المخرج هادي زكّاك يرفع الستار عن «العرض الأخير» لسينما طرابلس

كتاب وفيلم يطاردان مائة سنة من حياة عاصمة لبنان الثانية

سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان
سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان
TT

المخرج هادي زكّاك يرفع الستار عن «العرض الأخير» لسينما طرابلس

سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان
سينما «كولورادو» في طرابلس شمال لبنان

سريعاً أجهزت المعاول بعد انتهاء الحرب الأهلية، على صالات السينما في بيروت. كان المخرج والباحث اللبناني هادي زكّاك يسابق العدم، وهو يبحث عما تبقى من صالات ليؤرشف ويصور ويوقف الزمن، فيسبقه الخراب. عام 2014 طلبت منه صحافية ألمانية - فرنسية مرافقتها في جولة على سينمات طرابلس، ليكتشف هناك، كماً هائلاً من الصالات المقفلة، التي تمتد من ساحة التل وسط المدينة إلى باب التبانة وساحة النجمة وصولاً إلى الميناء. بعدها بثلاث سنوات، كان مشروعاً قد تبلور، وهو إعادة تركيب مسار المدينة الحديث من خلال قراءة حياة هذه الصالات، في صعودها، وهبوطها قبل توقفها الكلي. خلال فترة التجوال والبحث التي قام بها زكّاك، كانت بعض الصالات، تختفي من الوجود. عرف بأن عليه أن يسرع، لأن الهدم أسرع. بين أن يجمع المعلومات في كتاب أو يشهر كاميرته وهو المعروف بأفلامه الوثائقية، ويصور هذا التراث المهدد في أي لحظة بالزوال، قرر أن يضرب عصفورين بالحجر نفسه. فأصدر كتاب «العرض الأخير، سيرة سيلما طرابلس» - هكذا يلفظ الطرابلسيون «سينما»، أما الفيلم فهو في طور التحضير.
بصفحاته التي تفوق 600 وأكثر من 700 صورة، يبدو الكتاب موسوعة توثيقية لحياة مدينة عربية نموذجية طوال قرن في ظل السينما. أرشفة دقيقة، عميقة، لمرحلة تاريخية مفصلية، وما رافقها من تحولات سياسية واجتماعية طالت طرابلس، من خلال رصد العلاقة الوطيدة بين الناس وما فعله بهم الفن السابع. عمل زكّاك في كل الاتجاهات، بحث في الكتب، قرأ مذكرات لطرابلسيين، نبش في أرشيف صحف محلية، أجرى مقابلات مع شبان وطاعنين في السن، كشهود عيان، زار صالات العرض المهجورة، تقصى تاريخها وملكياتها وما استجرته من مشكلات.
حين نسأل المخرج هادي زكّاك عن سبب عنونة كتابه بـ«العرض الأخير»، يقول إن «كل شي يوشك أن يموت، لذلك نبدو كأننا في العرض الأخير على كل المستويات». والأشياء بين المدن متشابهة إلى حد بعيد، «طرابلس نموذج عن كثير من المدن العربية، القصص نفسها يمكن أن نسمعها، موجة الأفلام نفسها مرّت على الصالات، التقاليد متشابهة، وكذلك الدمار والحروب كما في سوريا والعراق وغيرها. من هنا تأتي أهمية العمل على تفاصيل مرت بها مدينة لبنانية مثل طرابلس».
ثمة صالات اختفت وهدمت مثل «ريفولي» التي تمكن زكّاك من تصويرها قبل الإجهاز عليها، وأخرى تحولت إلى محال تجارية، ومخازن، ومستودعات، أو تركت نهباً للغبار وخيوط العنكبوت.
هادي زكّاك، المخرج والأستاذ الجامعي، الذي ولد قبل سنة من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، جاء غريباً على مدينة لا يعرفها، ليكتب عن مرحلة لم يشهدها، أصغى كثيراً، عقد صداقات، سار أياماً في الشوارع لاكتشاف الأماكن. تجاوب الناس كان جزءاً أساسياً من نجاح العمل. «الموضوع متشعب» يقول زكّاك لـ«الشرق الأوسط»: «كان لا بد من منهجية صارمة وعسكرية، كي لا تتشتت الأفكار. عملت على تقسيم المناطق جغرافياً، واشتغلت على منطقة تلو أخرى. هكذا كان يمكنني أن أحدد عدد الصالات، وعدد الأشخاص الذين أستجوبهم، وبدت الصورة أوضح».
لكن لم تكن الأمور سهلة ولا الشهادات موثوقة. «أزعجتني المبالغة في تجميل الماضي عند الشهود المتحدثين. الذاكرة الشفهية لا تؤتمن. ذهبت إلى أرشيف جريدة الإنشاء المحلية لأتمكن من ربط الوقائع، وتصحيح ما أفلت مني، واكتشفت تفاصيل لا تخطر على بال».
تمكن الكتاب من رصد 40 صالة في المدينة، وتتبع مسارها. وهي ليست صنفاً واحداً، ولم تعِش حيوات متشابهة، كما أن أقدارها تغيرت صعوداً وهبوطاً.
بعض الصالات ألصقت بها نوعية معينة من الأفلام، فباتت سيئة السمعة وأخرى 5 نجوم. «ما لا يعرفه الناس أن شركات الإنتاج هي التي كانت توزع أنواعاً مختلفة من الأفلام وتخص بها الصالات. بعض الصالات تصعد فتصبح نجمة ثم تأفل، وتبرز غيرها. لم تلفتني الصالات الكبرى المعروفة بقدر ما وجدت نفسي مهتماً، بتلك التي كانت في الأحياء الشعبية مثل (الشرق) و(الكواكب) وصالات منطقة الميناء، حيث كان انتشارها كثيفاً». سار زكاك كثيراً على قدميه ليكتشف ويتحسس نبص الحياة. نام في طرابلس، ليصحو في اليوم الثاني إلى جانب دار سينما تبعد عنه خطوات. «فهمت من هذه التجربة، فكرة أن يقطن الشخص بقرب سينما ويرتادها كأنه يدخل بيت الجيران، أو أن تسأل عن سينما (دنيا) التي كانت شهيرة ذات يوم، فلا يعرف أحد إن كانت قد وجدت أصلاً، أم لا. المفاجأة كانت في حجم بعض الصالات وكبرها، وهندستها كما جماليتها».
أواخر القرن التاسع عشر، بدأت حركة مسرحية في طرابلس. في الثلاثينات من القرن العشرين أخذت دور السينما تزحف صوب المدينة. في منتصف القرن، بلغ الازدهار ذروته. في الكتاب نقرأ أنه بحسب بيان صادر عن الأمن العام اللبناني في 8 مارس (آذار) 1963، فإن عدد دور السينما في طرابلس بلغ 31 داراً. حتى القرى والبلدات، عرفت الصالات والعروض ونوادي السينما التي انتشرت في طرابلس أيضاً، وناقشت الأفلام بعد عرضها، وهي تجمع المثقفين والمهتمين. جاءت الحرب الأهلية عام 1975، لتوجه ضربة كبيرة لهذا النشاط الاجتماعي المؤثر، لكن مع هدوء المعارك بعد حرب السنتين، حاول الناس استعادة حياتهم الطبيعية حتى عشية الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لكن مع دخول الجيش السوري سنة 1985 وما تلاه من معارك في طرابلس، وجهت ضربة قاسمة للسينما ولعلاقة الأهالي بها. «لا غرابة في هذه الفترة أن ينتشر نوعان من أنواع العروض، نوادي السينما التثقيفية، ونقاشاتها الجادة والعميقة إلى جانب استمرار عمل صالات تعرض أفلاماً إباحية، فيما غابت العروض اليومية المعتادة، بعد أن أغلقت الصالات أبوابها، واكتفى جمهورها الواقع تحت وطأة الحرب بأفلام الفيديو كاسيت التي غزت الدكاكين، وجاءت بديلاً مناسباً، في فترة صعبة». من عجائب الأمور أن يتحول مدخل سينما «ريفولي» بعد إغلاقها إلى متجر لبيع أفلام الفيديو. وهو ما يصفه زكّاك بأنه «نوع من الاستسلام للأمر الواقع، ومحاولة الاستمرار حتى لو اضطر من يدير السينما المهزومة للتعامل مع العدو». مع انتهاء الحرب، بدا أن الصالات القديمة لا قيامة لها، وجاءت بديلاً عنها تجمعات الصالات الحديثة، التي تسببت بقطيعة مع الجيل السابق، إذ إنه لم يرتدِ هذه الصالات وتركها للأولاد وربما الأحفاد. أما مع كورونا والانهيار الاقتصادي، فلربما كبوة جديدة، قد أصابت الصالات الجديدة التي تجد صعوبة في استعادة نشاطها.
يشعر زكّاك بأنه كان في سباق مع الوقت، ليفوز بآخر الشهود على تلك المرحلة الذهبية للسينما. «هؤلاء الذين ولدوا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، يرحلون واحدهم بعد الآخر». تماماً كما تختفي الصالات التي ذهب يصورها ويتعقب سيرتها. «أغرب ما في الأمر، أنني كنت أزور أناساً في بيوتهم يعيشون قرب صالات قديمة، لأستمع لذكرياتهم معها، فيسألونني هم إن كانت هذه الصالات لا تزال تعمل. كأنه عالم انقطعوا عنه بالكامل، وإن كانوا جغرافياً على التصاق به».
جال زكاك الصالات واحدة واحدة، استمع إلى حكاياتها ممن عرفوها. المهمة أصعب مما يتصور البعض. «الدخول إلى هذه المباني التي هجرت وأغلقها أصحابها، دونها عقبات، منها من لا تجد من يفتحها لك، بعضها معروض للبيع أو الإيجار، بعض آخر معلّق بمشاكل عقارية أو ضريبة، ومنها ما هي مرتبطة بجهة سياسية، أحياناً كنا بحاجة لإزالة حائط كي نعبر إلى الصالة. الدخول إلى هذه الأماكن يفتح الباب على مشكلات تشبه ما تعاني منه المدينة نفسها، لنكتشف كم أن الأمور معقدة ومتعفنة. نحن نتحدث عن دور لم يدخل إليها أحد، منذ عشرين أو ثلاثين سنة، تعاني من تسربات صرف صحي، أو تكاثر الجرذان، لهذا حين يفتح الباب يأتي السكان ليكتشفوا ويستعيدوا الذاكرة».
يتحدث الكتاب عن السينما كامتداد لليومي، كجزء من الحركة الحياتية. كأنما صالات العرض هي امتداد لما هو خارجها. التقاليد المحافظة في طرابلس لم تمنع النساء من ارتيادها أفواجاً مع أولادهن ومن دون صحبة الرجال. وحين يعزم الخطيب خطيبته، لا بد أن يصطحب معها عائلتها. أما العيد فمناسبة إضافية للاحتفاء بالأفلام. يقول زكاك: «ظهر معارضون، يريدون تحطيم البوسترات، لكن السينما هي التي فازت في النهاية. حتى حينما اعترض الطلاب على ارتفاع التسعيرة، تمكنوا من انتزاع حقهم في بطاقات دخول مخفضة، بعد تظاهرات واحتجاجات».
الكتاب شهادة على ما كان لمدينة طرابلس من أهمية في تلك الفترات الذهبية، يروي الكاتب: «إن نجوماً كباراً كان يأتون لمواكبة أفلامهم ولقاء الجمهور. عبد الحليم حافظ أحد هؤلاء، فقد أتى أكثر من مرة، إحداها كان إلى سينما (بلس) بمناسبة عرض فيلم (أبي فوق الشجرة). أما المغنون فكانت طرابلس على خريطة جولاتهم، يقيمون حفلاتهم فيها قبل الذهاب إلى حلب ودمشق، ومن بينهم أم كلثوم التي غنت في مسرح (الإنجا)، وهو بدوره زال من الوجود، من فترة ليست ببعيدة».
الكتاب التوثيقي الأنيق، صار بين أيدينا إذن، فيما العمل جارٍ على الفيلم الذي قد يحمل عنوان الكتاب نفسه. فالمخرج المفتون بالذاكرة والأرشفة وأنجز 20 فيلماً وثائقياً أبرزها «يا عمري» و«مرسيدس»، مشغول هذه الأيام، بالتركيب السردي، واستكمال نواقص فيلمه الجديد.
يقول زكّاك: «أزور مدناً عربية، وأكتشف سينماتها، وأرى أنها تتشارك الكثير فيما بينها. في الجزائر وفي عمان رأيت هذا وفي مدن عديدة أخرى. الهندسة الداخلية، والإهمال الطويل، والهجر، ورائحة الرطوبة التي نشتمها في سينماتنا القديمة، هي ذاتها».
أما لماذا طرابلس، وكيف وجد فيها زكّاك بدلاً عن ضائع؟ فلأنها «نجت من التدمير السريع بسبب الإهمال واللامبالاة، وهو ما أبطأ الهدم والتخريب. كل التركيز كان على إعمار بيروت، ذاك ما جنى عليها، وحرمها صالاتها، وأشياء أخرى».



حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.


«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
TT

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي، تتجاوز حدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المعنى الوجودي، بحيث يصبحان معاً نصاً يعيش حياة خصوصية.

وقد كان شحاتة يتمثل معانيه الشعرية والنثرية في ذاته وكأنه بطل نصوصه، كحال ممثلٍ يكتب المسرحية، ثم يمثلها (كما كانت حال شكسبير). ولا يقف شحاتة عند ذلك، بل يتحول تمثيله للمسرحية إلى تمثلٍ لها، فيغير مسار حياته وفق شروط بطل المسرحية. ومحاضرة شحاتة الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والحياتي، لدرجة أنه عزل نفسه عن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويتخلق بها، وعاش غريباً ومختلفاً وغير قادرٍ على تقبل شروط الواقع.

وكذلك كان محمد الثبيتي الذي عاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكوناً بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شاعراً نبطياً؛ لأنه ليس له من طريق للحياة إلا أن يكون شاعراً؛ ولذا عاش بوصفه كائناً شعرياً مشاغباً للواقع، ولا يقر له قرارٌ واقعي؛ فقد تورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولم تكن خيمة النابغة بعيدة عنه، فهو ابن مكة المكرمة، وعلى مد البصر هناك «سوق عكاظ» يستنشق محمد هواءه، وفُتن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحين شبّ شرع بكتابة الشعر حيث بدأ مع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولكنه في بدايات الشعر حيث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مغامرة شعرية كبرى أحرقت تجاربه السابقة في ديوانه «تهجيت حلماً تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان.

وفي أول لقاء لي معه عام 1984 بعد عودتي من رحلتي العلمية في أميركا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولاً جذرياً أولياً تبعه تحولاتٌ كثرٌ؛ في ذلك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من باب كسر جهامة اللقاء الأول، فرد عليّ وكأنه يتبرأ من الديوان ذاك ويتعالى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج سلطة ذاك الديوان. وتم نشر ديوانه «التضاريس» في «النادي الأدبي» حاملاً قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمسياته الشعرية رغم طوله؛ لأنه كان يرى أن القصيدة تلك مطلوبةٌ ومتوقعةٌ من أي جمهور يقف أمامه. وفي ليلة من ليالي الشعر الحداثي التدشينية التي ضمت أربعة شعراء حداثيين عام 1985 في «النادي الأدبي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «التضاريس» وطوّقت كل أركان القاعة المكتظة بالحضور، من جمهور حداثي جاء مؤازراً للحداثة، وجمهورٍ آخر معارضٍ وناقمٍ على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهداً استثنائياً لحماية الأمسية من الانهيار بما أن الأجواء متوترة، وهناك من جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الجلسة دون مشاكل، وتم ذلك رغم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولم يماثلها إلا ليلةٌ أخرى بفارق خمس سنوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديوانه إياه (التضاريس)، وقد فاز بجائزة النادي متغلباً على كل المتسابقين، وهذا أول فوز تفوز به قصيدةٌ حداثية، ولكنّ حشوداً حاصرت النادي ومنعت تسليم الجائزة، وتم ليلتها تهريب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظاً على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء من جمهورٍ متوترٍ ومتربصٍ بالنادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً.

ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بجرح عميق في ذاكرة الثقافة. أما هو فقد خرج من باب النادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس القصيدة، ولكنه عاش جو القصيدة بطريقته المبتكرة، وهي حال حمزة شحاتة. والشحاتية هنا ستتجسد في الثبيتي، الذي سار دون تقصّد منه مسار حمزة شحاتة؛ فكره الوظيفة كما كرهها حمزة شحاتة. وفرق بين الوظيفة والقصيدة، وقد اعتد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتبٍ مجزٍ إلى موظف براتب أقل؛ لأن عمل الموظف أقل شروطاً من عمل المدرس. وترتب على ذلك أن ينتقل من مكة إلى الرياض بعد أن ترقى وظيفياً إلى مرتبة أعلى في الرياض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الرياض، وهذا ليس عبئاً مادياً فحسب، بل عبء نفسي كذلك بفرقة الأهل والولد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لديّ حلاً لها، وقد وجدت الحل عند الدكتور ناصر الموسى الذي علم مني بوجود الثبيتي تحت إدارته، وعلم برغبته في العودة إلى مكة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مرور سنة في عمله الذي ترقى إليه. وهنا تصرف الدكتور الموسى بتصرفٍ كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قراراً بتكليف هذا الموظف بالعمل في مكتبة الوزارة في مكة. وهنا أحال الثبيتي للكتب والعيش مع الكتب، ولكنه عيشٌ مقيد يقيد طائر القصيدة، كما كانت حال شحاتة حين استقال من عمله وتفرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الثبيتي؛ إذ ضحّى بنصف راتبه لكي يتقاعد تقاعداً يسمى بالتقاعد المبكر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بنصف الراتب، ولكن براتبٍ مضاعفٍ حسب شرط الشعر والكلمات والمعاني، كما هو جو حمزة شحاتة. ولم يطل به العمر ليمضي إلى ربه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة».

وفي كل مرة قابلت فيها محمد الثبيتي كان يبدو حيياً وهادئاً، لكني كنت أرى في داخله بركاناً قابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه ينفجر بالحمم الشعرية، وينفجر شعراً، مما يعني أني لم أكن أراه بشخصه، وإنما كنت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر.

وهكذا مرّ الثبيتي على الحياة مرور المعنى الشعري بمزاياه المجازية في التحول والانزياح؛ أي إنه كائنٌ مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كان راضياً باختلافه وعاشقاً لتحولاته. ومن هنا كان يبدو الهدوء الظاهري في كلماته وسمته، غير أنه ما إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ القاعة، لدرجة أن مكبر الصوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلقاء من أجل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فالقصيدة أعلى صوتاً، وكأنه صنّاجة العرب القديم يعود، ولكن في ثياب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهكذا كان الثبيتي كما كان شحاتة بوصفهما كائنين مجازيين ونموذجين متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما.

وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عن حمزة شحاتة، وهي أن في ملفه الوظيفي نجد عدد خطابات الاستقالة يفوق عدد خطابات التعيين، ومثله الثبيتي الذي ظل يتخلص من الوظيفة واحدة تلو أخرى.

وهذه صيغة علاقتهما المتوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية. وكلاهما فرّ من الوظيفة إلى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة.