السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين

معارضته لحزمة إعادة البناء تهدد بإفشال بايدن وأجندة حزبه

السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين
TT

السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين

السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين

قد لا يكون السيناتور الديمقراطي الأميركي جوزيف مانشين، أحد أشهر السياسيين في حزبه، إلا أن نتائج انتخابات عام 2020 التي مكّنت الديمقراطيين من الحصول على 50 مقعداً في مجلس الشيوخ، ليمنحهم صوت نائبة الرئيس كمالا هاريس الصوت المرجّح، في أي تصويت أساسي، حوّلت هذا السيناتور المغمور سابقاً إلى واحد من أكبر اللاعبين في حلبة الصراع السياسي والحزبي المفتوحة على مصراعيها اليوم في الولايات المتحدة.
الرجل الذي يمثل ولاية ويست فيرجينيا هو أحد أبرز «المحافظين» الديمقراطيين. كيف لا، وولايته اليوم هي إحدى أكثر الولايات الأميركية ولاء للجمهوريين، وللمحافظين المتشددين منهم على وجه الخصوص. وكما يطلق على جمهوريّي ولاية كاليفورنيا بأنهم «جمهوريون في الاسم فقط»، لليبراليتهم المتماشية مع مزاج ناخبي أكبر ولاية أميركية، يطلق على مانشين أنه «ديمقراطي في الاسم أيضاً» لمواقفه المحافظة المتشددة في كثير من القضايا. وهو حقاً تحول اليوم إلى العقبة الكأداء أمام تمرير أجندة الرئيس جو بايدن نفسه، وليس فقط أجندة الليبراليين التقدميين في الحزب الديمقراطي، اقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من إشادته به، معتبراً «أن انتخابه كان خياراً ضرورياً لأميركا في هذه الفترة».

في المناوشات الشرسة بين السيناتور جو مانشين، وليبراليّي الحزب الديمقراطي و«تقدميّيه»، حول حجم أجندتهم وشكلها، نراه يحذّر من أن «اليسار سيقود الأمة إلى الاعتماد على الحكومة، بشكل يؤدي إلى تعطيل تقدم البلاد». وفي تعليقات أخيرة له، قال مانشين: «لقد كنت واضحاً جداً عندما يتعلق الأمر بمن نحن كمجتمع، ومن نحن كأمة... لا أعتقد أنه يجب علينا تحويل مجتمعنا إلى مجتمع نفعي أو استحقاقي». قوله هذا، تحوّل إلى صرخة يستخدمها الجمهوريون أيضاً، للترويج لاعتراضهم على دور الحكومة وحجمها ومسؤولياتها، إبّان «معركتهم» لتقليص حزمة الإنفاق الداخلي (3.5 تريليون دولار) التي قدمها الديمقراطيون، إلى أقل من نصف حجمها. وهي الحزمة التي تمثل أفضل فرصة أمام الرئيس جو بايدن لسنّ تشريعات أساسية قبل منتصف عهده عام 2022. وتابع مانشين، إنه بينما تتحمل الحكومة «مسؤولية أخلاقية لرعاية أولئك الذين لا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم... يجب أن تكون شريكتهم، وليس مقدِّم الخدمة». وأضاف: «عندما تكون الصناعة الخاصة مستعدة وقادرة على التدخل، يجب على الحكومة أن تتراجع، علينا فقط موازنة الأمور». وفي حين استمرت الأسئلة المحيطة بالفاتورة النهائية للحزمة، وعمّا إذا كانت إدارة بايدن ستنجح في التوصل إلى اتفاق قبل مغادرته إلى قمتي المناخ ومجموعة العشرين في إيطاليا وغلاسكو في المملكة المتحدة، أكد مانشين أنه يريد أن تكون في حدود 1.5 تريليون دولار، مشيعاً أجواء إيجابية عن قرب الاتفاق مع أعضاء حزبه، بعد اجتماعه ببايدن وبرئيس الغالبية في مجلس الشيوخ السيناتور تشارلز (تشاك) شومر. وفي المقابل، يواصل القادة الديمقراطيون الضغط لجعلها بقيمة تريليوني دولار، بعدما قبلوا بخفضها بالفعل من 3.5 تريليون دولار. وللعلم، نجحت اعتراضات مانشين بالفعل في حذف البنود المتعلقة بإطار عمل الغرامات لمرفق الطاقة، المعروف باسم برنامج أداء الكهرباء النظيفة، فضلاً عن أحكام مناخية أخرى، بما في ذلك الضريبة على غاز الميثان. واستبعد فوائد الرعاية الطبية الموسعة، وهي إحدى أولويات السيناتور اليساري بيرني ساندرز، رئيس لجنة الميزانية في مجلس الشيوخ، محذراً من أنها تقوض ملاءة برنامج الصحة لكبار السن، المعروف باسم «ميديكير».

- ديمقراطي في ولاية محافظة
جوزيف مانشين الثالث - وهذا هو اسمه الكامل - سياسي في الحزب الديمقراطي، ورجل أعمال شغل منصب عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ويست فرجينيا منذ 2010، وقبلها شغل منصب الحاكم الـ34 للولاية من عام 2005 إلى 2010، وأمينها الـ27 من 2001 إلى 2005. وكان قد أسس شركة سمسرة لإنتاج الفحم، يمتلك فيها 1.5 مليون دولار من الأسهم الخاصة.
يُعرّف مانشين نفسه بأنه «ديمقراطي محافظ معتدل»، وغالباً ما يوصف أنه أكثر الديمقراطيين «يمينية» في مجلس الشيوخ. ورغم تحول ويست فيرجينيا إلى واحدة من أكثر الولايات «جمهورية» في البلاد، حافظ مانشين على موقعه فيها، وفاز في انتخابات حاكم الولاية عام 2004 بهامش كبير، وأعيد انتخابه بهامش أكبر عام 2008، مع أن المرشحين الجمهوريين الرئاسيين في كلا العامين، جورج بوش الابن وجون ماكين، فازا في الولاية بهامش مريح أيضاً على آل غور وباراك أوباما. وفي الانتخابات الخاصة التي أجريت عام 2010 لملء مقعد مجلس الشيوخ الذي شغر بوفاة السيناتور الديمقراطي المخضرم روبرت بيرد، فاز مانشين بنسبة 54 في المائة من الأصوات، ليعاد انتخابه لفترة ولاية كاملة عام 2012 بنسبة 61 في المائة من الأصوات. وأعيد انتخابه عام 2018 بأقل من 50 في المائة من الأصوات، حين تحوّلت ولاية ويست فيرجينيا إلى «ولاية متحزبة» بشكل متزايد. وعند تقاعد السيناتور الديمقراطي جاي روكفلر عام 2015، أصبح مانشين السيناتور الأقدم في الولاية.
على صعيد آخر، منذ انتخابه يُعرف مانشين بدعمه لتعاون الحزبين أو التصويت والعمل مع الجمهوريين في قضايا، مثل الإجهاض وملكية الأسلحة. وفي مقابلة له مع صحيفة «النيويورك تايمز» عام 2014، قال مانشين إن علاقته بالرئيس (آنذاك) باراك أوباما «غير موجودة إلى حد ما»، وكان من أشد المعارضين لسياساته في الطاقة، بما في ذلك التخفيضات والقيود المفروضة على تعدين الفحم. وأدى قَسمه الأول في مجلس الشيوخ الأميركي أمام نائب الرئيس (آنذاك) جو بايدن في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، خلفاً للسيناتور المؤقت كارت غودوين، وصوّت ضد قانون «لا تسأل، لا تخبر» الخاص بالمثليين في القوات الأميركية، عام 2010، وصوّت على إزالة دعم التمويل الفيدرالي لتنظيم الأسرة في عام 2015.

- داعم لترمب ومعارض له
وفقاً لموقع «فايف ثيرتي آيت»، الذي يتتبع أصوات أعضاء الكونغرس، صوّت مانشين لصالح ترمب بنسبة 50.4 في المائة من الوقت إبان فترة رئاسته. وأيّد سياساته في الهجرة كما صوّت لتثبيت معظم أعضاء إدارته والقضاة الذين عينهم في المحكمة العليا، بما في ذلك القاضي بريت كافانوه. ولقد رحب مانشين في البداية برئاسة ترمب، قائلاً: «سيصحح سياسات التداول، وانعدام التوازن في سياساتنا التجارية، الذي هو أمر فظيع». كذلك أيّد فكرة ترمب «لدعوة الشركات ومنعها من نقل المصانع إلى الخارج». وكان الديمقراطي الوحيد الذي صوّت لتثبيت تعيين وزير العدل جيف سيشنز ووزير الخزانة ستيفن منوشين، وواحداً من اثنين من الديمقراطيين صوّتا لتثبيت سكوت برويت مديراً لوكالة حماية البيئة، المعارض لسياسات المناخ الديمقراطية، وواحداً من 3 ديمقراطيين صوّتوا لتأكيد ريكس تيلرسون، الآتي من شركة «إكسون موبيل»، كأول وزير خارجية في عهد ترمب. لكنه في المقابل صوّت مراراً ضد محاولات إلغاء قانون الرعاية الميسرة «أوباما كير»، وصوّت للحفاظ على تمويل تنظيم الأسرة في عام 2017، وضد التخفيضات الضريبية وقانون الوظائف لعام 2017. ورغم تعيين المحافظة إيمي باريت قاضية في المحكمة العليا في نهاية المطاف، فإن مانشين صوت ضدها، بسبب قرب موعد الانتخابات الرئاسية قبل أقل من شهر، وهي الحجة نفسها التي استخدمها الجمهوريون إبان سيطرتهم على مجلس الشيوخ، مانعين أوباما من تعيين قاضٍ قبل أكثر من 8 أشهر على موعد الانتخابات. كما أنه صوت لإدانة ترمب في محاولتي عزله، وأدان تحريضه لمناصريه في أحداث 6 يناير (كانون الثاني) واقتحام مبنى الكابيتول. ووفقاً للموقع نفسه، صوّت مانشين لصالح بايدن بنسبة 100 في المائة اعتباراً من مايو (أيار) 2021. ولكن بعد انتخابات 2020، أصبح تصويته في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون بنسبة 50 - 50 متأرجحاً. وجعلته هذه الغالبية الهامشية للحزب الديمقراطي في الكونغرس الحالي أحد أكثر أعضائه تأثيراً.

- عدو «التقدميين» اللدود
يعتبر جو مانشين أحد أبرز المعارضين للسياسات الداخلية للجناح التقدمي في حزبه، بما في ذلك الرعاية الطبية للجميع، وإلغاء التعطيل (الفيليباستر) في مجلس الشيوخ، وزيادة عدد القضاة في المحكمة العليا، وزيادة الحد الأدنى للأجور الفيدرالية إلى 15 دولاراً في الساعة، ومحاولات إلغاء تمويل الشرطة. ويُعدّ مانشين أيضاً من بين أكثر الأعضاء الديمقراطيين تأييداً لسياسة الانعزال، إذ كان من أكثر الداعين لسحب القوات الأميركية من أفغانستان، وعارض معظم التدخلات العسكرية في سوريا. وفي يونيو (حزيران) 2011 ألقى خطاباً في مجلس الشيوخ دعا فيه إلى «خفض كبير ومسؤول للوجود العسكري للولايات المتحدة في أفغانستان». وقال: «لم نعد قادرين على إعادة بناء أفغانستان وأميركا. يجب أن نختار. وأنا أخترت أميركا». وفي بداية عام 2014 أدلى بتصريحات مماثلة، قائلاً إن «كل المال وكل القوة العسكرية في العالم لن تغيّر ذلك الجزء من العالم».

- مواقفه من سوريا
وفي أعقاب الهجوم الكيماوي على منطقة الغوطة في ضواحي دمشق في أغسطس (آب) 2013، قال مانشين: «لا شك في وقوع هجوم، وليس هناك شك في أنه تم تدبيره من نظام الأسد، لكن ليس من الواضح ما إذا كان الأسد قد أصدر الأمر بنفسه. لم يثبت ذلك». وعارض أي ضربات على الحكومة السورية انتقاماً منها. وبدلاً من ذلك، قدّم مشروع قرار مع السيناتورة الديمقراطية هايدي هايتكامب، يطالب أوباما بوضع استراتيجية طويلة الأمد بشأن سوريا والعمل دبلوماسياً لضمان تدمير الأسلحة الكيميائية السورية.
وفي سبتمبر (أيلول) 2014 أعلن مانشين أنه سيصوّت ضد قرار محتمل في مجلس الشيوخ لتسليح مقاتلي المعارضة السورية. وأشار إلى الخطط التي تدعو إلى نشر قوات برّية في سوريا، والتي اقترحها بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بما في ذلك ليندسي غراهام، على أنها «جنون». غير أنه أيد الضربة الصاروخية على مطار الشعيرات عام 2017 التي نفّذت بأمر من ترمب رداً على هجوم كيميائي. وقال إن الضربة «كانت رسالة مهمة إلى النظام السوري وداعميه الروس أنه لا تسامح مع هذه الأعمال المروّعة».

- مانشين... بطاقة هوية
وُلد مانشين عام 1947 في عائلة كاثوليكية في فارمينغتون، وهي بلدة صغيرة بولاية ويست فيرجينيا، معروفة بتعدين الفحم الحجري. وهو الثاني من بين 5 إخوة من والديه؛ ماري، وجون مانشين.
اسم «مانشين» مشتقّ من اسم العائلة الإيطالي الأصلي «مانشيني»، فوالده إيطالي الأصل، وأجداده لأمه من المهاجرين التشيكوسلوفاكيين. ولقد امتلك والد مانشين متجراً للسجاد والأثاث، وكان جده جوزيف يمتلك محل بقالة. بل شغل والده وجده منصب عمدة فارمينغتون، وكان عمّه أنطونيو عضواً في مجلس مندوبي ويست فيرجينيا، ولاحقاً أميناً لخزانتها.
تخرّج في مدرسة فارمينغتون الثانوية عام 1965، والتحق بجامعة ويست فيرجينيا بفضل منحة دراسية لكرة القدم في ذلك العام، لكنه أصيب أثناء التدريب ما أنهى مسيرته الكروية، وتخرج عام 1970 بدرجة في إدارة الأعمال، وعمل في شركة عائلته.
عائلياً، تزوّج عام 1967 من غايل هيذر كونيل وأنجبا 3 أولاد؛ هيذر مانشين بريش (التي كانت الرئيسة التنفيذية لشركة الأدوية الهولندية «ميلان» ومقرّها هولندا) وجوزيف وبروك، وهو عضو في الجمعية الوطنية للبنادق (التي هي أكبر لوبي للسلاح الفردي) كما أنه طيار مرخّص.
أسس مانشين شركة سمسرة للفحم عام 1988، وساعد في إدارتها قبل أن يصبح سياسياً متفرغاً في أعقاب انتخابه أميناً للولاية عام 2000، ويومذاك سلّم إدارة شركته «إينيرجي سيستمس» لابنه جوزيف، ولدى إفصاحه عن ثروته عام 2020، أفاد أن أسهمه غير العامة في الشركة، كانت تتراوح بين مليون و5 ملايين دولار. مع العلم أن له استثمارات أخرى في مشروعات عقارية وفنادق في الولاية. واعتباراً من عام 2018، كان صافي ثروته أكثر من 7.6 مليون دولار، وفقاً لموقع «أوبن سيكريتس دوت أورغ».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.