شاشة الناقد

لقطة من «الباتروس»
لقطة من «الباتروس»
TT

شاشة الناقد

لقطة من «الباتروس»
لقطة من «الباتروس»

‪Halloween Kills 1/2‬ **
• إخراج: ديفيد غوردون غرين
• الولايات المتحدة (2021)
• رعب | عروض: تجارية
أسئلة كثيرة تدور في البال حين الجلوس في الصالة الكبيرة لمشاهدة فيلم هو في نهاية وضعه صغير. نعم هو من سلالة شهدت أعمالاً جيدة (ما زال أفضلها الجزء الأول قبل 40 سنة) لكنه تمخض منذ سنوات ليست قليلة عن محاولة إثر المحاولة لتفعيل ما هو جديد في الحكاية القديمة ذاتها: الشرير مايكل مايرز الذي لا يموت ما زال يتعقب شقيقته لوري التي لا تموت، وإذا ما صادفه في طريقه أحد فإن نهاية ذلك المعترض أكيدة. طعنة نجلاء لا يفيق بعدها.
لكن الفارق بين عدم موت مايرز وعدم موت لوري واسع. هو لا يموت لأنه، وكما يصفه الفيلم هنا على لسان أحد شخصياته «بذرة الشر». وهي لا تموت لأنها لو ماتت لانتهت الحاجة إلى فيلم إلا إذا تم ابتكار خلفية جديدة ينطلق فيها مايرز للقضاء على سكان المنزل المجاور لمنزل عائلته الذي شب فيه وقتل فيه أول ضحاياه.
من هذه الأسئلة، ومعظمها يرد على البال حين المشاهدة ثم يغيب في طي النسيان بعدها، هو إذا ما كان مايرز بهذه القدرة الخارقة على النجاة من كل محاولات الآخرين قتله لماذا يتعذر عليه قتل لوري فيلماً بعد آخر؟
لكن الاستعراض عليه أن يستمر بهذا السؤال أو بسواه. وما يضيفه فيلم ديفيد غوردون غرين (الثاني له في السلسلة بعد «هالووين» قبل 3 أعوام) هو أن المواجهة هذه المرة باتت تتعدى مايرز ضد محاولي قتله من رجال القانون. فجأة كل البلدة ثائرة تطلب دمه. رجال منفعلون وغاضبون يرددون «الشر يموت اليوم» بصوت عال كما لو كان نشيداً وطنياً جديداً. هؤلاء يقودهم الممثل أنطوني مايكل هول وعصاه التي سيهوي بها على جمجمة مايكل مايرز في أول مناسبة. تؤيده هنا لأنك تريد أن ترى الخير ينتصر على الشر ويؤدي إلى موت ذلك الوحش الشرس في شكل رجل، لكنك تعلم أن هذا لن يقع وما عليك سوى أن تنتظر عدم وقوعه. لا مفاجأة حين يسقط الرجل القوي أرضاً ويمضي مايرز عنه متحدياً الجميع.
الفيلم مثير لمن يهوى هذا النوع. لكن الناقد لا بد له أن يسجل بعض المشاهد التي تندرج تحت بند السذاجة كفكرة أو كتنفيذ أو كليهما.
أحد هذه المشاهد وجود رجلين أحدهما اسمه ليتل جونز والآخر بيغ جونز. نراهما جالسين في منزلهما وفجأة يسمعان طرقاً على الباب. تعلم أن مايرز (من شدة أدبه؟) يستأذنهما للدخول. تُترجم التوقعات إلى مشهد دموي يسقط فيه بيغ جونز أولاً وليتل جونز ثانياً. لماذا اقتحم مايرز شقتهما وقتلهما؟ ليس بحثاً عن الطعام (فهو لا يأكل!) بل إنه بحث عن سكين. نراه يجرب سكين المطبخ تلو سكين المطبخ إلى أن يختار أحدها (لا تسألني عن ثيابه وقناعه… لا بد إنهما الآن في مرحلة ما بعد الاتساخ ولو أن هذا لا يبدو مهماً).
هناك العديد من الجثث وما يُسجل للمخرج غرين هو حسن تنفيذه وليس حسن إخراجه. التنفيذ هو كيف تسرد الحكاية بأدوات الفن. حسن الإخراج كيف تسرد الحكاية فنياً مستخدماً أدوات التنفيذ. لكن في الوقت الذي لا يمكن وصف «هالووين يقتل» (وهو يقتل ويقتل ويقتل بلا توقف) بالفيلم الجيد، ليس كذلك بالفيلم الرديء صنعاً. حالة وسطى عرفتها أفلام أخرى من السلسلة.

Anima ***
• إخراج: ليليا تيميريانوڤا
• روسيا (2021)
• تجريبي | عروض: مهرجان الجونة

ككل فيلم تجريبي/ تعبيري/ استكشافي لربوع الفن الخالص، لا يتوجه «أنيما» لا للجمهور السائد ولا حتى لكل جمهور المثقفين. هذا لا يعني إنه ليس فيلماً جيداً في نوعه واهتمامه (وكان يمكن له أن يكون رديئاً في كلا الجانبين) لكنه يعني أن المخرجة كانت تعلم مسبقاً أي نوع من الأفلام «الصعبة» التي تريد تحقيقها. كانت تعلم وتدرك أن الفيلم، في أفضل حالاته، سيعرض في بعض المهرجانات لجمهور نصفه مستعد لمغادرة الصالة بعد مرور ربع ساعة منه أو نحوها.
ليس هناك من قصة بل خيط واحد يربط أحداثاً ذات شكل فني مثير: آنا (إيلينا كيرول) قائدة فرقة موسيقية (تبدو الممثلة أصغر بكثير من أن تتولى مثل هذا الاحتراف الصعب) تترك الفرقة وتمضي. تحل مكانها أغلايا (إليزافيتا شكيرا) التي تترك الفرقة كذلك وتلحق بها لمحاولة إعادتها للفرقة.
تجري الأحداث في بعض الأنحاء الشمالية من روسيا الآسيوية: غابات وبحر ونهر وكوخ تأوي إليه المرأتان. في البداية تحاول أغلايا إقناع آنا بالعدول عن رغبتها في الانعزال لكنها لاحقاً ما تجد في تلك العزلة شيئا تبحث هي عنه فتبقى.
هذا هو الخيط النحيف للفيلم الذي لا تزيد مدة عرضه، على أي حال، عن ساعة. خلال الساعة نجد لوحات أدائية مستوحاة من المسرح والموسيقى والنحت. كل شيء محسوب على نحو فيزيائي. الحركة تشكل في كل لقطة حضوراً بدنياً مختلفاً وكل لقطة تنتمي إلى ترجمة للوقت الفاصل بين حلم ما وواقع ما. ليس هناك في الحلم أو في الواقع تحبيذ ولا هما كاملان. يتيح ذلك للمخرجة تيميريانوڤا حرية التعبير بابتداع لوحاتها والقطع بين اللقطات كما ترغب وتريد من دون أن تستعجل التوليف حتى لا يتحول الفيلم إلى حالة مختلفة عما تطمح المخرجة إليه.
التصوير بالأبيض والأسود هو علامة جيدة إضافية علماً بأن المخرجة صورت فيلمها هذا في أربعة أيام واعتمدت على تصوير المشهد الواحد مرة واحدة فقط بسبب الميزانية الصغيرة التي كان عليها أن تنجز الفيلم ضمنها. لكي تضمن عدم وجود أخطاء اعتمدت التمارين المسرحية للممثلتين كما للمشاهد التي نرى فيها الفرقة وهي تغني أوبرالياً وترقص تعبيرياً (قريباً من الباليه على الأرجح).

Albatros ***
• إخراج: إكزافييه بيوفوا
• فرنسا (2021)
• دراما | عروض: مهرجان برلين + تجارية

الحالة التي يوفرها المخرج بيوفوا مثيرة للاهتمام كذلك شخصياته في هذه الدراما التي تبدأ أفضل مما تنتهي إليه.
قصة رجل بوليس اسمه لوران (جيريمي رنيه) يعيش في بلدة فرنسية صغيرة وعلى وشك الزواج من صديقته. هو رجل رقيق وجيد العشرة ومحب. ذات يوم يتوجه لتهدئة مزارع غاضب على وضعه الاقتصادي واحتمال أن يخسر مزرعته إذا لم يدفع أقساطه. المزارع ينوي الانتحار. حين يصل لوران إليه في عتمة الليل ليثنيه عن الانتحار يضغط خطأ على زناد مسدسه فيصيب المزارع ويقتله. يسقط لوران في حالة نفسية صعبة إذ يلوم نفسه على سوء التصرف. حين لا تنفع محاولات المحيطين به لتهدئته، يترك لوران البلدة في رحلة بحرية على يخته الصغير ويغيب في عرض البحر إلى أن ينفد الوقود من يخته. من حسن حظه أن المخرج أراد له أن يعيش فأرسل له نجدة عادة به.
سيناريو بيوفوا ليس مكتوباً لغاية بحث معاناة المزارع والتوسع في أسباب محاولته الانتحار. هذا كان سيضيف قليلاً من التأمل ويساعد فهم منطلقات لوران وسبب شعوره بالندم. ينطلق من نقطة إطلاق النار عليه من دون قصد إلى قرار بطله هجر كل شيء والابتعاد عن البر فوق يخته ولأيام طويلة. مشكلة ذلك هي أن رحلته تلك وصفية أكثر منها تحليلية.
هناك تصوير ملائم من جوليان هيرش وتمثيل مقبول من الجميع دون علامات مميزة. كما هناك دور يؤديه فكتور بلموندو، حفيد الممثل الراحل جان - بول بلموندو.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز