلهم ويُسكت الآهات القديمة، فيجد المخرج نفسه أمام معالجة مغايرة لإشكالية ترميم الذاكرة وصلة الأمس باليوم.

وأيضاً، حصد «حريق في الجبال» إخراج أجيتبال سينغ، جائزة أفضل فيلم روائي طويل، «وخرافة مانيلا» إخراج جانوس فيكتوريا، جائزة أفضل روائي قصير. وفي القسم التجريبي، نال «حراس الخلود» إخراج أرستوتيليس ماراغكوس، جائزة أفضل فيلم تجريبي طويل. كذلك حصلت الثلاثية: «عضّيت لساني» إخراج نينا خدّة، و«زاهوري» إخراج ماري أليساندريني، و«الساعات» إخراج أجم أرسلاناي ويغيت تانل كاتشار، على تنويه خاص من لجنة تحكيم المهرجان المؤلفة من أكوسوا أدوما أووسو (صانعة أفلام)، وباني خوشنودي (فنانة وصانعة أفلام)، وطلال ديركي (صانع أفلام)، وخليل التنديري (فنان وصانع أفلام)، ولمياء جريج (فنانة وصانعة أفلام)، وريناتا سانتورو (رئيسة قسم برمجة الأفلام، مهرجان «جيورناته ديله أوتوري»)، وهالة لطفي (صانعة أفلام)، ومايك غودريدغ (منتج سينمائي)، وبيتينا شتاينبروغ (مديرة «كونست فيرسن» في هامبورغ).


سينما

اختيارات المحرر

فيديو