«منصة الشارقة للأفلام» أحلام الشباب العنيدة

«منصة الشارقة للأفلام» أحلام الشباب العنيدة

«الشرق الأوسط» تلتقي مخرجين من السعودية والبحرين وباكستان
السبت - 22 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 27 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15705]

الدورة الرابعة من «منصة الشارقة للأفلام» من 19 إلى 27 نوفمبر (تشرين الثاني) في الإمارة المصرّة على معاني الثقافة. أفلام قصيرة وروائية وورش أعمال، في لقاءات تحتضنها المساحة المفتوحة ليلاً تحت أضواء السراج المستلقي على الجدار؛ والصالة نهاراً بين الحضور الشغوف بالصناعة السينمائية. مخرجون شباب من السعودية ولبنان والإمارات والعراق وفلسطين ومصر وتركيا وأصقاع الأرض المتباعدة، يحضرون لإمتاع الجمهور بالمواهب المتقدة، الحالمة بمستقبل عظيم.

في الأسفار، ثقافات ولغات. ناس لا تنتظر أن تلتقيهم على طاولة الغداء: صحافي ألماني من أصول إيرانية، أبيض الرأس، شاب الروح والتحرك. صحافية من تركيا تتابع أفلام بلدها بعد تعاوُن الدورة مع متحف إسطنبول للفن الحديث في برنامج «رحلتها»، فتمر قصص نساء أمام كاميرات مخرجات تركيات. صحافي من مصر، وصحافية من تونس تشع بالحياة، تُجدد صداقة التعارف في المهرجانات مع صاحبة هذه السطور، الآتية إلى الشارقة توقاً لمغادرة نار بيروتية لا تكف عن التهامها.

يرفع المخرج السعودي منصور البدران الأمل على كتفيه ويجول به. اسم فيلمه «شمس 89» (2021) عن تكذيب المستحيل والمحاولة حتى النهاية. الدورة لأصوات جيل يرفض الاستسلام لظرف، أكان مناخاً قاسيا أم فرصاً متفاوتة أم هالة بلوغ المراتب. وفريق «استدامة» السعودي، بطل الفيلم، يحفز على غرس الأظفار في روح الأحلام فلا تقوى على الفرار.

في باكستان، شبان يحاولون معاندة الصورة النمطية الملتصقة بالانطباعات الأولى. مخرج ثلاثيني يدعى عرفان نور كي، يأتي بفيلم قصير عنوانه «أرض أجدادي» (2021) بلغته البلوشية، ليطرح أسئلة عن هدم التاريخ ونهب الحضارة. ينقب في الماضي ويقتحم متاهات الذاكرة.

سريعة هي الصداقات المُكونة في الأسفار. اللهجات متباعدة، الود الإنساني يخرق المسافات. ومخرج بحريني في نهاية العشرينات، يدعى أحمد أكبر، يحمل إلى الشارقة رسالة رقيقة عن الاختلاف البشري وإشكالية السلام الداخلي. اسم فيلمه «سلام» (2021)، عن الصنف الطيب من الناس، الملدوغ بالقدر. ثلاثة مخرجين، تحدثهم «الشرق الأوسط» عن أفلامهم والخطوة التي تصنع الطريق.

يقود محمد أبو شريفة فريق «استدامة» السعودي «نحو القمة»، وهذا هتاف يطلقونه معاً من أستراليا، حيث ينافسون للمرة الأولى في تحدي سباق الطاقة الشمسية السنوي عام 2019، لكل وظيفته في مزاحمة الوقت لصناعة سيارة شمسية تشترط مواصفات عالمية للمشاركة. تلمع دموع الفرح في عيني المسؤولة عن تطوير الخلايا الشمسية في الفريق سرة الغيثي، ويشعر مطور المواد الكيميائية سامي برناوي والآخرون بالفخر مع وصول اسم السعودية إلى خط النهاية، برغم جنون حرارة الشمس وتلاعُب الرياح.

يبحث البدران عن طاقات الشباب الخلاقة، وهي هنا طاقات الشباب السعودي: «يؤكد الفيلم عبقرية السعوديين الشباب على الإنجاز وتحويل فكرة إبداعية إلى منتج حقيقي. من خلال الشباب السعودي، أتحدث عن كل طَموح ومبدع وحالم في المملكة وحول العالم».

يدرك أن المخرج ينمو شيئاً فشيئاً مع كل عرض لجمهور أو مشاركة في مهرجان: «يتيح العرض الحي أمام الناس ما لا تتيحه منصات العرض الإلكترونية من تفاعل، ضحك، بكاء ومشاعر»، يقول البدران. هذا الأمر بالنسبة إليه، ينبه المخرجين المتمرسين في معرفة مواضع التأثير والدراما التي يتفاعل معها الآخرون. يرى المشاركة في المهرجانات لدى المخرجين وصناع الأفلام بمثابة «عرس سينمائي» ليحتفي المخرج بعمله الذي تعب من أجله، بمشاعر ممتلئة بالفخر والحماسة والسعادة. في الشارقة، يتجلى هذا العرس.

«حساس» فيلم البحريني أحمد أكبر، وإن بدت القصة مألوفة عن شاب أصم، يعترض التشوش حياته حين يُجري جراحة لاستعادة السمع، فيتعذر عليه التآلف مع عالمه الغريب. يخبرنا مخرجه عن لحظات شخصية متعلقة بوالد صديقه الأصم وإحساسه بالشفقة حياله برغم مشاعر المودة الصادقة. كان يتجنب لقاءه، ويتساءل: «لِمَ نشعر بأن المختلفين دوننا؟ لماذا نرميهم بالشفقة؟». قاسٍ الصمت في الفيلم، يؤلم الأذن. وحين تخترقه أصوات الناطقين، تتضاعف القسوة!

في موازاة ثنائية السكينة والصخب، تحضر الأسئلة الفجة: ماذا يعني الشعور بالسلام؟ هل نبلغه بتشغيل الحواس أم بتعطيلها؟ المرء السعيد هو القادر على السمع والنظر أم المحروم منهما؟ نلوم المخرج البحريني على «السوداوية» في النهاية حين تنفلش قطرات الدم على الحائط. هل انتحر البطل بعدما استعاد سمعه لتحقيق حلم الإصغاء لكاسيت تركته والدته الراحلة له، فتبين أنه يصدر صوتاً مشوشاً، كالعالم الخارجي بأسره؛ أم قطع أذنه؟ أهذه بداية أم نهاية؟

يترك أحمد أكبر للجمهور أن يقرر: «الله، مدبر الأقدار البشرية، وحده القادر على اختبار الناس وامتحان ردود أفعالهم. منهم مَن يُشعل الضوء في الليل الحالك ومنهم مَن يطفئ النور في عز النهار. تصويب الاختلاف قد لا يجعلنا سعداء، وبعض الصدمات تستدعي سلوكيات صادمة، لكنها ليست النهاية».

وإذا كان السعودي منصور البدران يهلل للأمل والبحريني أحمد أكبر ينادي بالسلام الداخلي، فإن الباكستاني عرفان نور كي يوقظ عذابات الذاكرة. يتجاوز الفيلم طابعه «الشخصي» ليكون جماعياً، على علاقة ببقايا الوجود الإنساني بعد فناء الأجساد. هنا أسئلة الهويات وماذا يبقى من الأثر حين تتعاقب الأجيال على امتداد آلاف السنوات؟ الفيلم عن النزف الجارف منذ بدايات البشرية ومساعي طمس الذاكرة، وعن شراهة المال واستماتة الإنسان لتحصيله بأي ثمن.

«يحسد» سائق علماء آثار فرنسيين سابق يدعى علي بالاش المصريين على صون آثارهم وتمسكهم بالحضارة الهائلة، فيما يُهدم التاريخ في باكستان وتُنهب الآثار. يعترف المخرج في النهاية باستحالة مهمته: «لا يمكننا حتى تعقبهم (الناهبون). الناس يفعلون أي شيء من أجل المال»، فيما الكمان الحزين يعزف موسيقى جنائزية.

يخبرنا عرفان أن أحلامه «عادية» كسائر البشر، لكنه يريد إخبار قصته لجميع الناس. قصته وقصتهم أيضاً، وثقافتهم وتاريخهم. ويريد تمثيل بلده في العالم، فيما كثر يعتقدون أن ولادة المرء في قرية صغيرة ضمن تلك الطبيعة الجغرافية القاسية، تصعب الاعتراف به كشغوف بالسينما: «إنهم مخطئون وسأثبت العكس. لا حلم كبيراً للغاية حتى يستحيل تحقيقه. المهم عدم التراجع».

ألهمه حبه للاكتشاف والبحث روحية الفيلم: «لطالما حلمتُ بأن أصبح عالم آثار ولم أستطع. التاريخ الأثري لبلوشستان غني، لكن أين هو؟ استطاعت الحكومة مصادرة بعض القطع الأثرية قبل تهريبها واستعادة بعض آخر من الخارج. ما حدث لأرض الأجداد قادني نحو رحلتي. أحب تجربة الأفلام القصيرة وأحاول تقديمها بسلاسة. إرضاء النقاد وصناع الأفلام والجمهور معاً مجازفة كبرى لن أتوقف عن خوضها».


الامارات العربية المتحدة أخبار الإمارات

اختيارات المحرر

فيديو