صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»
TT

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

يقتحم الدكتور صلاح فضل في كتابه «صدى الذاكرة» المناطق التي يفضّل الآخرون السكوت عنها عادةً لا سيما ما يتعلق بالحياة الخاصة للمؤلف وتحديداً ذكرياته العاطفية وعلاقته بالجنس الآخر عبر مراحل مختلفة من تجربته الشخصية، فضلاً عن موقفه من السلطة السياسية. ورغم أن الكتاب ليس سيرة ذاتية فقط بقدر ما هو سيرة «فكرية وثقافية» أيضاً في بعض فصوله فإن الفصول الأكثر تأثيراً واستحواذاً على القارئ هي تلك المتعلقة بالحياة العاطفية للمؤلف الذي يعد «شيخ النقاد العرب»، وله حضور واسع في المشهد الثقافي العربي.

- شجاعة الاعتراف
صدر الكتاب حديثاً عن هيئة الكتاب المصرية، وفي البداية يؤكد د. فضل (83 عاماً) أنه لطالما عدّ كل من تعرض لبسط طرف من سيرته الذاتية وتجاهل عمداً هذا الجانب الجوهري في حيواتنا جميعاً إما منافقاً وإما مخادعاً. ويحث مَن يعرفهم من الأدباء والمفكرين على أن يتسلحوا بما يقدرون عليه من شجاعة أدبية للبوح والاعتراف بما اقترفوه من «أخطاء» في نظر المجتمع وبخاصة إذا كانوا بلغوا درجة من الشهرة والقيمة تشفع لهم عند القراء وتُكسبهم قدراً من الحصانة التي لا يمنحها الناس سوى لمن يحبهم المجتمع.
ولأنه يؤمن بأهمية هذا البوح فقد أخذ يتذكر طرفاً مما فعله شيوخه الأولون في الأدب العربي الحديث؛ فقد اعترف طه حسين على سبيل المثال بعشقه لزوجته وامتنع عن الخوض فيما عدا ذلك «لأن دينه لها كان فادحاً ووقوعه تحت سطوتها كان محتوماً»، لكنّ معاصريه يعرفون قصة إيثاره لتلميذته الأرستقراطية الجميلة د. سهير القلماوي وحدبه عليها وغرامه المكتوم بها حتى إن بعض تلاميذ «عميد الأدب العربي» حكوا له كيف كان يستنشق عطرها وهي على درج السلم في كلية الآداب فينادي عليها بصوته الشجي «سهير»!
هناك أيضاً حكاية توفيق الحكيم، عميد المسرح العربي، مع فتاة شباك تذاكر الأوبرا في باريس ومن قبلها ما كرره في سيرته من ولعه بـ«أسطوات» أهل الفن والمَغنى والطرب، وقد صرح الحكيم للمؤلف بأن قصة «محسن» في روايته الشهيرة «عودة الروح» هي بالفعل مشاعر صباه في الحب وأن مسألة عدائه المزعوم للمرأة ليس سوى بدعة سيئة في صناعة الصورة مثل «البيريه والعصا والحمار والبرج العاجي» وغيره مما يروق له في ترويجه إعلامياً، لكنّ «حسه كقاضٍ سابق» لم يسمح له بالاعتراف المباشر في سيَره العديدة بما يجرح صورته أو يؤخذ عليه.
ويذكر د. فضل أنه طرح سؤالاً نقدياً على نجيب محفوظ يقول: «لقد أتقنت تمثيل حيوات الرجال والنساء، المجرمين والشرفاء، النبيلات وفتيات الليل، وتجسيد كل الغرائز باقتدار، فكيف استطعت فعل ذلك بتجربتك المباشرة والمحدودة؟»، فأجاب محفوظ بعبارة واحدة: «هل أكون روائيا لو لم أفعل ذلك؟».

- الحب والزواج
يورد الدكتور فضل تفاصيل قصة حبه لرفيقة عمره وزوجته، وكانت معلنة وصريحة منذ كانا طالبين في الجامعة يعرفها الزملاء والأساتذة الذين تطوع اثنان منهم لخطبتها له بعد التخرج، وجاهدا معاً بعد ذلك في رحلة علمية شاقة. دامت هذه العلاقة طوال العمر حتى فرّق الموت بينهما منذ عدة سنوات. ويتساءل: «كيف استطاع تجاوز كل التوترات والمآزق الزوجية التي مرّا بها، وهل يحق له اليوم أن يلحد في حبه الممتد العميق المتجدد؟ وهل يغفر له الأهل والأحباب إن وضع تفانيه وإخلاصه فيه موضع الشك مهما كانت الذرائع والأسباب؟»، يجيب عن كل هذا قائلاً: «لعل أقصى ما يمكن أن أبوح به في هذا السياق هو رصد طبيعة التحولات التي انتابت عواطف الحب الزوجية عبر عقود طويلة، فقد تخليت بعد سنوات لا أستطيع تحديدها عن نزق الحب ولهفته وأشواقه المشبوبة، وأن يصبح لوناً من إدمان وجود الآخر معك، ليس بوسعنا تصور الافتراق عنه أو تحمل الحياة من دونه لكنه لم يعد يملأ عليك كل أقطار نفسك ولا يشغل مساحة جميع اهتماماتك».
ويؤكد في هذا السياق أنه كان يسير وفق معيارين مهمين في علاقته بالجنس الآخر أولهما تربيته القروية وجذور تكوينه الديني، كلاهما يحدّ من نزعة التحرر الغالبة على سلوكه، فبقدر انطلاقه العاطفي المشبوب يظل الجسد «تابوهاً» يصعب اختراقه؛ وبقدر ما يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة لا تزال الثقافة الذكورية تغلبه في اللحظات الحاسمة. ومع أن منظوره قد تبدل كثيراً بفعل الصراع المكتوم والسلمي بينه وبين زوجته الراحلة فقد حملته بذكائها وثقافتها وعشقه لها على أن يتخلى عن مفاهيمه القروية في فرض الرجولة والسعي لإخضاعها، فتعلم منها كيف يحترم عقلها وترفّعها وجمالها.
ويروي هنا واقعة طريفة، إذ يبدو أن الطبيعة المتحفظة والمنغلقة لنشأته الريفية الأولى وتعليمه الأزهري جعله يصاب بما يشبه «عقدة نفسية» تجاه الجنس الآخر، حيث كان يخشى من عدم قدرته على التعامل مع الزميلات والفتيات عموماً، حتى جاء إلى القاهرة واستشار طبيباً متخصصاً فأخضعه لبعض الجلسات الكهربائية الباهظة التكاليف ولكن لم تستطع أن تبعث الثقة لديه! تلك الثقة التي عاودته من خلال التفاعل الاجتماعي مع الأخريات في سياق تلقائي في مرحلة الدراسة الجامعية.
وعرف د. فضل في هذه الفترة من صباه نوعاً من اللهو القروي الطريف فكان ينتهز الفرصة في موسم جني القطن في الحقل ليجلس عند البقعة التي يتكوم فيها المحصول وتأتي إليها الفتيات العاملات لإفراغ ما في جيوبهن من لوزه فتكون فرصة للهو البريء.
كما يروي واقعة أخرى تتعلق بابنة عمته الحسناء «كوكب»، مصدقاً ما شاع في الأسرة من دعابة اقترانهما عندما يكبران، فتوهم أنها ستكون شريكة المستقبل بحكم هذا التوافق الضمني، ويبدو أنها بادلته الشعور ذاته وهما يختبئان من عيون الرقباء ليلهوان بعواطفهما الشابة لهواً بريئاً. لكن سرعان ما أدركت ابنة العمة متغيرات النضج الأنثوي، وأدرك الأهل أنها لا يمكنها أن تنتظر حتى ينتهي من رحلته التعليمية الطويلة الأمد، فقبل والدها شيخ البلد خطبتها لمن يليق بها من الشباب، وكانت صدمتها عنيفة إذ فقدت النطق فجأة، وتعذب كثيراً بنظراتها المتوسلة إليه دون أن يملك لها نفعاً، فهرب من الموقف بطريقة صبيانية وقُدر لها الشفاء من صدمتها بعد معاناة!
يروي أيضاً أنه قبل انتقاله للعاصمة حدث أمر كان له بالغ التأثير على صحته النفسية، حيث انتشرت في وجهه حبوب الشباب بشكل أكثر من المعتاد فاستعانت والدته بطبيب «شعبي» ليعالجه فارتكب أكبر خطأ كان يجب تفاديه حيث قام بتصفية الحبوب وتطهير مكانها مما ترك ندوباً واضحة على وجهه، جاهد لعلاجها دون جدوى فانتقص هذا من وسامته الموروثة عن أبيه. يعلّق على ذلك بنبرة شجن وتحدٍّ: «شعرت أنني فقدت الجمال الذي أنشده في كل شيء وتشكلت لديّ ما تشبه العقدة فحزنت كثيراً في داخلي وعاهدت نفسي أن أعوّض ذلك بالإصرار على التفوق الدراسي من ناحية والاستغراق في القراءة الملحّة من ناحية أخرى، كنت أقرأ كتاباً كاملاً كل يوم في مختلف فروع المعرفة والأدب وأصابتني حمى الشغف بالتميز والسبق وأصبح سحر الكلام الذي أرتشفه وأتمرس بتوظيفه هو الكأس التي تشبع نهمي للجمال بديلاً عن الوسامة!»

- السلطة والمثقف
ومن سلطة المرأة إلى سلطة الدولة والسياسة يتساءل د. صلاح فضل كأنه يحاور نفسه: هل كنت بريئاً من شهوة السلطة بوجهها السياسي حيث لا تحتكر المناصب فحسب بل تحتكر الإعلام وأدوات التواصل وتهمِّش بعنف مَن لا يسير في ركابها؛ وهل كان بوسعي أن أقوم بوظيفتي الفكرية لو ناصبتها العداء السافر؟ وما المسافة الضرورية التي حرصت على اتخاذها كي أحتفظ باستقلالي وأبوح برؤيتي وأتمادى في ممارسة الموقف النقدي في كل تجلياته العديدة؟
يجيب شيخ النقاد العرب عن السؤال بشكل عملي، فيروي كيف جاءت ملابسات تعيينه مستشاراً ثقافياً للسفارة المصرية في العاصمة الإسبانية مدريد بالمصادفة وحدها دون تدخل منه؛ بل كيف قام بترشيح أحد أساتذته للمنصب فتم رفض الترشيح لأن زوجة الأستاذ إسبانية، أي أجنبية، مما يجعله غير مستوفٍ للشروط. ويروي واقعة حضور وفد مصري رفيع المستوى للمشاركة في مؤتمر اقتصادي دولي بمدريد عام 1982 فإذا به يقاطع حفل عشاء للوفد أقامه السفير المصري قائلاً: «لماذا لا نقطع شوطاً حضارياً على طريق التقدم مثلما فعلت إسبانيا التي سبقتنا بآماد طويلة حيث أتابع نهضتها منذ الستينات ولا أدرى لماذا لا نخطط لتجاوز مرحلة التخلف في مصر؟». هنا أصاب الوجوم الحاضرين كأن على رؤوسهم الطير وتساءل أحدهم: «لم نكن نعرف أنك تنتمي للمعارضة؟»، وبالطبع لم يكمل الرجل في منصبه طويلاً بينما تولى أعضاء الوفد المصري مناصب مرموقة وتولى أحدهم رئاسة الحكومة فيما بعد.
يعقب د. فضل على الأمر لافتاً إلى أن هناك شيئين ظل حريصاً عليهما فما يتعلق بغزل السلطة الذي يفتن معظم المثقفين، الأول أنه لم يُضبط في مكان عام بقول أو فعل وهو ينافق السلطة أو يمدح الرؤساء، بل كثيراً ما أوسعهم نقداً من دون تجريم، مطالباً بالحكمة والرشد وتحقيق الحرية والعدل لأن هذه القيم هي التي تصنع حضارة الأمم، أما إعلان العداء المتشنج فلم يقترفه لأنه يطعن في المصداقية ويؤدي إلى الاضطهاد. وقد مر بمراحل كثيرة في عهود سابقة كان فيها نجماً ثقافياً في التلفزيون والصحافة ومراحل أخرى تصاعدت فيه نبرة النقد عنده فلم يُدرج في قوائم الممنوعين صراحةً وإن تفادى الإعلاميون ظهوره معهم لأن مواقفه الداعية للحريات والديمقراطية لم تعد تريح الأجهزة الحاكمة للإعلام. أما الأمر الآخر فهو بثه رسائله السياسية بقوة وعنفوان في كتاباته النقدية، فمنذ خروجه من قوقعة الجامعة إلى الحياة العامة والكتابة بالصحف ومقالاته لا يمكن أن تخلو من تعميق الإحساس بأهمية الحرية والديمقراطية وتداول السلطة والحكم الرشيد، مهما كان موضوعها في الشعر أو الرواية أو الفكر الثقافي، هذه الاستراتيجية حكمت بعض اختياراته لعناوين كتبه مثل «جمالية الحرية في الشعر» و«التمثيل الجمالي للحياة» و«الإبداع شراكة حضارية»!



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.