المخرج هادي زكّاك يرفع الستار عن «العرض الأخير» لسينما طرابلس

كتاب وفيلم يطاردان مائة سنة من حياة عاصمة لبنان الثانية

سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان
سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان
TT

المخرج هادي زكّاك يرفع الستار عن «العرض الأخير» لسينما طرابلس

سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان
سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان

سريعاً أجهزت المعاول بعد انتهاء الحرب الأهلية، على صالات السينما في بيروت. كان المخرج والباحث اللبناني هادي زكّاك يسابق العدم، وهو يبحث عما تبقى من صالات ليؤرشف ويصور ويوقف الزمن، فيسبقه الخراب. عام 2014 طلبت منه صحافية ألمانية - فرنسية مرافقتها في جولة على سينمات طرابلس، ليكتشف هناك، كماً هائلاً من الصالات المقفلة، التي تمتد من ساحة التل وسط المدينة إلى باب التبانة وساحة النجمة وصولاً إلى الميناء. بعدها بثلاث سنوات، كان مشروعاً قد تبلور، وهو إعادة تركيب مسار المدينة الحديث من خلال قراءة حياة هذه الصالات، في صعودها، وهبوطها قبل توقفها الكلي. خلال فترة التجوال والبحث التي قام بها زكّاك، كانت بعض الصالات، تختفي من الوجود. عرف بأن عليه أن يسرع، لأن الهدم أسرع. بين أن يجمع المعلومات في كتاب أو يشهر كاميرته وهو المعروف بأفلامه الوثائقية، ويصور هذا التراث المهدد في أي لحظة بالزوال، قرر أن يضرب عصفورين بالحجر نفسه. فأصدر كتاب «العرض الأخير، سيرة سيلما طرابلس» - هكذا يلفظ الطرابلسيون «سينما»، أما الفيلم فهو في طور التحضير.
بصفحاته التي تفوق 600 وأكثر من 700 صورة، يبدو الكتاب موسوعة توثيقية لحياة مدينة عربية نموذجية طوال قرن في ظل السينما. أرشفة دقيقة، عميقة، لمرحلة تاريخية مفصلية، وما رافقها من تحولات سياسية واجتماعية طالت طرابلس، من خلال رصد العلاقة الوطيدة بين الناس وما فعله بهم الفن السابع. عمل زكّاك في كل الاتجاهات، بحث في الكتب، قرأ مذكرات لطرابلسيين، نبش في أرشيف صحف محلية، أجرى مقابلات مع شبان وطاعنين في السن، كشهود عيان، زار صالات العرض المهجورة، تقصى تاريخها وملكياتها وما استجرته من مشكلات.
حين نسأل المخرج هادي زكّاك عن سبب عنونة كتابه بـ«العرض الأخير»، يقول إن «كل شي يوشك أن يموت، لذلك نبدو كأننا في العرض الأخير على كل المستويات». والأشياء بين المدن متشابهة إلى حد بعيد، «طرابلس نموذج عن كثير من المدن العربية، القصص نفسها يمكن أن نسمعها، موجة الأفلام نفسها مرّت على الصالات، التقاليد متشابهة، وكذلك الدمار والحروب كما في سوريا والعراق وغيرها. من هنا تأتي أهمية العمل على تفاصيل مرت بها مدينة لبنانية مثل طرابلس».
ثمة صالات اختفت وهدمت مثل «ريفولي» التي تمكن زكّاك من تصويرها قبل الإجهاز عليها، وأخرى تحولت إلى محال تجارية، ومخازن، ومستودعات، أو تركت نهباً للغبار وخيوط العنكبوت.
هادي زكّاك، المخرج والأستاذ الجامعي، الذي ولد قبل سنة من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، جاء غريباً على مدينة لا يعرفها، ليكتب عن مرحلة لم يشهدها، أصغى كثيراً، عقد صداقات، سار أياماً في الشوارع لاكتشاف الأماكن. تجاوب الناس كان جزءاً أساسياً من نجاح العمل. «الموضوع متشعب» يقول زكّاك لـ«الشرق الأوسط»: «كان لا بد من منهجية صارمة وعسكرية، كي لا تتشتت الأفكار. عملت على تقسيم المناطق جغرافياً، واشتغلت على منطقة تلو أخرى. هكذا كان يمكنني أن أحدد عدد الصالات، وعدد الأشخاص الذين أستجوبهم، وبدت الصورة أوضح».
لكن لم تكن الأمور سهلة ولا الشهادات موثوقة. «أزعجتني المبالغة في تجميل الماضي عند الشهود المتحدثين. الذاكرة الشفهية لا تؤتمن. ذهبت إلى أرشيف جريدة الإنشاء المحلية لأتمكن من ربط الوقائع، وتصحيح ما أفلت مني، واكتشفت تفاصيل لا تخطر على بال».
تمكن الكتاب من رصد 40 صالة في المدينة، وتتبع مسارها. وهي ليست صنفاً واحداً، ولم تعِش حيوات متشابهة، كما أن أقدارها تغيرت صعوداً وهبوطاً.
بعض الصالات ألصقت بها نوعية معينة من الأفلام، فباتت سيئة السمعة وأخرى 5 نجوم. «ما لا يعرفه الناس أن شركات الإنتاج هي التي كانت توزع أنواعاً مختلفة من الأفلام وتخص بها الصالات. بعض الصالات تصعد فتصبح نجمة ثم تأفل، وتبرز غيرها. لم تلفتني الصالات الكبرى المعروفة بقدر ما وجدت نفسي مهتماً، بتلك التي كانت في الأحياء الشعبية مثل (الشرق) و(الكواكب) وصالات منطقة الميناء، حيث كان انتشارها كثيفاً». سار زكاك كثيراً على قدميه ليكتشف ويتحسس نبص الحياة. نام في طرابلس، ليصحو في اليوم الثاني إلى جانب دار سينما تبعد عنه خطوات. «فهمت من هذه التجربة، فكرة أن يقطن الشخص بقرب سينما ويرتادها كأنه يدخل بيت الجيران، أو أن تسأل عن سينما (دنيا) التي كانت شهيرة ذات يوم، فلا يعرف أحد إن كانت قد وجدت أصلاً، أم لا. المفاجأة كانت في حجم بعض الصالات وكبرها، وهندستها كما جماليتها».
أواخر القرن التاسع عشر، بدأت حركة مسرحية في طرابلس. في الثلاثينات من القرن العشرين أخذت دور السينما تزحف صوب المدينة. في منتصف القرن، بلغ الازدهار ذروته. في الكتاب نقرأ أنه بحسب بيان صادر عن الأمن العام اللبناني في 8 مارس (آذار) 1963، فإن عدد دور السينما في طرابلس بلغ 31 داراً. حتى القرى والبلدات، عرفت الصالات والعروض ونوادي السينما التي انتشرت في طرابلس أيضاً، وناقشت الأفلام بعد عرضها، وهي تجمع المثقفين والمهتمين. جاءت الحرب الأهلية عام 1975، لتوجه ضربة كبيرة لهذا النشاط الاجتماعي المؤثر، لكن مع هدوء المعارك بعد حرب السنتين، حاول الناس استعادة حياتهم الطبيعية حتى عشية الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لكن مع دخول الجيش السوري سنة 1985 وما تلاه من معارك في طرابلس، وجهت ضربة قاسمة للسينما ولعلاقة الأهالي بها. «لا غرابة في هذه الفترة أن ينتشر نوعان من أنواع العروض، نوادي السينما التثقيفية، ونقاشاتها الجادة والعميقة إلى جانب استمرار عمل صالات تعرض أفلاماً إباحية، فيما غابت العروض اليومية المعتادة، بعد أن أغلقت الصالات أبوابها، واكتفى جمهورها الواقع تحت وطأة الحرب بأفلام الفيديو كاسيت التي غزت الدكاكين، وجاءت بديلاً مناسباً، في فترة صعبة». من عجائب الأمور أن يتحول مدخل سينما «ريفولي» بعد إغلاقها إلى متجر لبيع أفلام الفيديو. وهو ما يصفه زكّاك بأنه «نوع من الاستسلام للأمر الواقع، ومحاولة الاستمرار حتى لو اضطر من يدير السينما المهزومة للتعامل مع العدو». مع انتهاء الحرب، بدا أن الصالات القديمة لا قيامة لها، وجاءت بديلاً عنها تجمعات الصالات الحديثة، التي تسببت بقطيعة مع الجيل السابق، إذ إنه لم يرتدِ هذه الصالات وتركها للأولاد وربما الأحفاد. أما مع كورونا والانهيار الاقتصادي، فلربما كبوة جديدة، قد أصابت الصالات الجديدة التي تجد صعوبة في استعادة نشاطها.
يشعر زكّاك بأنه كان في سباق مع الوقت، ليفوز بآخر الشهود على تلك المرحلة الذهبية للسينما. «هؤلاء الذين ولدوا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، يرحلون واحدهم بعد الآخر». تماماً كما تختفي الصالات التي ذهب يصورها ويتعقب سيرتها. «أغرب ما في الأمر، أنني كنت أزور أناساً في بيوتهم يعيشون قرب صالات قديمة، لأستمع لذكرياتهم معها، فيسألونني هم إن كانت هذه الصالات لا تزال تعمل. كأنه عالم انقطعوا عنه بالكامل، وإن كانوا جغرافياً على التصاق به».
جال زكاك الصالات واحدة واحدة، استمع إلى حكاياتها ممن عرفوها. المهمة أصعب مما يتصور البعض. «الدخول إلى هذه المباني التي هجرت وأغلقها أصحابها، دونها عقبات، منها من لا تجد من يفتحها لك، بعضها معروض للبيع أو الإيجار، بعض آخر معلّق بمشاكل عقارية أو ضريبة، ومنها ما هي مرتبطة بجهة سياسية، أحياناً كنا بحاجة لإزالة حائط كي نعبر إلى الصالة. الدخول إلى هذه الأماكن يفتح الباب على مشكلات تشبه ما تعاني منه المدينة نفسها، لنكتشف كم أن الأمور معقدة ومتعفنة. نحن نتحدث عن دور لم يدخل إليها أحد، منذ عشرين أو ثلاثين سنة، تعاني من تسربات صرف صحي، أو تكاثر الجرذان، لهذا حين يفتح الباب يأتي السكان ليكتشفوا ويستعيدوا الذاكرة».
يتحدث الكتاب عن السينما كامتداد لليومي، كجزء من الحركة الحياتية. كأنما صالات العرض هي امتداد لما هو خارجها. التقاليد المحافظة في طرابلس لم تمنع النساء من ارتيادها أفواجاً مع أولادهن ومن دون صحبة الرجال. وحين يعزم الخطيب خطيبته، لا بد أن يصطحب معها عائلتها. أما العيد فمناسبة إضافية للاحتفاء بالأفلام. يقول زكاك: «ظهر معارضون، يريدون تحطيم البوسترات، لكن السينما هي التي فازت في النهاية. حتى حينما اعترض الطلاب على ارتفاع التسعيرة، تمكنوا من انتزاع حقهم في بطاقات دخول مخفضة، بعد تظاهرات واحتجاجات».
الكتاب شهادة على ما كان لمدينة طرابلس من أهمية في تلك الفترات الذهبية، يروي الكاتب: «إن نجوماً كباراً كان يأتون لمواكبة أفلامهم ولقاء الجمهور. عبد الحليم حافظ أحد هؤلاء، فقد أتى أكثر من مرة، إحداها كان إلى سينما (بلس) بمناسبة عرض فيلم (أبي فوق الشجرة). أما المغنون فكانت طرابلس على خريطة جولاتهم، يقيمون حفلاتهم فيها قبل الذهاب إلى حلب ودمشق، ومن بينهم أم كلثوم التي غنت في مسرح (الإنجا)، وهو بدوره زال من الوجود، من فترة ليست ببعيدة».
الكتاب التوثيقي الأنيق، صار بين أيدينا إذن، فيما العمل جارٍ على الفيلم الذي قد يحمل عنوان الكتاب نفسه. فالمخرج المفتون بالذاكرة والأرشفة وأنجز 20 فيلماً وثائقياً أبرزها «يا عمري» و«مرسيدس»، مشغول هذه الأيام، بالتركيب السردي، واستكمال نواقص فيلمه الجديد.
يقول زكّاك: «أزور مدناً عربية، وأكتشف سينماتها، وأرى أنها تتشارك الكثير فيما بينها. في الجزائر وفي عمان رأيت هذا وفي مدن عديدة أخرى. الهندسة الداخلية، والإهمال الطويل، والهجر، ورائحة الرطوبة التي نشتمها في سينماتنا القديمة، هي ذاتها».
أما لماذا طرابلس، وكيف وجد فيها زكّاك بدلاً عن ضائع؟ فلأنها «نجت من التدمير السريع بسبب الإهمال واللامبالاة، وهو ما أبطأ الهدم والتخريب. كل التركيز كان على إعمار بيروت، ذاك ما جنى عليها، وحرمها صالاتها، وأشياء أخرى».



بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية


«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير
TT

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية، وقالب فني يميل للتجريب، وطرق آفاق سردية جديدة، عبر أمثولات وقضايا كبرى أهمها فكرة «العدالة» كوسيط قيمي يضمن سلام العالم وسكينة البشر.

تبدو فكرة العدالة جلية منذ الوهلة الأولى، ففي مطلع الرواية هناك شخص يخضع للمحاكمة، ثم نكتشف أن هذا الشخص هو قائد جماعة اسمها «العدالة الناجزة» تأسست للانتقام من السادة والنبلاء الذين تصدر ضدهم أحكام ولا يستطيع أحد تنفيذها خوفاً من نفوذهم.

رواية «النبي الصغير» الصادرة أخيراً عن «مكتبة ديوان» بالقاهرة في جزأين يضمان أكثر من ألف صفحة تضعنا أمام عوالم شتى، يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري، واليومي بالملحمي، والخاص بالعام، حيث تتداخل الشخصيات الرئيسية لتصنع ما يمكن اعتباره لوحة موزاييك بشرية في «مملكة رإدمان – مملكة الشمس» التي صنعها توراي الأعظم وقسمها على رغيف خبز، منطلقاً من إجابته عن سؤال بسيط: ما الذي يلزمني لإنشاء مملكة؟ وتأتيه الإجابة من داخل عقله: مال وجند وفكرة.

وبعد عقود من رخاء المملكة يظهر «كال» الفتى الصغير المليح القادم من الصحراء. لا يطرق باب أحد في عمل إلا ويجده مفتوحاً. وهكذا عمل في جبال الملح مع شغيلة المملكة وقوة اقتصادها الضاربة، عمل في الأسواق وفي الحمامات، ليأتي اليوم الذي يقرر فيه أنه نبي. وأنه يجب أن يعلن دعوته ويضم إليه الأتباع والأعوان لإطاعة أوامر السماء وفي الوقت نفسه تحقيق العدالة للمقهورين والمظلومين في الأرض، أو على الأقل في الفئات التي عاش بينها.

العالم المتخيل أو المملكة التي اختارها الكاتب مسرحاً للأحداث ملامحها محددة. فهي مساحة ممتدة تحيطها جبال وصحارٍ وغابات، وفي وسطها مدينة «توراي ديما» بها نادٍ وسوق، وحانة الذئاب وقاعة مخصصة للطبيب جميان وبيت الحب وجدار الأخبار «وسيلة الإعلام»، وحي السحرة وحمام القزم أبّا وعالم الأقزام عموماً، وبنات الهوى وفتيات العائلات الكبرى الجميلات كلها تتداخل في قصص وحكايات بتقنيات سردية متنوعة، أغلبها تعتمد على الراوي العليم، وبعضها ينطوي على تعدد الأصوات في الحكاية، مع اختيار «نظرة الطائر» كتقنية تصويرية بانورامية كاشفة للعالم الروائي.

يبدأ «النبي الصغير – كال» فكرته من انتباهه لعدم وجود دين محدد في المدينة، فبها عشرات اللغات وعشرات المعتقدات، وينطلق عن قناعة بضرورة نشر دين جديد يدعو للحق والعدل وغيرها من القيم التي ربما افتقر إليها مجتمع المدينة كلما توغّل في المدنية.

يبدأ «كال» دعوته من لقاءات بأشخاص عرفوا بالزهد والتصوف، حتى أن أحدهم كان نبياً وتخلى عن رسالته، بعد مناوشات وحروب وسفك دماء. وحين يناقشه «كال» يخبره أن الإنسان يموت ثم يحيا ثم يموت ثم يحيا إلى أن يجد الخلاص فيعيش في حياة أبدية كلها سعادة وهناء.

وحين يلتقي «كال» مجموعة الزهاد يدخل في حوار مع كبيرهم الذي يسأله عن أسمى القيم؛ فيرد «كال» دون تفكير: «العدل»، فيخبره كبير الزهاد أنه لو كان العدل هو القيمة الأسمى لما خلق الله الدنيا، ويؤكد له «كال» أن العدل قد يغيب عن الدنيا لكن علينا أن نعيده. فيرد عليه الرجل: «لو أعدنا العدل قضينا على الدنيا»، ويستطرد شارحاً الأمر: «إن كل ما تراه حولك، كل زراعة وصناعة وتجارة، كل علم وفن وابتكار، كل ذلك ما كان لينهض من دون مظلمة بعد مظلمة»، مؤكداً في النهاية أن العالم يدور وفقاً للنظام لا العدل.

لا يخلو السرد من مخاتلات تسحب القارئ تدريجياً لعوالم مختلفة وتتركه يتفحص جوهر هذه العوالم بكل ما تحتويه من سحر الأساطير وملاحة الأحلام وفداحة الواقع. ففي مملكة «رإدمان» التي قامت على أفكار القوة والوحدة والعلم والعدل، هناك خلل بدا واضحاً في بنيتها، يكشفه هذا الفتى الغريب الذي كاد يقسمها نصفين.

تقدم رواية «النبي الصغير» واحداً من أكثر العوالم المتخيلة طموحاً في السرد العربي المعاصر، عالم تتقاطع فيه مصائر عشرات الشخصيات في لحظة فارقة، تكشف علاقاتهم المتشابكة عن أكثر رغبات البشر جموحاً، وفي هذه الشبكة المعقدة من العلاقات التي تتمسرح في قاعات العلم وساحات القضاء والأسواق والقصور والمعابد ومعسكرات الجند ومجالس السمر ومناجم الملح، تتداعى التساؤلات التي تشي باختلاط اليقين بالشك والحياة اليومية بالمصائر الكبرى.

يستخدم الكاتب تقنيات تنتمي لفنون أخرى بخلاف فن الرواية إمعاناً في التجريب عبر ملحمته السردية. من بينها ما يسمى كسر الجدار الرابع، أو إزالة الحواجز بين العالم الفني والمتلقي، ليناقش القارئ في مسألة بداية الحكاية. كيف تتوالد الحكايات وتخرج الحكاية من رحم حكاية وكأننا في دائرة سحرية من الحكي الذي لا تتحدد بدايته أو نهايته، أو كأننا في «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها الساحرة.

يطمح «النبي الصغير» في النهاية لتكريس فكرة العدل التي لا تتحقق إلا بالحروب والمواجهات التي يخوضها أتباعه بقيادة «تايشي» القائد السابق لجماعة «العدالة الناجزة». ولكن هل يتحقق العدل؟ يظل السؤال مطروحاً في نهاية مفتوحة على نبي جديد آخر يتحدث عنه أحد الرواة، لتنتهي الرواية بطابعها الملحمي، وتداخل الأساطير والخيال مع الواقع والتاريخ.


«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)

من أحلام التغيير إلى مرارة المنفى، ومن جاذبية باريس بوصفها عاصمة للحرية والثقافة إلى ثقل الحنين إلى الوطن، يعود الروائي المغربي أحمد المديني في روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون» إلى مرحلة من التاريخ المغربي والعربي، حين كانت العاصمة الفرنسية ملتقى للمثقفين والكتاب والمناضلين السياسيين، وملاذاً لمن دفعتهم ظروف بلادهم إلى البحث عن حياة أخرى.

لكن باريس التي استقبلت أحلامهم لم تمنحهم بالضرورة ما كانوا يبحثون عنه. فبين مقاهيها وشوارعها وأحيائها، عاش هؤلاء تجارب متباينة، جمعت الأمل بالخيبة، والحرية بالعزلة، والانتماء إلى ثقافة جديدة باستمرار الارتباط بالوطن.

هذه التجربة، بما تنطوي عليه من تناقضات إنسانية وسياسية، تشكل مادة الرواية التي احتفى بها موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته السابعة والأربعين، خلال حفل توقيع احتضنه رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، الخميس، بحضور مثقفين ونقاد وإعلاميين وفنانين.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة لتقديم إصدار روائي، بل تحول إلى قراءة في ذاكرة جيل مغربي وعربي ارتبطت تجربته بباريس خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وفي قدرة الأدب على استعادة سير شخصيات حقيقية، وإعادة تركيبها داخل عالم تخييلي يتجاوز حدود السيرة والتوثيق.

باريس في ذاكرة المديني

في تقديمه للقاء، توقف الناقد شرف الدين ماجدولين، أستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، عند العلاقة الممتدة بين أحمد المديني وباريس، وهي علاقة تجاوزت الإقامة والعبور إلى الحضور المتكرر في تجربته الأدبية.

ورأى ماجدولين أن «الأنشوطة الباريسية» تجمع شتات ما راكمه الكاتب من نصوص وتجارب عن المدينة الفرنسية، التي شغلت جانباً من حياته ووجدانه وفكره، وأثمرت كتابات متعددة على امتداد سنوات.

ومن هنا، وصف الرواية بأنها «نص متحفي»، بالنظر إلى قدرتها على جمع الأزمنة والأمكنة والشخصيات داخل بناء سردي واحد، يستعيد ما تفرق في الذاكرة والكتابة، ويمنحه حياة أخرى في الرواية.

غلاف رواية «الأنشوطة الباريسية» (الشرق الأوسط)

وتبدو باريس، وفق هذه القراءة، أكثر من مجرد مكان تجري فيه الأحداث. إنها فضاء تتقاطع داخله حكايات المثقفين والمهاجرين والمنفيين، وتنعكس فيه تحولات المغرب والعالم العربي، بما حملته من صراعات سياسية وأسئلة الهوية والانتماء.

«أنشوطة» الاغتراب

واعتبر حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن الرواية تعيد القارئ إلى مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية، عاش خلالها مغاربة وعرب في باريس، واتخذوا منها مكاناً للإقامة والعمل والنضال السياسي والثقافي.

وقال إن المديني يعيد بناء تلك التجارب عبر سرد يمزج التوثيق بالتخييل، مستحضراً تفاصيل الحياة اليومية في المقاهي والشوارع والأحياء الباريسية، وما ارتبط بها من علاقات وصداقات وصراعات.

وأشار البطيوي إلى التحول الذي طرأ على صورة باريس في وجدان بعض المهاجرين. فالمدينة التي بدت لهم في البداية فضاءً للضوء والأمل والحرية، تحولت مع مرور السنوات إلى «أنشوطة» تشدهم إلى منفى اختياري أو قسري، وتضاعف شعورهم بالغربة والخيبة والحنين إلى الوطن.

ورأى أن قيمة الرواية لا تقف عند حدود بنائها الفني، بل تمتد إلى حفظ ذاكرة جيل عاش التوتر بين تطلعاته إلى التغيير في بلاده وواقع حياته في الخارج.

ونوّه البطيوي بلغة المديني في استعادة الشخصيات والأماكن والوقائع، وقدرته على إعادة تشكيل نماذج بشرية أدت أدواراً في مرحلة من تاريخ المغرب، قبل أن تتوارى تجارب بعضها خلف تحولات السياسة والزمن.

وأكد أن احتفاء أصيلة بهذا العمل يأتي تقديراً للمسار الأدبي الذي يواصل المديني بناءه، ولإسهام أعماله في استعادة محطات من تاريخ المغرب الحديث، ولا سيما التحولات التي عرفها منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

باريس... وشخصياتها

من جانبه، رأى الناقد نور الدين درموش أن حضور باريس في «الأنشوطة الباريسية» يمثل امتداداً لعلاقة قديمة بين المدينة وعالم أحمد المديني السردي، إذ حضرت في كتاباته السابقة بوصفها فضاءً لتجارب إنسانية وثقافية متراكمة.

وأوضح أن الكاتب بدا، من خلال هذا العمل، وكأنه يسعى إلى جمع شتات علاقته بباريس في رواية واحدة، تستوعب ما اختزنته ذاكرته من مشاهد وأسماء وتجارب على امتداد عقود.

وبحسب درموش، فإن المدينة لا تكتفي بدور الخلفية المكانية، بل تتحول إلى شخصية روائية تؤثر في مصائر المقيمين فيها، وتشارك في تشكيل علاقاتهم ومواقفهم من الحياة.

فالرواية ترصد تناقضات باريس بين نهارها وليلها، وبين ما تضج به مطاعمها وحاناتها وساحاتها من ألفة ومرح، وما يعتمل في نفوس شخصياتها من قلق ووحدة واغتراب.

واعتبر درموش أن العمل يمثل شهادة وفاء لمغاربة عاشوا بعيداً عن بلادهم، وظل الحنين إلى الوطن حاضراً في حياتهم، مهما طالت إقامتهم في فرنسا.

وتوقف عند شخصية محمد باهي، التي تحتل موقعاً محورياً في الرواية، باعتبارها إحدى الشخصيات التي تتكثف من خلالها تجربة ذلك الجيل، وما عرفه من ارتباط بالصحافة والسياسة والمنفى.

سيرة صحافي

أما أحمد المديني، فقد كشف خلال اللقاء عن جانب من البناء الحكائي لروايته، موضحاً أنها تنطلق من سيرة صحافي مغربي يقرر مغادرة بلاده بعدما أمضى سنوات في العمل بوكالة رسمية، وعاش أزمات مهنية وشخصية دفعته إلى الهجرة نحو فرنسا.

وهناك، يجد الصحافي نفسه أمام حياة جديدة، لكنه لا يستطيع الانفصال عن ماضيه، الذي يظل يلاحقه بأشخاصه وذكرياته وتجربته المهنية وما رافقها من أعباء.

ويتحول منير سرحان، الشخصية المحورية في الرواية، إلى مهاجر يعيش بين زمنين. ماضٍ مغربي لم ينتهِ، وحاضر باريسي يحاول من خلاله إعادة تشكيل حياته.

غير أن هذه المحاولة تتشابك مع علاقات والتزامات تربطه بالمغاربة المقيمين في باريس، وبعرب آخرين جمعهم المكان واختلفت ظروف هجرتهم ومواقفهم من أوطانهم.

وأوضح المديني أن منير سرحان ليس وحده في هذه التجربة، إذ تتقاطع حكايته مع شخصيات حقيقية وأخرى متخيلة، من بينها محمد باهي ومحمد خير الدين ومحمد البصري.

وأشار إلى أن حضور هذه الأسماء لا يحول الرواية إلى سجل تاريخي أو مجموعة سير، لأن الكاتب يعيد تشكيل الشخصيات والوقائع وفق مقتضيات البناء الروائي، وإن استند إلى أسماء وتواريخ ومسارات واقعية.

وتحتل شخصية محمد باهي موقعاً محورياً في هذا البناء، إذ تمتد حكايته من بداية الرواية إلى نهايتها، في مسار موازٍ لمنير سرحان، البطل والسارد، بما يمنح العمل بطولة مزدوجة تتفرع منها حكايات الشخصيات الأخرى.

ومن خلال هذه العلاقات، يبني المديني عالماً تتجاور فيه التجارب الفردية والجماعية، وتنعكس داخله أسئلة السياسة والثقافة والهجرة والهوية.

وتتحرك الأحداث أساساً في باريس، عبر وصف دقيق لجغرافيتها وأحيائها، قبل أن تمتد إلى الرباط والمغرب، في حركة سردية تعيد الشخصيات إلى جذورها، وتكشف ما تنطوي عليه تجربة الهجرة من تناقضات ومآلات.

من الطهطاوي إلى الطيب صالح..

ولم يفصل المديني روايته عن التراث الأدبي العربي الذي تناول العلاقة بين العرب والغرب، مستحضراً أعمالاً شكلت محطات في تطور هذا السؤال داخل الكتابة العربية الحديثة.

فمن «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» لرفاعة رافع الطهطاوي، إلى «أديب» لطه حسين، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وصولاً إلى «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، تتعدد صور الغرب في المخيلة العربية، وتتغير الأسئلة التي يطرحها الاحتكاك به.

وأوضح المديني أن هذه الأعمال جعلت العلاقة بين الأنا والآخر موضوعاً للتفكير في النهضة وتجديد الهوية، من خلال الفكر والأدب والفن.

لكن الرواية، كما يرى، لا تتولى تقديم إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، بل تعيد تمثيل المعضلات الإنسانية والحضارية بأدوات السرد، انطلاقاً من التجربة الحياتية والابتكار الفني.

وفي هذا السياق، تقدم «الأنشوطة الباريسية» تجربة تتداخل فيها الذاكرة الفردية بالتاريخ الجماعي، وتتحول فيها حكاية صحافي مهاجر إلى مدخل لقراءة مرحلة من تاريخ المغرب وعلاقته بفرنسا، وما رافقها من صراعات وأحلام وانكسارات.

وخلص المديني إلى أن الرواية تحمل رؤية ثقافية وحضارية تتصل بأسئلة الهوية والانتماء، وتجمع بين استيعاب الماضي وقراءة الحاضر، عبر سرد يمزج الواقعي بالتخييلي، ويستحضر قلق الإنسان العربي في عالم تتزايد فيه صعوبة الاختيارات والمصائر.

أحمد المديني... سيرة أدبية

وتكتسب هذه العودة الروائية إلى باريس دلالة إضافية بالنظر إلى سيرة صاحبها. فأحمد المديني، المولود في مدينة برشيد المغربية عام 1949، ينتمي إلى جيل من الكتاب الذين ساهموا في تطوير القصة والرواية المغربية، وجمعوا بين الإبداع الأدبي والبحث النقدي والعمل الأكاديمي.

بدأ النشر عام 1967، وأصدر مجموعته القصصية الأولى «العنف في الدماغ» عام 1971، قبل أن تتوالى أعماله في القصة والرواية والنقد وأدب الرحلة. وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون بباريس عام 1990، وهو ما يمنح علاقته بالعاصمة الفرنسية بعداً يتجاوز المشاهدة العابرة إلى تجربة معيشة ومعرفة بالمكان وثقافته.

وحضرت باريس في عدد من مؤلفاته السابقة، من بينها «باريس أبداً» و«نصيبي من باريس»، كما أصدر روايات منها «رجال الدار البيضاء» و«ممر الصفصاف» و«الطريق إلى المنافي». وصدرت أعماله الروائية الكاملة في خمسة أجزاء عام 2014.

وحاز المديني جائزة المغرب للكتاب مرتين، وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية عام 2018، وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2020 عن كتابه «مغربي في فلسطين».

أما روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون»، فقد صدرت في طبعتها الأولى عن المركز الثقافي للكتاب في فبراير (شباط) 2026، لتضيف عملاً إلى مشروعه السردي الذي تتكرر فيه أسئلة الذاكرة والهوية والمكان.

ويمكن قراءة الرواية أيضاً في سياق الأدب المغربي الذي تناول الهجرة والمنفى والعلاقة بفرنسا، لكن خصوصيتها، كما تكشف مناقشات أصيلة، تكمن في استعادة شخصيات من التاريخ الثقافي والسياسي المغربي وإدخالها في نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع بالتخييل.

فباريس التي كانت لدى أجيال من المثقفين العرب مكاناً لاكتشاف العالم والتعرف إلى أفكار الحرية والتغيير، تتحول في رواية المديني إلى موضع لمراجعة الأحلام نفسها. ومن خلال مصائر منير سرحان ومحمد باهي وشخصيات أخرى، تطرح الرواية سؤالاً يتجاوز تجربة الهجرة: ماذا يبقى من أحلام التغيير عندما يطول المنفى، ويتحول الوطن إلى ذاكرة، وتصبح العودة إليه أكثر تعقيداً من الرحيل عنه؟

ذلك هو السؤال الذي تتركه «الأنشوطة الباريسية» مفتوحاً، في رواية تستعيد جانباً من تاريخ المثقفين المغاربة والعرب في باريس، وتعيد النظر في علاقتهم بمدينة منحتهم فرصاً للحياة والكتابة والنضال، لكنها لم تستطع أن تحررهم من قلق الانتماء والحنين إلى الوطن.