بوتين: لا علاقة لموسكو بأزمة الهجرة عند حدود بيلاروسيا وبولندا

بغداد توقف رحلات الطيران مع مينسك

بوتين قال إنه تحدث مع نظيره البيلاروسي لوكاشينكو مرتين لكن الأخير لم يخبره بنيته قطع إمدادات الغاز (رويترز)
بوتين قال إنه تحدث مع نظيره البيلاروسي لوكاشينكو مرتين لكن الأخير لم يخبره بنيته قطع إمدادات الغاز (رويترز)
TT

بوتين: لا علاقة لموسكو بأزمة الهجرة عند حدود بيلاروسيا وبولندا

بوتين قال إنه تحدث مع نظيره البيلاروسي لوكاشينكو مرتين لكن الأخير لم يخبره بنيته قطع إمدادات الغاز (رويترز)
بوتين قال إنه تحدث مع نظيره البيلاروسي لوكاشينكو مرتين لكن الأخير لم يخبره بنيته قطع إمدادات الغاز (رويترز)

رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن إمكانية إقدام بيلاروسيا على وقف تدفق الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا عبر أراضي بلاده، سيلحق ضرراً بأمن الطاقة في القارة الأوروبية، كما أنه «لن يساعد في تعزيز العلاقات بين روسيا وبيلاروسيا». وشكل هذا أول تعليق من بوتين على تصريحات الرئيس البيلاروسي الذي هدد بوقف إمدادات الغاز الروسي عبر أراضي بلاده إلى أوروبا، وقال بوتين في مقابلة تلفزيونية: «بصراحة، هذه المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الموقف (...) تحدثت مرتين مع ألكسندر غيورغيفيتش (لوكاشينكو)، مؤخراً، ولم يخبرني بذلك مطلقاً، ولم يلمح حتى». وأضاف الرئيس الروسي أنه سيتحدث مع نظيره البيلاروسي حول هذه المسألة.
وأكد بوتين خلال مقابلة تم بثها أمس السبت أنه لا علاقة لموسكو بأزمة الهجرة عند الحدود بين بيلاروسيا وبولندا. وقال في مقابلة مع شبكة «فيستي» الرسمية: «أريد أن يعرف الجميع أنه لا علاقة لنا بها»، في تصريحات تأتي بعدما اتّهمت بولندا وجهات غربية أخرى موسكو بالعمل مع مينسك على ترتيب إرسال آلاف المهاجرين إلى المنطقة الحدودية. وأشار بوتين إلى أن على القادة الأوروبيين عقد محادثات مع رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو إذا كانت لديهم الرغبة في حل الأزمة، التي علق على إثرها مئات المهاجرين، ومعظمهم من الشرق الأوسط، على الحدود. وقال بوتين: «كما فهمت، ألكسندر لوكاشينكو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على استعداد للتحاور معاً». وأضاف: «آمل بأن يتم ذلك في المستقبل القريب، هذا هو الأمر الأهم». وحمّل بوتين الغرب مجدداً مسؤولية الأزمة، لافتاً إلى أن سياساته في الشرق الأوسط تعد السبب الذي يدفع المهاجرين للتوجه إلى أوروبا في المقام الأول.
وقال بوتين: «علينا ألا ننسى مصدر هذه الأزمات المرتبطة بالمهاجرين. هل بيلاروسيا سبب هذه المشاكل؟... كلا، خلقت الدول الغربية بما فيها تلك الأوروبية هذه الأسباب. إنها سياسية وعسكرية واقتصادية في طبيعتها». ورغم أن بوتين سعى عبر هذه الكلمات إلى تأكيد أن موضوع التهديد بوقف إمدادات الغاز لم يتم تنسيقه مع روسيا، لكنه في المقابل تعمد عدم التخفيف من أهمية التهديد البيلاروسي، مشيراً إلى أن «هذه الممارسة نظرياً ممكنة، وقد قامت أوكرانيا بوقف تدفق الغاز الروسي عبر أراضيها إلى الاتحاد الأوروبي في وقت سابق». وكان لوكاشينكو، هدد الاتحاد الأوروبي بوقف تدفق الغاز الروسي في حال تم فرض عقوبات جديدة على بلاده.
في الوقت ذاته، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجري محادثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين حول الوضع على الحدود البيلاروسية مع أوروبا، وقال إن البحث سوف يتطرق إلى مسائل عدة، لكنه سيركز على هذا الموضوع.
ونددت الخارجية الروسية أمس، باتهامات أطراف أوروبية ضدها، وقالت إن «المزاعم بأن روسيا طرف في الأزمة سخيفة وعبثية»، ودعت الأوروبيين إلى عدم التعنت في رفض إقامة قنوات حوار مع مينسك. تزامن ذلك مع تفاقم الوضع الإنساني لآلاف اللاجئين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، مما دفع العراق إلى التحرك، ووقف رحلات الطيران مع بيلاروسيا بهدف حماية مواطنيه من «شبكات تهريب المهاجرين».
وأعلن نائب مدير إدارة التعاون الإنساني وحقوق الإنسان في وزارة الخارجية الروسية، غريغوري لوكيانتسيف، أن «ممثلي البلدان المجاورة لبيلاروسيا ما زالوا يرفضون بشكل قاطع إقامة أي تفاعل بناء مع وكالات إنفاذ القانون في هذا البلد». مشيراً إلى أن التعنت الأوروبي يفاقم من خطورة المشكلة. وقال إن عدم الاستماع لدعوات الحوار التي أطلقتها موسكو يعرقل حل المشكلة القائمة عبر التعاون البناء بين الوزارات المعنية.
وندد لوكيانتسيف باتهامات أطراف أوروبية رأت أن موسكو شجعت الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو على افتعال أزمة اللاجئين بهدف «ابتزاز أوروبا». وقال إن «روسيا تعتبر الاتهامات الموجهة لها بخصوص أزمة المهاجرين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، سخيفة وعبثية». وأوضح الدبلوماسي الروسي أن «جميع الاتهامات في هذا الصدد موجهة إلى دولة واحدة، وهي بيلاروسيا، رغم أن هناك مزاعم بأننا ضالعون في هذا الأمر، (...) وهذا أمر سخيف».
وكانت أطراف أوروبية وسعت تحركها ضد سياسات الرئيس البيلاروسي، وحمل ممثل بولندا لدى الأمم المتحدة، في بيان باسم الدول الأوروبية، لوكاشينكو، المسؤولية عن أزمة المهاجرين على الحدود بين البلدين. ووصف الأزمة بأنها ناجمة عن تصرفات «نظام لوكاشينكو الإجرامي».
في الأثناء، تفاقم الوضع الإنساني في المناطق الحدودية، حيث يقيم آلاف اللاجئين، وغالبيتهم من العراق وبلدان أخرى في الشرق الأوسط، في معسكرات بدائية أقيمت على عجل، ويواجهون صعوبات كبرى بسبب تدني درجات الحرارة ونقص الأغذية والأدوية. وكانت بيلاروسيا نقلت المهاجرين الذين وصلوا خلال الشهور الماضية على متن رحلات جوية مباشرة، إلى المنطقة الحدودية في حافلات أعدت لهذا الغرض. وفي مسعى لتخفيف تداعيات الوضع الحالي زودت معسكرين للاجئين بمولدات كهربائية أول من أمس.
ويحاول عدد من اللاجئين بين الحين والآخر، التوغل عبر الشريط الحدودي، وأفادت وكالة «بيلتا» البيلاروسية الرسمية السبت، بأن نحو 60 مهاجراً لا يزالون يوجدون في المنطقة البولندية من الشريط الحدودي، بعد أن اجتازوا حدود بيلاروسيا أول من أمس، وقضوا الليل أمام السياج الحدودي المقام في الأراضي البولندية.
ووفقاً للوكالة، هتف المهاجرون الذين جاءوا غالباً من العراق: «ألمانيا ألمانيا»، وقال أحدهم إن حرس الحدود البولندي حاول طردهم من المنطقة. وأفاد متحدث باسم حرس الحدود البيلاروسي أن نحو ألفي مهاجر لا يزالون عالقين في مخيم عشوائي أقيم قرب المنطقة الحدودية و«لا يزال الوضع في المخيم معقداً». ونشرت وسائل إعلام لقطات تظهر حالة من الفوضى تسود عملية توزيع المساعدات الغذائية المقدمة من قبل الحكومة البيلاروسية على المهاجرين في المخيم، حيث اضطر الجنود إلى إطلاق النار في الهواء لتفادي التدافع. في غضون ذلك، اتهم حرس الحدود البولندي، في بيان أصدرته أمس السلطات البيلاروسية بتشجيع المهاجرين على اجتياز الحدود والتسلل إلى الأراضي البولندية. وذكر البيان أن حرس الحدود البيلاروسي شرع الليلة الماضية في إزالة السياج المؤقت عند الجانب البيلاروسي من الحدود في منطقة تشيريمخا، واستخدم الليزر والستروبوسكوب لإعماء العسكريين البولنديين في الجانب المقابل من الحدود.
ولفت البيان إلى أن نحو 100 مهاجر كانوا ينتظرون في المكان نفسه منحهم فرصة لاجتياز الحدود، متهماً السلطات البيلاروسية بإمداد هؤلاء بالغاز المسيل للدموع الذي استخدموه لاحقاً ضد حرس الحدود البولنديين. وذكر البيان أن حرس الحدود البولندي «أحبط هذه المحاولة وما أعقبها من المحاولات لخرق حدود البلاد».
ورجحت وزارة الداخلية البولندية أمس، إغلاق كافة المعابر الحدودية مع بيلاروسيا وتعليق حركة القطارات بين البلدين.
كما أعلنت الشرطة البولندية أمس، أنها عثرت على جثة شاب سوري يبلغ من العمر 20 عاماً في غابة قرب الحدود، من دون الكشف عن ملابسات وفاته.
وفي أول تحرك من جانب العراق، الذي يعد الجزء الأكبر من اللاجئين في المنطقة من مواطنيه، أعلنت وزارة الخارجية العراقية، وقف رحلات الطيران المباشرة بين العراق وبيلاروسيا وسحب رخصة عمل القنصل البيلاروسي الفخري في بغداد مؤقتاً.
وقال المتحدث باسم الوزارة، أحمد الصحاف، لوكالة «نوفوستي» الروسية، إن «العراق أوقف رحلات الطيران المباشرة مع بيلاروسيا». وأضاف أن «وزارة الخارجية العراقية سحبت مؤقتاً رخصة عمل القنصل البيلاروسي الفخري في بغداد»، مبيناً أن «هذه الخطوة تأتي لحماية المواطنين العراقيين من شبكات تهريب البشر». وذكر أن سفارتي العراق في موسكو ووارسو تنسقان الجهود الرامية إلى عودة طوعية للعالقين على حدود روسيا وبيلاروسيا.


مقالات ذات صلة

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

شمال افريقيا عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة.

خالد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية نساء إيرانيات يمشين أمام لوحة تحمل صور المرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين خلال مسيرة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

الأمم المتحدة تساعد مهاجرين على مغادرة إيران بسبب الحرب

قالت المنظمة الدولية للهجرة، الجمعة، إنها تساعد بعض المهاجرين الذين هم في أوضاع صعبة على مغادرة إيران في ظلّ الحرب بعد تلقيها طلبات مساعدة من مئات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا أطفال يلعبون أمام خيام للنازحين السودانيين على أطراف مدينة الكفرة الليبية (الصفحة الرسمية لبلدية المدينة)

ليبيا: سلطات بنغازي تبحث ترحيل السودانيين «المخالفين»

قال جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في بنغازي إنه بدأ اجتماعات موسعة لـ«بحث تسريع وتيرة ترحيل السودانيين المخالفين، وتعزيز التعاون مع قنصليتهم في بنغازي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الهلال الأحمر الليبي فرع درنة ينتشل جثة من البحر (الهلال الأحمر)

«بحرية الجيش الوطني» الليبي تنقذ 70 مهاجراً قبالة ساحل طبرق

انتشل حرس السواحل بشرق ليبيا 70 مهاجراً غير نظامي من البحر المتوسط، وأنزلهم داخل نقطة بالقاعدة البحرية بطبرق، في واحدة من عمليات تهريب المهجرين إلى أوروبا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.