فضيحة في البرلمان البريطاني بعد تلقي نائبين أموالاً لمهاجمة السعودية

كيانات وأفراد تورطوا فيها ومطالبات بكشف الجهة الداعمة... وجونسون يقترح تعديل مدونة السلوك البرلمانية

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون متحدثاً في مجلس العموم (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون متحدثاً في مجلس العموم (أ.ف.ب)
TT

فضيحة في البرلمان البريطاني بعد تلقي نائبين أموالاً لمهاجمة السعودية

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون متحدثاً في مجلس العموم (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون متحدثاً في مجلس العموم (أ.ف.ب)

كشفت سلسلة تقارير صحافية هذا الأسبوع تورط نواب بريطانيين في أنشطة ترويج لمجموعات ضغط ولمصالح مرتبطة بشركات أو دول أخرى، وتقاضي أجور مقابل ذلك، وأبرزها جلسات نقاش للهجوم على السعودية.
وأقر النائبان كريسبين بلانت عن حزب المحافظين وليلى موران عن حزب الديمقراطيين الأحرار، باستخدام مكاتبهما في البرلمان للمشاركة في جلسة نقاش حول السجناء في السعودية، رغم أن قواعد مجلس العموم تنص على عدم استخدام النواب المرافق البرلمانية في عمل غير برلماني.
وكشفت موران عن مشاركتها في الندوة التي نظمتها شركة المحاماة «بيندمانز» (Bindmans LLP) عبر تقنية «زووم» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، وأنها تقاضت 3 آلاف جنيه إسترليني (4 آلاف دولار)، بالإضافة إلى 40 ساعة عمل مع الشركة نفسها، فيما تلقى بلانت 6 آلاف جنيه إسترليني.
وقدمت موران، النائبة عن أكسفورد ويست وأبينغدون، اعتذارها في بيان وقالت إنها «تأسف بشدة» للاجتماع. وزادت موران التي تشغل منصب المتحدثة باسم الشؤون الخارجية لحزب الديمقراطيين الأحرار في بيان: «عملت، إلى جانب نواب من أحزاب أخرى، حول قضية سجناء في السعودية مع شركة بيندمانز». وتابعت: «أشعر بالأسف الشديد لأنني شاركت في اجتماع واحد عن طريق (زووم) من مكتبي في البرلمان، عندما كانت قيود (كورونا) سارية. أتحمل المسؤولية الكاملة، ولن يتكرر ذلك مرة أخرى».
ولم تكشف التحقيقات على الفور الجهة أو الجهات التي تقف خلف تمويل شركة المحاماة «بيندمانز» والمنظمات التي شاركتها في دفع الأموال للنائبين البريطانيين وما إذا كان الأمر ينحصر فقط بالنائبين بلانت وموران أم أنه شمل أعضاء آخرين في البرلمان.
هذا الغموض شكل مدخلاً لمطالبات بفتح تحقيق أوسع والتدقيق في مبادئ الامتثال والنزاهة والشفافية الحاكمة لعمل المنظمات الحقوقية في ظل الانحراف والتجاوزات حيال اعتمادها للاستغلال المالي الممنهج في كثير من تقاريرها وأنشطتها الإعلامية التي تستهدف دولاً بعينها (ومنها السعودية)، وهو ما يطرح أسئلة عن المسؤولية الأخلاقية تجاه هذا التجاوز غير المسبوق الذي من شأنه تعريض منظومة المبادئ والقيم الدولية لمخاطر الاستغلال والتسييس.
في المقابل، قال بلانت في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية إنه لم يعتبر استخدام مكتبه من دون تكلفة على دافعي الضرائب قد «يطرح مشكلة»، مشيراً إلى أنه سيقبل رغم ذلك نتيجة أي تحقيق من قبل مفوض المعايير البرلمانية في حال تم تقديم شكوى في حقه. وفيما يسمح القانون للنواب بالقيام بوظيفة ثانية خارج عملهم البرلماني، إلا أن كثيرين يتساءلون عن الأبعاد الأخلاقية لهذا النوع من الممارسات، خاصة عندما يستخدم نواب مكاتب رسمية لتوجيه رسائل سياسية تتعلق بدول أخرى.
وتنص المدونة التي تحكم سلوك أعضاء مجلس العموم على أن «الأعضاء مسؤولون بشكل شخصي وخاضعون للمساءلة عن ضمان استخدامهم لأي نفقات وبدلات وتسهيلات وخدمات مقدمة من الخزينة العامة وفقاً للقواعد الموضوعة بشأن هذه الأمور. يجب على الأعضاء التأكد من أن استخدامهم للموارد العامة يكون دائماً في دعم واجباتهم البرلمانية. ولا ينبغي أن تمنح أي منفعة شخصية أو مالية لأنفسهم أو لأي شخص آخر».
جونسون يقترح تعديلات
وعقد مجلس العموم، أمس (الأربعاء)، جلسة استماع اقترح خلالها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون تعديل مدونة السلوك البرلمانية لمنع النواب من الحصول على أجور عن عملهم كمستشارين سياسيين أو في مجال الترويج. ونشر رئيس الوزراء اقتراحه على «تويتر»، الثلاثاء، بينما طالب زعيم حزب «العمال» كير ستارمر بوريس جونسون بإجراء «تحقيق مستقل» إذا كان يريد فعلاً «اجتثاث الفساد».
وهزت هذه القضية البرلمان البريطاني، خاصة أنها كشفت خلفيات اللجنة التي سميت بـ«تقصي الحقائق» وترأسها كريسبين بلانت بعضوية كل من ليلى موران وزميلهما النائب في البرلمان البريطاني عمران خان. وعمل على تنظيم تلك اللجنة وتشكيلها شركة المحاماة «بيندمانز». وكان ممثل مكتب المحاماة في الجلسة المحامي طيب علي الذي سبق ومثل حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لـ«الإخوان المسلمين» في مصر وأسرة الرئيس المصري السابق محمد مرسي وعدد كبير من المحكوم عليهم بالإعدام من أتباع التنظيم المدانين في أحداث إرهابية.
وعمل طيب في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013 في مصر بالعمل كمستشار لحزب «الحرية والعدالة»، كما أنه في عام 2015 مثل «الإخوان» أثناء مراجعة رئيس الوزراء البريطاني لنشاطاتهم الدولية، وفي عام 2018 قام بتشكيل لجنة مراجعة الاحتجاز التي سعت لمتابعة والتدخل في قضايا ما يعرف بـ«ناشطات حقوق الإنسان» في السعودية.
وعقب ذلك الاجتماع، تم التعاقد مع مكتب المحاماة «بيندمانز» لتشكيل اللجنة من قبل منظمة غير حكومية (غير معلنة) تمثل مواطنين سعوديين مناوئين لبلادهم ويقيمون في الخارج، وكان الشهود من منظمة «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة «الديمقراطية في العالم العربي الآن» (دون)، ومنظمة «مينا رايتس»، ومنظمة «مبادرة الحرية» ومنظمة ALQST، والسعودية المناوئة لبلادها علياء الهذلول.
ويعمل المناوئ السعودي عبد الله سلمان العودة رئيساً لقسم أبحاث الخليج في منظمة «دون»، فيما تعمل كل من هالة الدوسري ومضاوي الرشيد خبيرتين في المنظمة. ويعتبر المناوئ السعودي يحيى عسيري مؤسساً لما يسمى بـ«منظمة القسط»، وأميمة النجار مديرة الحملات وعبد الله الجريوي مديراً للتواصل وسحر الفيفي متطوعة في المنظمة، كما تعمل هالة الدوسري عضواً في المجلس الاستشاري للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» وعضواً في منظمة «مبادرة الحرية». وجميع هذه المنظمات شاركت في الندوة المشبوهة، وهو ما يوضح، وفق مراقبين، وجود تنسيق مركزي لتحركات هؤلاء المناوئين التي تستهدف السعودية.
وكان النائب كريسبين بلانت قد زار دولة عربية خلال الفترة ما بين 7 و13 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 على نفقة وزارة خارجية تلك الدولة لمناقشة مواضيع عدة، من ضمنها حقوق الإنسان وقضية أفغانستان.
- تحركات ضد الفساد
وبالعودة إلى قضية النائبين، قالت الناشطة البريطانية كيت ستيوارت إنه من المعيب أن تتقاضى نائبة بريطانية أموالاً مقابل انتقاد السعودية. وتساءلت عما إذا كانت جهات أخرى حكومية أو إعلامية تقوم بالممارسة نفسها ضد السعودية، فيما أشارت المحامية إيرينا تسوكرمان إلى أن شركة المحاماة «بيندمانز» تتولى قضايا لـ«الإخوان المسلمين» في بريطانيا، في إشارة إلى دول تستهدف السعودية، والتي تعتقد أنها هي من دفعت تلك الأموال للهجوم على السعودية.
وتجادلت المحامية إيرينا تسوكرمان مع النائب البريطاني جون نيكولسون ووجهت له انتقادات بسبب هجومه على السعودية، وقالت إنه «ربما تسلم أموالاً» من دولة مستهدفة للسعودية، كونه غض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في تلك الدولة فيما تهجم على السعودية، لينفي النائب البريطاني أي صلة له بتلك الدولة أو أنه زارها أو أنه قبل أموالا منها.
وتأتي هذه القضية بعد أقل من شهر من العاصفة السياسية التي أثارها جونسون في الثالث من الشهر الجاري، عندما قرر دعم موقف أحد نواب حزبه المتهم بالقيام بأنشطة ضغط. ونجمت هذه القضية عن تحقيق برلماني خلص إلى أن النائب المحافظ أوين باترسون قد ضغط مراراً وتكراراً على أعضاء الحكومة للدفاع عن شركتين، كان يعمل كمستشار مدفوع الأجر فيهما. واعتبرت اللجنة ذلك انتهاكاً «صارخاً» للقواعد المنظمة لمجموعات الضغط، وأوصت بوقفه عن العمل لمدة ثلاثين يوماً. وتراجع جونسون عن دعم باترسون الذي استقال من منصبه.
وتُمثل الموضوعات المتعلقة بحقوق الإنسان في العادة وجبة دسمة للتناول الإعلامي، غير أن ما يُمكن تسميتها بـ«فضيحة البرلمان البريطاني» قد تغير من هذه المعادلة إلى الحد الذي يجعل من الصحف المهتمة تعمد إلى تطبيق أعلى معايير الدقة في تعاملها مع مثل هذه الموضوعات تجنباً للوقوع في مصيدة الحملات الممنهجة والمنسقة.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.