الطاقة النووية تمنع انبعاث 2 غيغاطن كربون سنوياً وتعادل تحييد 400 مليون سيارة

الرئيس التنفيذي لـ{روساتوم» في المنطقة تحدث لـ «الشرق الأوسط» عن أهميتها للبيئة والمناخ

الطاقة النووية تمنع انبعاث 2 غيغاطن كربون سنوياً وتعادل تحييد 400 مليون سيارة
TT

الطاقة النووية تمنع انبعاث 2 غيغاطن كربون سنوياً وتعادل تحييد 400 مليون سيارة

الطاقة النووية تمنع انبعاث 2 غيغاطن كربون سنوياً وتعادل تحييد 400 مليون سيارة

تشهد الأسعار في قطاع الطاقة ارتفاعات قياسية منذ بداية العام الحالي، نتيجة زيادة الطلب مع نقص في المعروض، فقد سجل الغاز ارتفاعاً بأكثر من 800 في المائة والنفط بأكثر من 85 في المائة والفحم بأكثر من 300 في المائة، ما رفع أسعار الكهرباء والبنزين حول العالم. في الوقت الذي تراجع فيه توليد الطاقة من الرياح بنسبة 32 في المائة خلال الأشهر الستة الأخيرة في أوروبا.
ترتبت على ذلك تداعيات عدة، كان أبرزها أزمة طاقة عالمية أدت إلى إفلاس شركات طاقة أوروبية وبريطانية، وتراجع الطاقة الإنتاجية لبعض السلع جراء تعطل خطوط الإنتاج ببعض المصانع، نتيجة انقطاع الكهرباء المستمر. وسط مخاوف من موسم شتاء قد يقسو بشدة على دول أوروبية وآسيوية، في ظل نقص مصادر التدفئة والتسخين.
في هذه الأثناء، برزت الطاقة النووية في خضم هذه الأزمة، كحلّ يراه البعض مستداماً والبعض الآخر يدعو إليه لتنويع مصادر الطاقة، مع دعوات بزيادة نسبة مساهمة الطاقة النووية في مزيج الطاقة العالمي.
ومع حقيقة أن الطاقة النووية تمثل حالياً ثاني أكبر مصدر للطاقة منخفض الكربون في العالم؛ حيث تبلغ مساهمة محطات الطاقة النووية 10 في المائة من إجمالي إنتاج الكهرباء على مستوى العالم، «تتقدمها محطات الطاقة الكهرومائية بنسبة مساهمة 16 في المائة»، فإن مكافحة التغير المناخي قد تتطلب العمل على تطوير قطاع الطاقة النووية باعتبارها مصدراً للطاقة الكهربائية منخفضة الكربون ومصدراً للطاقة الحرارية، للمساهمة في تخفيف آثار ظاهرة التغير المناخي.
«الشرق الأوسط» حاورت الرئيس التنفيذي لشركة روساتوم الروسية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ألكسندر فورونكوف، وهي من أكبر منتجي الطاقة النووية حول العالم، للتعرف على تفاصيل تطور الاعتماد على الطاقة النووية عالمياً، خاصة مع توسع الدول العربية في هذا المجال... فإلى نص الحوار...

> حدثنا عن أهمية الطاقة النووية في مزيج الطاقة العالمي
نحن على يقين بأن الطاقة النووية جزء لا يتجزأ من منظومة الطاقة العالمية. إذ تقول تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA) المعروفة بحيادها، بشكل صريح، إن تحقيق أهداف إزالة الكربون التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ لن يكون أمراً ممكناً من دون الطاقة النووية.
ويشير خبراء وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطاقة النووية تمثل حالياً ثاني أكبر مصدر للطاقة منخفض الكربون في العالم؛ حيث تبلغ مساهمة محطات الطاقة النووية 10 في المائة من إجمالي إنتاج الكهرباء على مستوى العالم، «تتقدمها محطات الطاقة الكهرومائية فقط بنسبة المساهمة 16 في المائة». في الوقت نفسه، كانت الطاقة النووية ولا تزال أكبر مصدر للكهرباء منخفض الكربون على مدار أكثر من 30 عاماً في البلدان ذات اقتصادات متقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا واليابان ودول الاتحاد الأوروبي.
لا تقتصر متطلبات المستهلكين المعاصرين على الكهرباء فحسب بل إنهم يسعون اليوم إلى الحصول على كهرباء نظيفة صديقة للبيئة قادرة على الصمود أمام تقلبات الأسعار التي نراها في السوق بشكل متكرر. والطاقة النووية تلبي هذه المتطلبات تماماً، بالنظر إلى أن محطات الطاقة النووية تنتج الكهرباء في أي ظروف جوية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهي مصدر طاقة منخفض الكربون وصديق للبيئة، ولا تشغل مفاعلاتها مساحات كبيرة مقارنة بمصادر الطاقة النظيفة الأخرى التي تنتج الكمية نفسها من الطاقة الكهربائية. ويتيح الإنفاق المنخفض على الوقود في تكلفة التوليد النووي، الذي يبلغ من 10 إلى 15 في المائة فقط للمستهلك، التنبؤ بأسعار الطاقة المنتجة باستخدام الطاقة النووية طوال فترة تشغيل المحطة النووية التي تصل إلى نحو 100 عام. وهذا أمر مهم للغاية سواء بالنسبة للقطاع الصناعي أو للمستهلكين من القطاع الخاص.
وأخيراً، لا تكمن فائدة الطاقة النووية في توليد الطاقة النظيفة والصديقة للبيئة فحسب، بل تسهم في تطوير مشروعات كبيرة للبنية التحتية تضمن نمواً مستداماً للمناطق التي توجد فيها لعدة عقود. وبالتالي تشكل تلك المشروعات قاطرة تسحب الصناعات ذات الصلة إلى الأمام وتخلق الظروف المواتية لتطور قطاع التكنولوجيا المتقدمة في البلاد.
> ما أهمية الطاقة النووية في تلبية زيادة الطلب على الكهرباء عالمياً، في ضوء ارتفاع حرارة الجو في كثير من الدول؟
تدرك اليوم أطراف كثيرة، ومن بينها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، أن برنامج مكافحة الاحترار العالمي وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي يقضي بإبقاء متوسط درجة الحرارة العالمية عند مستوى لا يزيد عن 1.5 درجة مئوية، أنه يجب أن يشمل العمل على تطوير قطاع الطاقة النووية باعتبارها مصدراً هاماً للطاقة الكهربائية منخفضة الكربون ومصدراً للطاقة الحرارية قادراً على الإسهام في تخفيف آثار ظاهرة التغير المناخي.
ويمكننا اعتبار أن التنمية المكثفة لقطاع الطاقة النووية تشكل إحدى وسائل مكافحة الاحتباس الحراري. ونحن في شركة «روساتوم» نفتخر بمساهمتنا في إنتاج طاقة نظيفة وموثوق بها. واسمحوا لي أن أقدم لكم مثالاً على ذلك.
«روساتوم» حالياً مسؤولة عن تشغيل نحو 40 وحدة توليد طاقة في روسيا، وتساعد هذه الوحدات في تجنب انبعاث أكثر من 100 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وذلك إضافة إلى منع انبعاث 100 مليون طن أخرى بفضل تشغيل المحطات النووية روسية التصميم خارج أراضي البلاد، ما يعادل إزالة 57 مليون سيارة من الطرق. وبالتالي، فإن الطاقة النووية بصفتها مصدراً قوياً لتوليد كهرباء الحمل الأساسي، تسهم في إزالة الكربون.
> كم تبلغ نسبة الطاقة النووية التي تنتجها «روساتوم» من إجمالي توليد الطاقة في العالم وفي الدول العربية؟
في عام 2020 كانت الطاقة النووية تشكل أكبر مصدر صافٍ لتوليد الكهرباء في روسيا بحصة سوقية بلغت 20.28 في المائة. وإذا أضافنا الطاقة المنتجة من مصادر الطاقة الكهرومائية والمتجددة إلى التوليد النووي فستبلغ حصتها نحو 40 في المائة من إجمالي توليد الكهرباء في البلاد.
ولا تزال مشروعات «روساتوم» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مرحلة التنفيذ، وهي تشمل إنشاء محطة للطاقة النووية في منطقة الضبعة بمصر، وتتكون من 4 وحدات طاقة من نوع VVER - 1200. وستكون القدرة الإنتاجية للمحطة بعد الانتهاء من جميع مراحل التنفيذ 4800 ميغاواط. وتبني «روساتوم» محطة «أكويو» للطاقة النووية في تركيا التي ستتزود أيضاً بـ4 وحدات طاقة VVER - 1200 تبلغ قدرتها الإجمالية 4800 ميغاواط.
> كيف ترون مستقبل الطاقة النووية في سياق سعي الحكومات للوصول إلى الحياد الكربوني؟
من الناحية الرسمية، لا تصنف الطاقة النووية حتى الآن كمصدر للطاقة المتجددة، لكنها تشكل مصدراً للطاقة النظيفة. فمحطات الطاقة النووية لا تنبعث منها غازات الاحتباس الحراري أثناء التشغيل، وهي توفر طاقة نظيفة وموثوقة وبأسعار معقولة، ما يحفز التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمناطق والبلدان بأكملها. وفي الوقت الحالي يمنع تشغيل محطات الطاقة النووية بالفعل انبعاث 2 غيغاطن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ما يعادل إزالة 400 مليون سيارة من الطرق سنوياً.
وفي الفترة الممتدة بين عامي 1975 و2018 ساهمت الطاقة النووية في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بواقع 74 غيغاطن. الطاقة النووية، التي توفر نحو 10 في المائة من الكهرباء في العالم ونحو 30 في المائة من إجمالي الكهرباء منخفضة الكربون المنتجة عالمياً، ستلعب دوراً هاماً في تحقيق مستقبل منخفض الكربون، إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الكهرومائية والشمسية. نعتقد أن مفهوم «المربع الأخضر» يجب أن يكون هو السائد لإيجاد حل ناجع للتحديات المناخية حيث ستكون الطاقة النووية مصدراً لكهرباء الحمل الأساسي بينما ستغطي مصادر الطاقة المتجددة احتياجات الحمل المتغير.
> هل تشكل تكلفة بناء محطة نووية عائقاً أمام التوسع في استخدامات الطاقة النووية عند مقارنتها مع تكلفة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية؟
نظراً إلى أن محطات الطاقة النووية تعتبر مصدراً لكهرباء الحمل الأساسي، فيما تعد الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) مصادر للحمل المتغير، فإن المقارنة بين هذين المصدرين للطاقة من حيث التكاليف غير مناسبة. وفي وقت لا تستطيع فيه مصادر الطاقة المتجددة أن تحل محل الطاقة التقليدية تماماً وكذلك عندما تكون القدرات الإنتاجية للطاقة النووية غير كافية، فإن التخلي عن الطاقة التقليدية لصالح المصادر المتجددة قد يؤدي إلى تقلبات للأسعار في السوق لا يمكن التنبؤ بها، وهي حالة نشهدها الآن في بعض الدول الأوروبية.
صحيح أن تكلفة إنشاء محطة طاقة نووية قد تكون أعلى بالمقارنة مع إنشاء محطة للطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، لكن ذلك يعود إلى قدرة المحطة بعينها. مع ذلك تبدأ المحطة النووية بتقديم إسهام في ميزانية الدولة حتى في مرحلة البناء. وخلال فترة تشغيلها التي يمكن أن تصل إلى 80 عاماً، ستفوق الأرباح المالية من تشغيل محطة الطاقة النووية حجم الاستثمارات الأولية التي تم إنفاقها على إنشائها بعدة أضعاف، بما في ذلك العائدات الضريبية وتوطين صناعة مكونات المحطة وتطوير الصناعات ذات الصلة وتوفير فرص عمل لآلاف من الناس وتطوير النظام التعليمي المحلي.
وفقاً للتقديرات، ستبلغ القيمة المضافة للناتج المحلي الإجمالي لمصر من خلال تنفيذ مشروع «الضبعة» النووي خلال فترة إنشاء المحطة نحو 4 مليارات دولار سنوياً.
> ما خطط «روساتوم» المستقبلية فيما يتعلق بالتوسع في إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية؟ وما الحوافز التي تقدمها الشركة في هذا المجال؟
في الوقت الحالي، تنشط شركة «روساتوم» الحكومية الروسية للطاقة النووية على صعيد إنشاء وحدات طاقة نووية من الجيل الجديد «3+» سواء داخل روسيا أو خارجها. ويبلغ العدد الإجمالي للمشروعات الموجودة في حقيبة الطلبات الدولية لـ«روساتوم» 35 وحدة طاقة من نوع VVER موزعة في 12 دولة.
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنفذ الشركة مشروعات لبناء محطات طاقة نووية عالية القدرة في كل من مصر وتركيا، وكذلك تشارك «روساتوم» في حوار خاص حول إنشاء أول محطة للطاقة النووية في المملكة العربية السعودية. بالتوازي مع ذلك، تعمل الشركة بصورة نشطة على تنويع حقيبتها للطلبات حيث لا تعرض فقط بناء محطات نووية عالية الطاقة، وإنما محطات نووية متوسطة أو منخفضة القدرة توفر الكهرباء للمناطق التي يصعب الوصول إليها، تماشياً مع التوجه العالمي نحو تطبيق اللامركزية في أنظمة الطاقة. وتشمل هذه النوعية من المحطات النووية محطات عائمة منخفضة القدرة، وهي قادرة على توفير الكهرباء والحرارة ومياه الشرب لمناطق واقعة في الجزر والمنشآت الصناعية. ويظهر للعالم تشغيل محطة الطاقة النووية العائمة «الأكاديمي لومونوسوف» إمكانات التنمية من خلال استخدام وحدات الطاقة العائمة منخفضة القدرة في المناطق البعيدة عن شبكة الطاقة الأساسية أو في الأماكن التي يصعب الوصول إليها.
وبالتزامن مع إطلاق مشروع محطة الطاقة النووية العائمة، نطور أيضاً مفاعلات من طراز «ريتم» (RITM) وهي مفاعلات تعتمد على تقنيات منخفضة القدرة لإنتاج الكهرباء. ويمكن أن تكون محطات الطاقة كهذه أرضية أو عائمة على حد سواء كما يمكن استخدامها من أجل إنتاج الكهرباء والحرارة وكذلك لتحلية مياه البحر والتبريد.
أما موضوع مستقبل قطاع الطاقة النووية فنحن مقتنعون بأنه لا يمكن فصله عن تطوير تقنية المفاعلات العاملة على النيوترونات السريعة وتقنية دورة الوقود النووي المغلقة. والشيء الأهم في تقنية المفاعلات السريعة هو أنها قادرة على إنتاج كمية أكثر من المواد الانشطارية مما تستهلكها. وفي روسيا ثمة مفاعلات BN - 600 وBN - 800 قيد التشغيل في محطة «بيلويارسكايا» للطاقة النووية تعمل بوقود الأكسيد المختلط MOX وهو وقود نووي منتج من البلوتونيوم واليورانيوم المستهلكين المعاد تدويرهما. وهكذا نسعى إلى جعل قطاع الطاقة النووية خالياً من النفايات ومتجدداً عملياً.
وإذا تحدثنا عن العوامل المحفزة بالنسبة للبلدان التي تدرس إمكانية استخدام الطاقة النووية، فهي في المقام الأول فوائد اجتماعية واقتصادية تجلبها التكنولوجيا النووية. وإنشاء محطة للطاقة النووية مشروع كبير للبنية التحتية له إيجابيات كثيرة على المستويين الإقليمي والوطني على حد سواء، من بينها خلق فرص عمل جديدة في التخصصات الهندسية والتقنية، وهو أمر يشجع على تطوير برامج تعليمية جديدة. كما يساعد بناء محطة الطاقة النووية في دعم وتنمية القطاعات الإنتاجية المحلية بفضل توطين صناعة مكونات المحطات النووية وإنشاء منصات منفصلة لصناعة المكونات في السوق المحلية. وتستفيد من ذلك أيضاً الشركات المحلية الموردة للمواد ومعدات البناء والمقدمة لمختلف الخدمات ولا سيما الخدمات العامة للمقاولين الذين ينفذون المشروع. وكل ذلك له تأثير إيجابي على القوة الشرائية للسكان، ما يؤدي بدوره إلى زيادة عدد الطلبات في الصناعات التي تلبي طلب المستهلك.
بالإضافة إلى ذلك، يسهم بناء محطة الطاقة النووية في إنشاء وتطوير البنية التحتية في منطقة وجودها، بما في ذلك الطرق والموانئ والمباني السكنية والمرافق ذات الأهمية الاجتماعية.
> كيف ترون مستقبل قطاع الطاقة النووية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في الدول العربية؟
إن قيام دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الغنية بالنفط وبموارد الطاقة المتجددة أيضاً، مثل أشعة الشمس والرياح، بضخّ استثمارات متزايدة في تطوير قطاع الطاقة النووية، يدل على أن الطاقة النووية تلعب دوراً لا غنى عنه في سياق سعي هذه الدول إلى تشكيل مزيج طاقة «أخضر» خاص بها مستقبلاً. وتمثل محطات الطاقة النووية، قبل كل شيء، مصدراً للحمل الأساسي يوفر الكهرباء بأسعار مستقرة يمكن التنبؤ بها، والأهم من ذلك أنها مغرية. وتعد الطاقة النووية اليوم شرطاً ضرورياً لبناء منظومة طاقة عالمية منخفضة الكربون لأنها تضمن حملاً أساسياً مستقراً وتوفر إمدادات طويلة الأجل من الكهرباء، وفي الوقت نفسه لا تطلق انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
إنني متأكد من أن بدء تشغيل محطة «براكة» للطاقة النووية في الإمارات، وتنفيذ مشروعات نووية أخرى في المنطقة مثل إنشاء محطة الضبعة النووية في مصر، يؤدي إلى تعزيز مستوى الوعي لدى دول المنطقة بضرورة إضافة الطاقة النووية في مزيج الطاقة الخاص بها.
> تعمل «روساتوم» و«موانئ دبي العالمية» على مشروع شحن الحاويات عبر القطب الشمالي، نريد المزيد عن هذا المشروع.
في يوليو (تموز) الماضي، وقّعت «روساتوم» اتفاقية تعاون مع شركة «موانئ دبي العالمية» تنص على أن الشركتين ستعملان معاً من أجل إطلاق حركة عبور تجريبي لسفن الحاويات بين شمال غربي أوروبا وشرق آسيا باستخدام البنية التحتية الأساسية للنقل الموجودة في منطقة القطب الشمالي، وذلك في إطار مشروع إنشاء خط شحن الحاويات وموانئ لشحن البضائع عبر طريق بحر الشمال.
نعتقد أن التعاون بين «روساتوم»، المشغل الوطني للبنية التحتية التابعة لطريق بحر الشمال، و«موانئ دبي العالمية»، الشركة الرائدة عالمياً في مجال الخدمات اللوجستية، سيتيح للسوق الاستفادة من الممر البحري الإضافي لنقل البضائع، الذي سيجعل التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا وكذلك منظومة التجارة العالمية كلها أكثر استقراراً.
> تتفاوض «روساتوم» حالياً مع العراق بشأن إطلاق برنامج تعاون في مجال التكنولوجيا النووية. هل تم التوصل إلى اتفاق مع العراق لإنشاء محطات للطاقة النووية؟ وما تكلفتها؟
في إطار الحوار مع الشركاء العراقيين بشأن الطاقة النووية نتفاوض حول جميع المسائل المتعلقة بالتعاون الثنائي المحتمل في هذا المجال؛ حيث نناقش مختلف التطبيقات للطاقة النووية، سواء أكانت لإنتاج الطاقة أم لأغراض سلمية أخرى. وبالتوازي يجري العمل على إعداد الأطر التنظيمية لمثل هذا التعاون.
> كانت هناك توقعات بشأن إطلاق محطات للطاقة النووية قريباً في السعودية والأردن. ما مصير هذه المشروعات؟
تشارك «روساتوم»، إلى جانب شركات أخرى من قطاع الصناعة النووية، في حوار خاص حول إنشاء وحدتين لتوليد الطاقة النووية عالية القدرة في المملكة العربية السعودية. وقد نجحنا في اجتياز مرحلتين من عملية اختيار العروض الأفضل من بين الشركات التي تقدمت لتنفيذ المشروع. والكرة الآن في الملعب السعودي وبمجرد أن نتلقى من الجانب السعودي معلومات بشأن الخطوات اللاحقة سنكون مستعدين للمضي قدماً.
فيما يتعلق بالأردن فقد اتفقنا منذ البداية مع شركائنا الأردنيين على إجراء دراسات تفصيلية مشتركة تشمل جميع جوانب بناء محطة طاقة نووية عالية القدرة، وأنجزنا هذا العمل بالكامل. لكن بناء على نتائج الدراسات اتخذ الجانب الأردني قراراً بتعديل خطته الأولية مفضلاً إنشاء محطة طاقة نووية منخفضة القدرة.
لكن إذا كان الأردن يريد العودة إلى موضوع إنشاء محطة نووية عالية القدرة، فنحن مستعدون لتقديم كل أشكال الدعم للجانب الأردني.
> ما مرحلة التنفيذ التي وصل إليها مشروع الضبعة النووي المصري؟
لا تزال الأعمال التحضيرية مستمرة في الموقع الآن، وتشمل بناء مرافق للبنية التحتية ورصيف بحري لاستقبال المعدات الثقيلة وكبيرة الحجم لمحطة الضبعة. وفي الشهر الماضي انطلقت في منطقة الاختبارات الخاصة للأعمال الرامية إلى حماية حفرة الأساسات المخصصة للمباني الرئيسية التابعة لوحدة الطاقة رقم 1 في المحطة. وتعتبر هذه الإجراءات جزءاً لا بد منه في إطار المرحلة التحضيرية من تنفيذ مشروع إنشاء محطة الضبعة النووية. وخلال هذه المرحلة، سيتم تركيب أنظمة حواجز في الموقع لمنع تسرب المياه إلى الحفرة.
وبمجرد الحصول على رخصة البناء من الجهة المنظمة، وهي هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية (ENRRA)، سنكون جاهزين للبدء بأعمال البناء الأساسية في الموقع.
لقد قمنا بعمل شاق مع الجانب المصري، وبذلنا جهوداً كبيرة من أجل إعداد جميع الوثائق المطلوبة للحصول على رخصة البناء. وفي نهاية يونيو (حزيران) الماضي تم الانتهاء من جمع وإعداد حزمة الوثائق كاملة والمستندات المطلوبة للحصول على رخصة البناء لوحدتي الطاقة الأولى والثانية لمحطة الضبعة النووية.
علاوة على ذلك، التزمت «روساتوم» بموجب العقود المبرمة مع الجانب المصري بتنظيم دورات تعليمية وتدريبية لكوادر محطة الضبعة المستقبلية. ففي مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأت المجموعات الأولى من الاختصاصيين الملتحقين الدراسة في فرع الأكاديمية التقنية لشركة «روساتوم» في مدينة سان بطرسبورغ للعمل مستقبلاً في محطة الضبعة للطاقة النووية قيد الإنشاء في مصر. وافتتح البرنامج التدريبي بدورة لتعلم اللغة الروسية تستمر 6 أشهر، وتشمل 465 طالباً مصرياً. وبعد إتمامهم الدورة سيتحول المتدربون إلى الجزء النظري من البرنامج الذي يستند إلى المعلومات الخاصة بالمحطة المرجعية لمحطة الضبعة النووية المصرية، وهي محطة «لينينغراد - 2» النووية في روسيا، ومن ثم سيبدأ الجزء العملي من البرنامج الذي يضم التدرب في محطة «لينينغراد - 2»، وفي أماكن العمل.
> أي نوع من المفاعلات النووية سيستخدم في مشروع الضبعة؟ وما مميزاته؟ ولماذا تم اختياره؟
ستستخدم في محطة الضبعة للطاقة النووية التي تعتبر محطة «لينينغراد» النووية الروسية مرجعية لها، مفاعلات روسية التصميم من نوع VVER - 1200 المنتمية إلى الجيل «3+» الأحدث من المفاعلات النووية. وحالياً تعتبر هذه المفاعلات الأكثر تقدماً وأماناً.
وتعتمد الحلول التي تضمن التشغيل الآمن لمحطات الطاقة النووية الروسية الحديثة التي تعمل بمفاعلات VVER - 1200 على التطوير الابتكاري للتقنيات التي أثبتت موثوقيتها مع مرور الوقت. وبالمقارنة مع مفاعلات الجيل السابق، تتسم وحدة توليد الطاقة المزودة بمفاعل VVER - 1200 بعدد من المزايا التي تعزز بشكل ملحوظ فوائدها الاقتصادية ومواصفاتها الأمنية؛ حيث تمت زيادة القدرة الإنتاجية للمفاعل بنسبة 20 في المائة ومضاعفة العمر الافتراضي للمعدات الأساسية لوحدة المفاعل ليبلغ 60 عاماً مع إمكانية التمديد لـ20 عاماً أخرى. وأيضاً تحتاج وحدة المفاعل من نوع VVER - 1200 لعدد أقل من أفراد الطاقم المشغل بواقع 30 - 40 في المائة بالمقارنة مع سابقاتها.
> ماذا يمثل مشروع الضبعة النووي لشركة «روساتوم»؟
يفتح مشروع بناء محطة الضبعة النووية، الذي يعد أحد أكبر المشروعات لبناء المنشآت النووية في العالم، صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الروسية المصرية. وسيؤدي إنجازه أيضاً إلى تشغيل أول محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة النووية في مصر.
وستتكون محطة الضبعة من 4 وحدات طاقة من نوع VVER - 1200 على نفس نمط وحدات محطة «لينينغراد» النووية الروسية التي تعتبر مرجعية لمحطة الضبعة، وستبلغ القدرة الإجمالية للوحدات الأربع 4.8 غيغاواط. ومع تشغيل المحطة ستكون مصر الدولة الوحيدة في القارة الأفريقية التي تمتلك مفاعلات نووية من الجيل «3+».
ومشروع إنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية يمكن تشبيهه من حيث ضخامته وأهميته لتنمية مصر، بمشروع إنشاء السد العالي الذي يعتبر معجزة هندسية.
> تحتاج المفاعلات النووية كميات كبيرة من المياه. هل تشكل الأحاديث بشأن نقص المياه في مصر مستقبلاً عقبة أمام استمرار مشروع الضبعة أو التوسع في مشروعات أخرى؟
لا، لأن إنتاج المياه التي ستستخدم للأغراض الفنية والتبريد أثناء تشغيل محطة الضبعة النووية ستكون من مياه البحر المتوفرة بالقرب من موقع المحطة.



مؤتمر البترول العالمي: السعودية تستهدف رفع سعة «شرق - غرب» إلى 10 ملايين برميل يومياً

TT

مؤتمر البترول العالمي: السعودية تستهدف رفع سعة «شرق - غرب» إلى 10 ملايين برميل يومياً

الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

أعادت اضطرابات إمدادات الطاقة العالمية أمن الإمدادات ومرونة البنية التحتية إلى صدارة أعمال مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض، الاثنين، مع تأكيد السعودية مواصلة استثماراتها لتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات. وأكد وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن التخطيط المسبق مكَّن المملكة من التعامل مع تداعيات الأزمة، مشدداً على أن «الخوف لا مكان له في قاموس السعوديين»، وكاشفاً عن خطط لتوسعة خط أنابيب «شرق - غرب» بما يرفع قدرته إلى 10 ملايين برميل يومياً خلال عامين إلى 3 أعوام.

وفي الاتجاه نفسه، أعلن رئيس «أرامكو السعودية» أمين الناصر، أن الشركة تدرس، بالتنسيق مع وزارة الطاقة، خيارات إضافية لتصدير النفط الخام وتوسيع قدرات التخزين خارج المملكة، في إطار تعزيز مرونة منظومة الإمدادات وتنويع مساراتها.

وأكد رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس ضرورة الموازنة بين أمن الطاقة واستدامتها والقدرة على تحمُّل تكاليفها، بينما قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عادت إلى ما بين 80 و90 في المائة من مستويات ما قبل الصراع، مقابل 25 إلى 35 في المائة للمنتجات النفطية المكررة.

وفي قراءة لآفاق السوق، توقع أمين عام «أوبك» هيثم الغيص، ارتفاع نمو الطلب العالمي على النفط إلى 1.7 مليون برميل يومياً في عام 2027، مع تحقق جانب من الطلب المؤجل.

ويُناقش المؤتمر، الذي تستضيفه المملكة للمرة الأولى في تاريخه الممتد لأكثر من 90 عاماً، عدداً من القضايا والموضوعات الرئيسة في قطاع الطاقة، من بينها أمن الإمدادات، والأسواق، والاستثمار، والتقنيات، والابتكار، والاستدامة، وتنمية القدرات البشرية.

وأكَّد الأمير عبد العزيز بن سلمان في كلمته الافتتاحية للمؤتمر، وأمام عدد كبير من الوزراء والمسؤولين وقادة القطاع، أن المملكة ستتجاوز ما تمر به من تحديات، وستواصل المضي قدماً نحو المستقبل، والوفاء بالتزاماتها، في إطار تحقيق رؤيتها، انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة؛ مشيراً في هذا الصدد إلى حجم التحول الذي شهدته المملكة خلال فترة زمنية قصيرة، وإلى عزمها مواصلة صياغة مستقبلها.

الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

وأوضح أن التجارب الأخيرة أثبتت أهمية الاستعداد المسبق، وبناء منظومة طاقة قادرة على التكيف مع مختلف الظروف؛ مشيراً إلى أن المرونة لا تُقاس بقدرة الأنظمة على الصمود فحسب؛ بل بقدرتها على إصلاح الأضرار واستعادة التشغيل ومواصلة تلبية احتياجات الأسواق. وقال إن مرونة منظومة الطاقة تتجاوز امتلاك الطاقة الإنتاجية الاحتياطية وخطوط الأنابيب وقدرات توليد الكهرباء، لتشمل القدرة على الصيانة والإصلاح وإعادة توجيه الإمدادات وإيجاد البدائل والتعافي، والأهم مواصلة تلبية احتياجات الأسواق تحت الضغط.

وكان الأمير عبد العزيز قد استهل كلمته بالقول إن «الخوف لا مكان له في قاموس السعوديين»، مشدداً على أن مرونة منظومة الطاقة في المملكة وعزيمة أبنائها تعززان قدرتها على مواجهة الأزمات وضمان استمرارية الإمدادات، ومواصلة مسيرة التحول، وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».

البنية التحتية

وأوضح أن التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة والمملكة، أعادت التأكيد على أن أمن الطاقة لا يمكن اعتباره أمراً مضموناً ومُسلَّماً به، في ظل الضغوط التي تواجه مسارات الإمداد، واستهداف البُنى التحتية؛ مشيراً إلى أن المملكة تؤمن بأن القدرة على الصمود ومواجهة مثل هذه التحديات، تُبنى قبل وقوع الأزمات. وكشف عن استثمارات المملكة على مدى عقود، في البنية التحتية، والقدرات الاحتياطية، والتخزين، ومسارات التصدير البديلة، والتقنيات، وسلاسل الإمداد المحلية، والقدرات البشرية.

كما أشار الوزير إلى أن التوطين، بالنسبة للمملكة، يتجاوز كونه هدفاً اقتصادياً، ليشكِّل قدرة استراتيجية تدعم استمرار الأعمال، والتعافي عند اضطراب سلاسل الإمداد الدولية.

وبيَّن أن قدرة منظومات الطاقة على الصمود لا تُقاس بالطاقة الإنتاجية الاحتياطية، أو خطوط الأنابيب، أو قدرات التوليد فقط؛ بل تشمل القدرة على الصيانة والإصلاح، وتغيير المسارات، وإيجاد البدائل، والتعافي، ومواصلة توفير الإمدادات تحت الضغط.

وأضاف أن القدرة على الصمود هي استعداد يُبنى ويُحافظ عليه بمرور الوقت، وتُثبت فاعليته بالأفعال، وأن ما أثبتته المملكة من قدرة على الصمود والتعافي، يدعم موثوقية الإمدادات على المستوى الدولي، ويُعزز استمرار مكانة البلاد شريكاً موثوقاً به في الاقتصاد العالمي.

شبكات الكهرباء

ولفت الأمير عبد العزيز إلى أنه لا يمكن أن يكون هناك مستقبل للطاقة للجميع دون أن يكون هناك أمنٌ للطاقة للجميع، مشدداً على ضرورة أن يمضي أمن الطاقة والتحول في قطاع الطاقة جنباً إلى جنب.

وأفاد بأن المملكة ستواصل الاستثمار في إمدادات يُعتمد عليها من النفط والغاز، والتوسع في استغلال الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وقدرات التخزين، والبنية التحتية للغاز، وتطوير التقنيات والحلول منخفضة الانبعاثات، وبناء قدرات التصنيع المحلي، وتعزيز متانة سلاسل الإمداد، والاستثمار في القدرات البشرية.

كما شدد على استمرار تنفيذ خطط وبرامج «رؤية 2030»، والاستثمار في منظومة الطاقة والقدرات الصناعية، وتطويرها، كما أكَّد رسوخ التزام المملكة بأمن ورفاهية شعبها، وبشراكاتها الدولية، على حدٍّ سواء.

وفي جلسة حوارية لاحقة، تحدث الأمير عبد العزيز عن خط أنابيب النفط «شرق - غرب» الذي يمثل أحد النماذج المهمة للبنية التحتية التي تتيح توفير مسارات بديلة لنقل النفط إلى الأسواق، وتعزز قدرة المملكة على مواجهة المخاطر التي قد تؤثر في طرق الإمداد التقليدية، كاشفاً عن نية توسيع هذا الخط لاستيعاب 10 ملايين برميل نفط يومياً خلال عامين إلى 3 أعوام.

التقنيات المتقدمة

من جانبه، أوضح رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس، خلال كلمته الافتتاحية، الدور المحوري والريادي للمملكة في تطوير نظم الطاقة العالمية، وذلك عبر زيادة الاستثمارات والابتكارات الحيوية.

ووفق ميراس، فإن العالم يتوجه نحو تطوير تقنيات متقدمة وابتكار حلول جديدة في قطاع الطاقة، للحفاظ على أمن الطاقة العالمي، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، والإسهام في تحسين حياة مليارات الأشخاص حول العالم؛ مشيراً إلى أن هذه الجهود تأتي في ظل الاقتصاد العالمي المتسارع الذي يتطلب تحسين البنية التحتية للطاقة وابتكار حلول جديدة ومستدامة.

ورأى أن أمن الطاقة أمر أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وأن نجاح التحول في قطاع الطاقة يتطلب استثمارات ثابتة ومستدامة؛ مشيراً إلى دور الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، ووسائل الوقود الجديدة، وتقنيات تخزين الكربون في تشكيل مستقبل القطاع.

وشدد على أهمية التعاون الدولي لتحقيق أهداف مشتركة في قطاع الطاقة، وأن العمل الجماعي يمثل الحل الأمثل لضمان مستقبل آمن ومستدام للجميع.

بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

تضامن أميركي

من ناحيته، أكد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت دعم بلاده «الثابت» للسعودية، مديناً ما وصفها بــ«الهجمات الجبانة» التي استهدفت المملكة وبنيتها التحتية ومواطنيها، ومؤكداً أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حلفائها وشركائها في منطقة الخليج.

وعبَّر رايت -في كلمة ألقاها عبر الاتصال المرئي خلال اجتماع البترول العالمي- عن اعتزازه بالعمل مع قادة المنطقة في ظل ما وصفه بتحديات غير مسبوقة لأمن الطاقة.

وتحدث عن أهمية تعزيز التعاون الدولي لضمان استقرار إمدادات الطاقة في الأسواق العالمية، وتمكين الدول المنتجة في الخليج من مواصلة دعم اقتصاداتها وحماية مواطنيها.

واتهم إيران بالسعي إلى الإضرار باقتصادات المنطقة وأمنها الطاقي، مؤكداً ضرورة تعزيز التنسيق بين الولايات المتحدة وشركائها، لمواجهة التحديات التي تهدد أمن الإمدادات واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

وتابع بأن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عادت إلى ما يتراوح بين 80 و90 في المائة من مستويات ما قبل الصراع، بما يعادل نحو 13 إلى 14 مليون برميل يومياً في المتوسط، لافتاً إلى أن ارتفاع تدفقات النفط عبر خطوط الأنابيب البديلة أسهم في دعم الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

وزير الطاقة الأميركي يتحدث عبر الاتصال المرئي خلال اجتماع البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

الطلب العالمي في 2027

وفي جلسة حوارية أخرى، ذكر الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، هيثم الغيص، أن المنظمة تتوقع ارتفاع نمو الطلب العالمي على النفط إلى 1.7 مليون برميل يومياً في عام 2027، مع تحقق الطلب المؤجل نتيجة التطورات التي شهدتها الأسواق خلال العام الحالي؛ مشيراً إلى أن المنظمة خفضت تقديراتها لنمو الطلب في 2026 إلى 400 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ1.4 مليون برميل يومياً في توقعاتها مطلع العام.

وأبان الغيص أن عوامل عدة أسهمت في احتواء تحركات أسواق النفط، من بينها تراجع واردات الصين نتيجة تراكم المخزونات، والسحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في عدد من الدول؛ خصوصاً دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى جانب تباطؤ الطلب.

ولفت إلى أن خط أنابيب «شرق - غرب» في السعودية يمثل نموذجاً للاستعداد المسبق لضمان أمن الطاقة، قائلاً إن المملكة تقدم «أفضل مثال على توفير ما يمكن وصفه ببوليصة تأمين لأمن الطاقة».

وطبقاً للغيص، فإن النفط لا يزال يشكل أكثر من 30 في المائة من مزيج الطاقة العالمي؛ مشيراً إلى أن الإمدادات تمثل عنصراً أساسياً في أمن الطاقة العالمي.

الأمين العام لمنظمة «أوبك» هيثم الغيص مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

التعاون السعودي - الفرنسي

من جهة أخرى، ذكر وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية الفرنسي، رولان ليسكور، أن السعودية تؤدي دوراً محورياً في تعزيز أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق، مُشيداً بقدرتها على التكيف مع الاضطرابات الأخيرة، ومشدداً على أهمية تعزيز التعاون السعودي الفرنسي لحماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين سلاسل إمدادات الطاقة.

وحسب الوزير الفرنسي، فإن التطورات الأخيرة أعادت أمن الطاقة وتقلبات الأسعار إلى صدارة أولويات صانعي السياسات والشركات والمواطنين، مشدداً على أن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز الحوار والتعاون بين الدول الرئيسية الفاعلة بأسواق الطاقة.

وأضاف أن المسؤولية المشتركة تتمثل في تحقيق استقرار الأسواق، والحفاظ على تدفقات طاقة مفتوحة وموثوقة، وضمان بقاء الأسعار في مستويات يمكن للاقتصادات والمواطنين تحمُّلها.

وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية الفرنسي رولان ليسكور يتحدث خلال مؤتمر البترول العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

حماية المنشآت النفطية

بدوره، حذَّر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، من أن تداعيات استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة لا تقتصر على أسواقها؛ بل تمتد إلى الاقتصادات والأسواق في مختلف أنحاء العالم، مؤكداً أن حماية منشآت الطاقة ومسارات الإمداد تتطلب تعاوناً دولياً، في ظل ما تفرضه الاضطرابات الأخيرة من تحديات لأمن الطاقة العالمي.

وأوضح أن اضطرابات مضيق هرمز والهجمات على البنية التحتية للطاقة في المنطقة كشفت مدى الترابط بين حلقات سلسلة الإمدادات العالمية، موضحاً أن استمرار الاضطرابات يفاقم الضغوط على أسواق النفط الخام والمنتجات المكررة؛ خصوصاً الديزل.

وأكد أن منظومة الطاقة السعودية واصلت العمل بموثوقية عالية خلال الأزمة، بفضل الاستثمارات الاستراتيجية في البنية التحتية والقدرات التشغيلية، إلى جانب تنوع مسارات التصدير وتكامل المنشآت وأنظمة الحماية الرقمية.

الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث في مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

خيارات التصدير

وكشف عن توجهات «أرامكو» الحالية، بالتنسيق مع وزارة الطاقة، لدراسة خيارات إضافية لتصدير النفط الخام، إلى جانب توسيع قدرات التخزين خارج المملكة، وتوظيف التقنيات المتقدمة لفحص المنشآت، وتسريع أعمال الصيانة والإصلاح والحد من الأضرار.

وقال إن أكثر من 90 في المائة من المواد المستخدمة لاستعادة العمليات خلال الأشهر الثمانية الماضية جرى توفيرها من مصادر محلية، مما أتاح تنفيذ أعمال الاستعادة خلال ساعات وأيام بدلاً من أسابيع وأشهر.

وأضاف أن توطين سلاسل الإمداد يمثل عاملاً مهماً في تعزيز الجاهزية لمواجهة الأزمات، إلى جانب دوره في دعم الاقتصاد المحلي، وتطوير الصناعات الوطنية، وخلق فرص العمل.

وفيما يتعلق بخطط الشركة المستقبلية، أفصح الناصر عن أن التوسع في إنتاج الغاز يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية «أرامكو»، مستهدفاً زيادة إنتاج غاز البيع بنحو 80 في المائة بحلول 2030، مقارنة بمستويات عام 2021.

مندوبون أمام جناح «أرامكو» في المعرض المقام خلال المؤتمر الخامس والعشرين لمجلس البترول العالمي (أ.ف.ب)

وفي إحدى الجلسات، أكد وزير الدولة للموارد البترولية في نيجيريا، هاينكن لوك بيري، تضامن بلاده مع السعودية إثر الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها، مشدداً على أهمية التعاون الدولي لمواجهة تحديات أمن الطاقة، وضمان توفُّر الإمدادات بأسعار يمكن تحملها. بينما أكد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر، محمد عرقاب، أن بلاده تعمل على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع استثماراتها في قطاع الغاز الطبيعي، بما يدعم أمن الطاقة في الجزائر وأوروبا.


السعودية: الاستثمار الأجنبي في القطاعات الجديدة يتسارع بـ162 %

وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: الاستثمار الأجنبي في القطاعات الجديدة يتسارع بـ162 %

وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)

قال وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف، إن الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات الاقتصاد الجديد بالمملكة تسارع بنسبة 162 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، في وقت ارتفع فيه إجمالي تكوين رأس المال الثابت بنسبة 52 في المائة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تركز على الانتقال من زيادة حجم الاستثمارات إلى تحسين جودتها وإنتاجيتها وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

وأوضح الوزير، خلال جلسة حوارية في مؤتمر البترول العالمي بالرياض، أن المملكة تستهدف استقطاب أنواع مختلفة من المستثمرين، سواء الباحثين عن الموارد أو الأسواق أو الأصول الاستراتيجية أو الكفاءة والمرونة، من خلال بناء منظومات اقتصادية مترابطة وتعزيز ارتباطها بشبكات القيمة العالمية.

وبيّن أن قطاع الطاقة استحوذ على أكثر من 22 في المائة من إجمالي تكوين رأس المال الثابت في المملكة، بينما تجاوزت مشاركة القطاع الخاص 75 في المائة من الاستثمارات خلال السنوات الخمس الماضية.

وأشار إلى أن القطاعات التي شهدت تسارعاً في الاستثمار الأجنبي المباشر تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتصنيع المتقدم، والابتكار والخدمات اللوجستية، والصناعة، والطاقة المتجددة، والمياه، لافتاً إلى أن تطوير هذه القطاعات يتطلب تعزيز التكامل بينها وبين الخدمات والبنية التحتية والقطاع المالي.

تجمعات صناعية

وأضاف أن المملكة تعمل على بناء تجمعات صناعية متكاملة، مستشهداً بتطوير تجمع لصناعة السيارات في المنطقة الغربية، إلى جانب منظومة مترابطة في المنطقة الشرقية تشمل بناء السفن والصناعات البتروكيماوية والموانئ وخطوط الأنابيب والخدمات اللوجستية.

وأكد أن رفع الإنتاجية والكفاءة يمثل محوراً رئيسياً في تعزيز قدرة المملكة على المنافسة عالمياً في استقطاب الاستثمارات، موضحاً أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ستسهم في تعزيز أداء القطاعين العام والخاص ورفع قدرتهما التنافسية.

وشدد على أهمية استقرار السياسات الاقتصادية واستمرارية التوجهات الحكومية في تعزيز ثقة المستثمرين، مبيناً أن مستهدفات «رؤية 2030» تمثل محطة ضمن مسار اقتصادي طويل الأجل، وليست نهاية للتحول الذي تشهده المملكة.

ولفت إلى أن السياسات المالية المستدامة أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين من خلال توفير بيئة أكثر قابلية للتنبؤ، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية واضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد.

الأنشطة غير النفطية

من جانبه، ذكر عبد المحسن الخلف، نائب وزير المالية السعودي، أن الأنشطة غير النفطية ارتفعت إلى 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة للمرة الأولى في تاريخها، في تحول هيكلي يعكس التقدم المحقق في تنويع الاقتصاد منذ إطلاق «رؤية 2030».

وبحسب الخلف، فإن الإيرادات الحكومية غير النفطية ارتفعت من نحو 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في عام 2015، إلى نحو 500 مليار ريال (133.3 مليار دولار) حالياً، ما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة المتغيرات الاقتصادية والاستجابة للصدمات.

وتابع أن معدل البطالة بين السعوديين انخفض إلى نحو 6 في المائة، بالتزامن مع نمو قطاعات اقتصادية واعدة، تشمل السياحة والترفيه والرياضة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الإصلاحات المنفذة في إطار «رؤية 2030» عززت مرونة الاقتصاد السعودي، ومنحته قدرة أكبر على التعامل مع الظروف المتغيرة، مع مواصلة تنفيذ الأولويات الوطنية.


أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية؛ في خطوة تستهدف الحد من التدفقات المتسارعة إلى الأسواق الأوروبية، وتجنب تصعيد النزاع التجاري بين الجانبين.

وكشف مسؤول في «المفوضية الأوروبية»، الاثنين، عن أن الاتفاق، الذي يمتد 4 سنوات، يحدد واردات السيارات الهجين من الصين عند 350 ألف سيارة سنوياً، مع زيادة الحصة بنسبة 6 في المائة كل عام. ومن المتوقع بدء تطبيق الإجراءات الأوروبية الأولية مطلع ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

ويأتي الاتفاق بعد نمو استثنائي لصادرات السيارات الهجين الصينية إلى أوروبا، مستفيدة من عدم خضوعها للرسوم الإضافية التي فرضها «الاتحاد الأوروبي» على السيارات الكهربائية الصينية بالكامل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

ويعكس التفاهم محاولة لتحقيق توازن بين حماية صناعة السيارات الأوروبية والحفاظ على العلاقات التجارية مع الصين، في وقت تواجه فيه الشركات الصينية تباطؤ المبيعات المحلية وتبحث فيه عن فرص للنمو الخارجي.

وارتفعت قيمة صادرات الصين من السيارات الهجين إلى دول «الاتحاد الأوروبي» الـ27 إلى 7.5 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 2.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات الجمارك الصينية.

وتعادل هذه القيمة نحو 9 أضعاف صادرات عام 2021 بأكمله، التي بلغت 845 مليون دولار؛ مما يعكس التحول السريع في استراتيجية الشركات الصينية نحو السيارات الهجين القابلة للشحن.

وساعد ضَعف البنية التحتية للشحن في بعض المناطق الأوروبية على زيادة الطلب على هذه السيارات، التي تجمع بين المحركات الكهربائية والوقود التقليدي، وتوفر مدى قيادة أطول مقارنة ببعض السيارات الكهربائية بالكامل.

وبعد فرض الرسوم الأوروبية الإضافية على السيارات الكهربائية الصينية، أصبحت السيارات الهجين قناة رئيسية للحفاظ على نمو الصادرات وتوسيع الحصة السوقية.

ووفق تقديرات «جيفريز» للخدمات المالية والمصرفية والاستثمارية، فقد استحوذت شركات «سايك موتور» و«بي واي دي» و«شيري» على أكثر من 90 في المائة من مبيعات السيارات الهجين الصينية في «الاتحاد الأوروبي»، بينما شكلت هذه الفئة أكثر من نصف مبيعاتها الأوروبية.

ويعني ذلك أن الشركات الثلاث ستكون الأكبر تعرضاً لتداعيات الاتفاق، خصوصاً إذا أدت الحصص الجديدة إلى تقييد نمو الواردات مقارنة بالمستويات الحالية.

بكين تتمسك بمبدأ عدم التمييز

وأكدت وزارة التجارة الصينية، الاثنين، أن الاتفاق جاء بعد مشاورات مكثفة مع «الاتحاد الأوروبي» شملت السيارات الهجين والكهربائية، إلى جانب القضايا التجارية والاقتصادية الأوسع.

وأوضحت أن التفاهم يضمن للصين حصة تصديرية لا تقل عن الحصص الممنوحة لأي مُصدر آخر للواردات الأوروبية، مع التزام الإجراءات الأوروبية عدم استهداف المنتجات الصينية أو التمييز ضد شركاتها.

وأضافت أن الجانبين اتفقا على تعديل حجم صادرات السيارات الهجين بالزيادة مقارنة بأرقام عام 2025، بما يتيح استمرار النمو ويوفر بيئة تجارية واستثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ.

وعدّت الوزارة أن الاتفاق يحمي المصالح العملية للشركات الصينية ويساعد على تجنب تصاعد الاحتكاكات التجارية.

لكن المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش شيفتشوفيتش، كان قد أشار، الجمعة، إلى أن الاتفاق قد يخفض واردات السيارات الهجين الصينية بأكثر من النصف، مقارنة بالمسار الذي كانت ستسلكه دون قيود.

وتعكس التصريحات المختلفة تركيز كل طرف على جانب من التفاهم؛ إذ تؤكد بكين ضمان استمرار الصادرات، بينما تبرز «بروكسل» قدرة الاتفاق على احتواء نمو الواردات.

ولا يزال بعض التفاصيل التنفيذية، بما فيها آليات توزيع الحصص والاستثناءات المحتملة والحدود السعرية، خاضعة للمفاوضات الفنية.

الشركات الصينية تعيد حساباتها

استقبل المستثمرون الاتفاق بوصفه تخفيفاً لمخاطر فرض رسوم جمركية إضافية على السيارات الهجين الصينية، لكنه في المقابل أدخل قيوداً كمية على الصادرات.

وتراجع سهم «بي واي دي» بنسبة 1.8 في المائة، بينما ارتفع سهما «شيري» و«سايك» بنسبتَي 0.25 و0.4 في المائة على التوالي.

ووصف محللو «جيفريز» التحول بأنه انتقال من مخاطر الرسوم الجمركية إلى مخاطر الحصص التصديرية، مع احتمال دفع الشركات نحو بيع طرازات أعلى سعراً لتعويض محدودية الكميات.

وقد يزيد ذلك المنافسة مع العلامات الألمانية الفاخرة، خصوصاً إذا ركزت الشركات الصينية على السيارات ذات الهوامش الربحية الأعلى.

ويرى محللو «سيتي» أن الاتفاق يخفف بعض المخاطر التجارية، لكن أثره النهائي سيعتمد على القواعد التنفيذية المتعلقة بحجم الواردات والأسعار والاستثناءات.

وفي المقابل، يتوقع خبراء تسارع استثمارات الشركات الصينية في مصانع السيارات الأوروبية، لتقليل اعتمادها على الصادرات المباشرة.

وقال بيل روسو، مؤسس شركة «أوتوموبيليتي» للاستشارات في شنغهاي، إن تقييد الوصول إلى السوق عبر الواردات يجعل الإنتاج بالقرب من المستهلك الأوروبي أعلى جاذبية.

لكنه حذر بأن التصنيع المحلي يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة؛ مما قد يدفع بالشركات الصينية الصغرى إلى إعادة تقييم خطط توسعها الأوروبي.

«معرض باريس» يكشف عن شدة المنافسة

يتزامن الاتفاق مع انطلاق «معرض باريس للسيارات»، الاثنين، حيث تستعد الشركات الأوروبية والصينية للكشف عن نحو 60 طرازاً جديداً، في إحدى أبرز جولات المنافسة على المستهلِك الأوروبي.

وتشارك نحو 20 علامة صينية في المعرض، بينها «بي واي دي» و«شيري»، أي ضعف عدد المشاركين الصينيين في نسخة عام 2024.

وتشمل المشاركة علامات جديدة مثل «آيتو»، بينما تستعد «تشانغان» لتقديم علامتي «نيفو» و«أفاتر»، في مؤشر على استمرار اهتمام الشركات الصينية بالسوق الأوروبية رغم القيود التجارية.

وفي المقابل، تكثف الشركات الأوروبية جهودها لاستعادة حصصها السوقية.

وتطرح مجموعة «ستيلانتيس» 6 طرز جديدة عبر علاماتها الأوروبية، إلى جانب 9 سيارات اختبارية، في تحول ملحوظ عن مشاركاتها المحدودة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيسها التنفيذي، أنطونيو فيلوسا، أن المجموعة تعمل على إعادة ابتكار علاماتها التاريخية، بما في ذلك تطوير نسخة كهربائية يسيرة التكلفة مستوحاة من سيارة «سيتروين2CV» الشهيرة.

أما الرئيس التنفيذي لمجموعة «فولكسفاغن»، أوليفر بلومه، فرحب بالتقدم في المحادثات التجارية، لكنه شدد على ضرورة ضمان المنافسة العادلة داخل الأسواق الأوروبية.

وأكد أن الشركات التي تبيع سياراتها في أوروبا ينبغي أن تتنافس وفق شروط متكافئة، وأن تسهم في خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية محلياً.

التصنيع المحلي يصبح أولوية

تتجه الشركات الصينية بالفعل إلى توسيع حضورها الصناعي داخل أوروبا، تحسباً للقيود التجارية والتشريعات المرتقبة المتعلقة بالمحتوى المحلي.

وتعمل «المفوضية الأوروبية» على إعداد قواعد تتضمن متطلبات «صنع في أوروبا»، وقد تشترط نسباً محددة من المكونات والإنتاج المحلي للحصول على فرص أوسع لدخول السوق.

وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت «جيلي أوتو» خططاً لإنتاج سيارات رياضية متعددة الاستخدامات كهربائية في مصنع تابع لشركة «فورد» بإسبانيا.

كما أكد رئيسها التنفيذي، أليكس نان، التزام الشركة تعزيز وجودها الأوروبي وتوسيع شراكتها مع «رينو» الفرنسية.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية متنامية بعدما تراجعت مبيعات السيارات في الصين بنسبة 20 في المائة خلال النصف الأول من عام 2026، وسط منافسة سعرية حادة وضغوط على أرباح الشركات.

ومع صعوبة دخول السوق الأميركية، أصبحت أوروبا الوجهة الخارجية الرئيسية لصانعي السيارات الصينيين.

مرحلة جديدة لصناعة السيارات

يفتح الاتفاق الأوروبي - الصيني مرحلة مختلفة من المنافسة، تنتقل فيها الشركات من الاعتماد على زيادة الصادرات إلى البحث عن التوازن بين الحصص التجارية، والتصنيع المحلي، وتطوير الطرازات الأعلى قيمة.

وبينما تسعى «بروكسل» إلى حماية الصناعة والوظائف الأوروبية، تحاول بكين ضمان استمرار وصول شركاتها إلى إحدى أهم الأسواق العالمية.

وقد يخفف الاتفاق احتمالات اندلاع مواجهة جمركية أوسع، لكنه لن ينهي المنافسة المتصاعدة بين الجانبين.

وستحدد التفاصيل التنفيذية المنتظرة، إلى جانب قدرة الشركات الصينية على توسيع إنتاجها داخل أوروبا، حجم التأثير الفعلي للحصص الجديدة في الأسعار والمبيعات والاستثمارات.

وفي ظل التحولات المتسارعة لصناعة السيارات العالمية، يبدو أن مستقبل المنافسة لن يتحدد فقط بالتكنولوجيا والأسعار، بل أيضاً بمواقع المصانع، وقواعد التجارة، والقدرة على التكيف مع السياسات الصناعية الأوروبية.