بايدن وشي يتفقان على تهدئة التوترات

القمة لم تسهم في التوصل إلى تسوية بشأن تايوان... والرئيس الصيني يحذر الأميركيين من «اللعب بالنار»

الرئيس بايدن خلال القمة الافتراضية مع الرئيس شي ليلة الاثنين - الثلاثاء (أ.ف.ب)
الرئيس بايدن خلال القمة الافتراضية مع الرئيس شي ليلة الاثنين - الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

بايدن وشي يتفقان على تهدئة التوترات

الرئيس بايدن خلال القمة الافتراضية مع الرئيس شي ليلة الاثنين - الثلاثاء (أ.ف.ب)
الرئيس بايدن خلال القمة الافتراضية مع الرئيس شي ليلة الاثنين - الثلاثاء (أ.ف.ب)

خرجت القمة الأميركية - الصينية الافتراضية، مساء الاثنين، بنتائج ركزت على تهدئة التوترات وتجنب حرب باردة بين البلدين، والتأكيد على أهمية العلاقات بين واشنطن وبكين، والتوافق إلى حد ما في إدارة ملف المخاطر الاستراتيجية، دون أن تصدر عن القمة اتفاقات محددة؛ وإنما اتفاق على تحسين التعاون. وظلت نقاط الخلاف قائمة، خصوصاً ما يتعلق بتايوان، وسجل الصين في حقوق الإنسان، وما يتعلق بالعلاقات التجارية، والتحشيد العسكري الصيني في بحر الصين الجنوبي، وملفات الرسوم الجمركية، وحماية حقوق الملكية الفكرية.
وأشار محللون إلى أن المحادثات عكست قلق إدارة بايدن العميق من أن فرص إبقاء الصراع محدوداً قد تتضاءل، ولذا عملت إداراته على إمكانية تجنب الانزلاق إلى صراع (ولو لم يكن غير مقصود) حتى مع دخول الولايات المتحدة في منافسة قوية مع الصين. ويعد هدف عدم المواجهة وتجنب الانزلاق إلى صراع، هو الحد الأدنى الذي كانت الإدارة الأميركية ترغب في الوصول إليه. وأشار مسؤولو البيت الأبيض إلى أنه رغم أن القمة لم تخرج باختراقات في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين؛ فإنها اتخذت خطوة مهمة نحو إدارة العلاقة بشكل أقل عداء ومنعها من الانزلاق إلى صراع. وكان مسؤولو البيت الأبيض قد استبقوا عقد القمة بتصريحات متكررة لخفض سقف التوقعات لنتائج القمة، وقالوا للصحافيين إن الاجتماع يهدف إلى فتح قنوات اتصال بين الزعيمين بدلاً من تقديم أي نتائج أو نتائج محددة.
وقال مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، إنه سيجري تكثيف تواصل الولايات المتحدة مع الصين على مستويات متعددة لضمان عدم تحول المنافسة بين القوتين إلى صراع. وقال سوليفان في ندوة عبر الإنترنت أمس الثلاثاء: «سترون تكثيفاً للتواصل على مستويات متعددة لضمان وجود حواجز حماية حول هذه المنافسة حتى لا تنحرف وتتحول إلى صراع».

وخلال الكلمات الودية في بداية القمة، تبادل بايدن وشي - من خلال مترجمين فوريين - كلمات تصالحية أثناء جلوسهما في مؤتمر الفيديو الذي استمر 3 ساعات ونصف الساعة. وقال بايدن في كلمته الافتتاحية، وهو جالس إلى طاولة في «غرفة روزفلت»: «يبدو لي أن مسؤوليتنا بصفتنا قادة للصين والولايات المتحدة هي ضمان ألا تنحرف المنافسة بين بلدينا إلى صراع؛ سواء أكان ذلك مقصوداً أم غير مقصود». ووصف الرئيس الصيني شي الرئيس بايدن بأنه «صديق قديم»، وقال إن بلديهما بحاجة إلى «زيادة التواصل والتعاون». وأضاف شي من غرفة في «قاعة الشعب الكبرى» في بكين: «يتعين على الصين والولايات المتحدة احترام كل منهما الأخرى، والتعايش في سلام، والسعي إلى التعاون المربح للجانبين».
ووفقاً لقراءة البيت الأبيض بشأن القمة، أكد بايدن «أهمية إدارة المخاطر الاستراتيجية» مع الصين، و«أشار إلى الحاجة إلى حواجز حماية منطقية لضمان عدم انحراف المنافسة إلى الصراع، والحفاظ على خطوط التواصل مفتوحة». وقال بيان البيت الأبيض إن بايدن «أبدى مخاوف بشأن ممارسات جمهورية الصين الشعبية في شينجيانغ والتيبت وهونغ كونغ، كما كان واضحاً بشأن الحاجة إلى حماية العمال والصناعات الأميركية من الممارسات التجارية والاقتصادية غير العادلة لجمهورية الصين. كما ناقش أهمية منطقة المحيطين الهندي والهادي الحرة والمفتوحة، وشدد على أهمية حرية الملاحة والتحليق الآمن من أجل ازدهار المنطقة». وأشار البيان إلى أن «الرئيسين تحدثا عن التحديات الإقليمية؛ بما في ذلك كوريا الشمالية وأفغانستان وإيران».
وحول ما يتعلق بتايوان، التي يبدو أنها طغت على جزء كبير من المحادثات، أشار البيان الصادر عن البيت الأبيض إلى أن بايدن أكد أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بسياسة «صين واحدة»، وأن الولايات المتحدة تعارض بشدة الجهود أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن أو تقويض السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان.ووفقاً لوسائل الإعلام الصينية، فإن الرئيس شي رد محذراً بايدن بأن الولايات المتحدة «ستلعب بالنار» إذا شجعت تايوان على السعي للحصول على الاستقلال. ونقلت «وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)» عن شي قوله: «هذا الاتجاه خطير للغاية، ويشبه اللعب بالنار، وسيحرق من يلعب بالنار».
ولمحت التصريحات إلى مناقضة «بعض القضايا الاستراتيجية»، وهي عبارة يمكن تفسيرها على أنها تشمل الاستراتيجيات النووية لكلا البلدين.
ويبدو أن الأرضية المشتركة التي جمعت بين مواقف البلدين تركزت بشكل أساسي حول الدور المهم للولايات المتحدة والصين في مجال أزمة المناخ، وأهمية اتخاذ تدابير لمعالجة إمدادات الطاقة. ولم تكن التجارة «جزءاً مهيمناً في المحادثة» بشكل كبير، لكن الرئيس بايدن أكد لنظيره الصيني أن الصين يجب أن تلتزم باتفاقية «المرحلة الأولى» التي توصلت إليها في ظل الإدارة السابقة في واشنطن، خصوصاً أن الصين لم تفِ بالتزامها بموجب تلك الصفقة لشراء ما يعادل 200 مليار دولار إضافية من السلع والخدمات الأميركية.
وقال مسؤولون صينيون إن شي أبلغ بايدن أنه من المهم عدم تسييس القضية. ونقل الإعلام الصيني عن شي تحذيره من الإفراط في استخدام الولايات المتحدة مفهوم الأمن القومي وقمع الشركات الصينية، في إشارة إلى القيود التي تفرضها الحكومة الأميركية على شركات التكنولوجيا الصينية مثل شركة «هواوي».
ولم تكن هناك أي تلميحات إلى إمكانية قيام واشنطن بتخفيف الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب ضد الصين.
وفي أعقاب القمة، وصف مسؤول كبير بالإدارة الاجتماع بأنه «محترم» و«مباشر» و«مفتوح». وقال: «كان الاجتماع في حد ذاته يدور حول مناقشة الزعيمين سبل إدارة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بشكل مسؤول، وطرق إقامة حواجز لهذه المنافسة». وتابع أنه رغم عدم حدوث اختراقات كبيرة، فإن المحادثات كانت «جوهرية»، وأن بايدن أوضح مخاوف أميركا بشأن «ممارسات الصين في شينجيانغ والتيبت وهونغ كونغ، وكذلك حقوق الإنسان على نطاق أوسع». لكنه أشار إلى أنه من الواضح أن الزعيمين لديهما وجهات نظر مختلفة حول العالم.
ولم يذكر المسؤول في إدارة بايدن ما إذا كانت تجربة الصين الأخيرة للصاروخ الأسرع من الصوت قد جرت مناقشتها خلال المحادثات. وقال إنه لم يجر التطرق إلى دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين - التي لم تحدد إدارة بايدن بعد ما إذا كانت سترسل إليها أي مسؤولين كبار - ولم يجر التطرق إلى قضايا التأشيرات الأوسع نطاقاً خلال المحادثة. ومع ذلك، قال مسؤولون صينيون إن شي وافق على تحديث «المسار السريع» لتسهيل السفر إلى الصين لمسؤولي الأعمال الأميركيين.
وقالت صحيفة «غلوبال تايمز»، وهي صحيفة شعبية صينية مدعومة من الدولة، إن الاجتماع «ضخ اليقين» في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. وأشارت إلى أن الرئيس الصيني وضع 3 مبادئ و4 مجالات ذات أولوية للعلاقات الصينية - الأميركية، «فمن حيث المبادئ؛ يحتاج البلدان إلى احترام الأنظمة الاجتماعية ومسارات التنمية لكل منهما، واحترام المصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية لكليهما، واحترام حق كل منهما في التنمية». وشددت الصحيفة على «أهمية معاملة واشنطن وبكين كل منهما الأخرى على قدم المساواة، وإبقاء الاختلافات تحت السيطرة والبحث عن أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالاختلافات. المبدآن الآخران يشملان التعايش السلمي، والتعاون المربح للجانبين».



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.