الأزمة اليمنية والأمن القومي العربي يسيطران على قمة القادة العرب

زعماء العرب يتفقون على مواجهة التحديات.. والاجتماع يظهر اتحاد المواقف

الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد والرئيس السيسي يتوسطون القادة العرب في صورة جماعية للقمة الـ26 لجامعة الدول العربية في شرم الشيخ أمس (رويترز)
الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد والرئيس السيسي يتوسطون القادة العرب في صورة جماعية للقمة الـ26 لجامعة الدول العربية في شرم الشيخ أمس (رويترز)
TT

الأزمة اليمنية والأمن القومي العربي يسيطران على قمة القادة العرب

الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد والرئيس السيسي يتوسطون القادة العرب في صورة جماعية للقمة الـ26 لجامعة الدول العربية في شرم الشيخ أمس (رويترز)
الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد والرئيس السيسي يتوسطون القادة العرب في صورة جماعية للقمة الـ26 لجامعة الدول العربية في شرم الشيخ أمس (رويترز)

سيطرت أحداث الأزمة اليمنية وتطوراتها على أعمال اجتماع القادة العرب، أمس، في القمة العربية في دورتها العادية السادسة والعشرين، وأكد رؤساء الوفود أهمية صيانة الأمن القومي العربي ومواجهة الإرهاب وتحدياته، إلى جانب الملفات الأخرى التي تصدرت الاهتمامات، مثل: القضية الفلسطينية، والأزمة في سوريا، والوضع في ليبيا، إلى جانب مشروع إنشاء القوة العربية المشتركة.
في بداية فعاليات القمة، ألقى أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، كلمة رئيس القمة السابقة، دعا فيها المجتمع الدولي لمساعدة الشعب اليمني، مشيرا إلى أنه تم استنفاد كل السبل لحل الأزمة اليمنية، وناشد بتنفيذ المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية بشأن الوضع هناك.
وقال الشيخ الصباح إن «الميليشيات الحوثية تشكل تهديدا للأراضي السعودية ودول الخليج»، منوها بأن القمة تعقد في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، وأن المشهد الحالي يزداد تعقيدا خاصة على الساحتين اليمنية والليبية، مطالبا بمواجهة التحديات بجهد جماعي وبالترفع عن الخلافات.
ولفت أمير الكويت إلى أن ما يسمى «الربيع العربي» لم يسفر إلا عن عدم استقرار وتراجع معدلات التنمية، مشيرا إلى أن محاربة الإرهاب على رأس التحديات التي تواجه الأمة العربية، كما أكد أن الصراع في سوريا لن ينتهي إلا بحل سياسي.
من جانبه، ألقى الرئيس المصري كلمة عقب استلامه رئاسة القمة من الكويت، قال فيها إنه «استشعر عظم المسؤولية لتزامن مشاركته الأولى في قمة عربية كرئيس لمصر (بيت العرب)، مع تشرفه باستضافة رئاسة الدورة الحالية»، منوها بخطورة كثير من القضايا التي تواجه المنطقة والتي بلغت «حدا جسيما وغير مسبوق»، على حد وصفه.
وقال السيسي إن انعقاد القمة تحت عنوان التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، يمثل تعبيرا عن إدراكنا لضرورة أن نتصدى لتلك القضايا دون إبطاء أو تأجيل من خلال منهج يتسم بالتوازن والمصداقية وعبر أدوات ذات تأثير وفاعلية»، مشددا أن «هذه الأمة وفي أحلك الظروف لم يسبق أن استشعرت تحديا لوجودها وتهديدا لهويتها العربية كالذي تواجهه اليوم على نحو يستهدف الروابط بين دولها وشعوبها ويعمل على تفكيك نسيج المجتمعات في داخل هذه الدول ذاتها والسعي إلى التفرقة ما بين مواطنيها وإلى استقطاب بعضهم وإقصاء البعض الآخر على أساس من الدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق».
وأضاف الرئيس المصري إن «ذلك التحدي الجسيم لهوية الأمة ولاستقرار مجتمعاتها ولطبيعتها العربية الجامعة، يجلب معه تحديا آخر لا يقل خطورة، لأنه يمس الأمن المباشر لكل مواطنيها، وهو الإرهاب والترويع الذي يمثل الأداة المثلى لهؤلاء الذين يروجون لأي فكر متطرف يهدم كيان الدولة ويعمل على تقويضها».
وأشار السيسي إلى أن «هناك من استغل وجود بعض أوجه القصور في عدد من الدول العربية في الوفاء باحتياجات المواطنين، فاستغلوا تطلعات المواطنين المشروعة لاختطاف الأوطان واستغلالها من أجل مآربهم أو لإعلان الحرب على الشعوب حتى تذعن لسلطانهم الجائر». وأضاف: «رأينا أيضا كيف اشتدت شراسة الإرهاب في حربه التي يشنها على الآمنين، والحد الذي بلغته بشاعة الجرائم التي بات الإرهابيون يمارسونها بكل جرأة، مستهزئين بأي قيم دينية أو أخلاق إنسانية بهدف نشر الفزع وبث الرعب».
وتابع قائلا إن «الإنصاف يقتضى منا أن نواجهه أيضا، بكل ثقة وإصرار، المشكلات التي يمثل تراكمها تحديا لمجتمعاتنا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، لا سيما في مجالات مثل بطالة الشباب والأمية والفقر، وعدم كفاية الخدمات الاجتماعية».
وفي بداية الجلسة الثانية، ألقى الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، كلمة بلاده أمام القمة، أكد فيها قدرة مصر على قيادة السفينة العربية إلى بر الأمان في ظل ظروف صعبة والدقيقة من تاريخ الأمة العربية، وشدد العاهل البحريني على أن اجتماع القمة الحالي يعبر عن التئام الشمل العربي وينقل للعالم بأسره أن العرب متحدون في مواقفهم ويتبادلون الرؤى فيما بينهم، ويأخذون قراراتهم بحكمة وروية ويحرصون على تنفيذها بأمانة وشفافية.
من جانبه، قال الشيخ تميم بن حمد الثاني أمير دولة قطر، إن القمة العربية تعقد في ظل أوضاع إقليمية ودولية معقدة، وتحديات خطيرة تواجهها الأمة العربية، معتبرا أن القضية الفلسطينية في مقدمة هذه التحديات، وأكد أنه لن يتحقق السلام والاستقرار والأمن في المنطقة إلا بالوصول إلى تسوية عادلة وشاملة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية والعربية وفق مبدأ حل الدولتين».
ودعا أمير دولة قطر مجلس الأمن الدولي لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، وإلى أخذ المبادرة لتحديد الإجراءات والتدابير اللازمة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، كما أكد ضرورة التحرك العربي دوليا لوقف الاستيطان الإسرائيلي ورفع الحصار عن قطاع غزة الذي يعاني أزمة إنسانية غير مسبوقة.
وعن سوريا قال: «سبق أن طرحت الجامعة العربية في بداية التحرك الشعبي السوري، حلا سياسيا يؤمن تغييرا سلميا توافقيا، وتسوية تشمل النظام نفسه كطرف فيها.. لكن النظام رفض وأطلق عملية الإبادة والتهجير ضد شعبه، كما نوه إلى ضرورة قيام العرب والمجتمع الدولي بالواجب الإنساني تجاه الشعب السوري في مناطق النزوح في سوريا أو في مناطق اللجوء في دول الجوار.
وأشار أمير قطر بخصوص اليمن إلى «أن مخرجات الحوار الوطني الذي تم وفقا للمبادرة الخليجية وبرعاية الأمم المتحدة، كانت تشكل أساسا متينا لمرحلة جديدة في اليمن على أساس المشاركة بين جميع الأطياف على النحو العادل والمتكافئ، لكن الأحداث الأخيرة التي قامت بها جماعة أنصار الله، بالتنسيق مع الرئيس السابق، هي اعتداء على عملية الانتقال السلمي في اليمن، وتفرغ نتائج الحوار الوطني من مضمونها وتصادر الشرعية السياسية، وتقوض مؤسسات الدولة.. والأخطر من هذا كله أنها تزرع في اليمن بذور ظاهرة مقيتة لم تكن قائمة فيه وهي الطائفية السياسية»، محملا ميليشيات حركة أنصار الله والرئيس السابق على عبد الله صالح المسؤولية عن التصعيد الذي جرى أخيرا.
ودعا كل القوى السياسية لتغليب مصلحة اليمن واحترام الشرعية المتمثلة في الرئيس هادي وحكومته المعترف بها من المجتمع الدولي، وسحب الميليشيات من مؤسسات الدولة والأماكن العامة والعمل على استكمال تنفيذ العملية السياسية، والاصطفاف إلى جانب الشرعية في اليمن ورفض سياسة فرض الأمر الواقع، وذلك للحفاظ على وحدة اليمن وأمنه واستقراره.
وحول ليبيا، رفض أمير قطر الحل العسكري، مؤكدا أن بلاده موقفها ثابت وهو داعم الحوار الوطني بين جميع الأطراف، للوصول إلى حل سياسي يحترم إرادة الشعب الليبي ويلبي طموحاته المشروعة في الأمن والاستقرار ويهيئ الظروف لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها بمشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية الليبية ودون إقصاء أو تهميش بعيدا عن التدخلات الخارجية، معلنا دعمه للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة ودول الجوار الليبي والهادفة إلى تفعيل الحوار الوطني بين جميع مكونات الشعب الليبي الشقيق للوصول إلى حل سياسي.
وألقى الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي كلمة أكد خلالها ضرورة تكاتف جهود الدول العربية لمواجهة الإرهاب، مشيرا إلى أن الإرهاب في المنطقة العربية يسعى إلى تقويض سلطة الدولة ونشر الفوضى، وهو مشروع أشد خطرا وتأثيرا على أمننا واستقرارنا من التهديدات الأخرى، مضيفا أن «الإرهاب يستدعي من دولنا التعبئة العامة واتخاذ كل التدابير الكفيلة بدحره قبل استفحاله وانتشار آثاره المدمرة، حفاظا على سلامة دولنا وأمن شعوبنا».
وحول ليبيا قال السبسي إن ما يحدث في ليبيا مثير جدا للانشغال في تونس بحكم علاقات الجوار المباشر وتأثيرات الوضع في هذا القطر على أمننا واقتصادنا، مشيرا إلى أن بلاده تؤكد تضامنها الكامل مع ليبيا حفاظا على سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها، وتدعو الحكومة الليبية وجميع الأطراف السياسية للاحتكام إلى الحوار والالتزام به سبيلا لتجاوز الخلافات.
وفي كلمته، قال الرئيس العراقي فؤاد معصوم إن القمة العربية تنعقد في مرحلة بالغة الحساسية والخطورة على أمن الدول العربية والمنطقة برمتها، وفي ظل استشراء ظاهرة الإرهاب وانتشار تنظيماته في مختلف دول العالم فضلا عن البلدان العربية.
واستعرض الرئيس العراقي ما شهدته بلاده أخيرا على يد الجماعات الإرهابية التي طالت كل فئات المجتمع العراقي، مؤكدا أن القوات المسلحة العراقية نجحت بالتعاون مع البيشمركة ومتطوعي الحشد الشعبي وأبناء العشائر من تحرير مدن محتلة وفك الطوق عن مدن أخرى محاصرة، وأعرب عن أمله في أن تتمكن بلاده من القضاء على الإرهاب في العراق خلال مدة لا تتجاوز سنة.
وأكد معصوم أن «العراق حريص على إنجاز المصالحة الوطنية التي ننظر إليها كحاجة مجتمعية موضوعية وملحة، وهي شاملة لجميع المكونات والقوى السياسة العراقية باستثناء الإرهابيين».
وحول الوضع في اليمن، أكد أهمية بذل الجهود لتلافي وصول الصراع إلى مرحلة الحرب الأهلية وتعميق النزاعات بين مختلف المكونات وتفاقم التدهور الذي يؤدي إلى تصدع المجتمع الدولي بشكل أكبر ويجلب المزيد من الأخطار على المنطقة ككل.
وفى ختام كلمته، أكد الرئيس العراقي أن هذه القمة التي تعقد تحت شعار 70 عاما من العمل العربي المشترك، تكتسب أهمية خاصة في تعزيز العمل العربي المشترك على المستوى الاستراتيجي، وتتطلب العمل لتعميق الحوار بين دولنا كي تنجح هذه القمة في أن تكون استثنائية فعلا، لوضع خطة مواجهة شاملة وفاعلة لمواجهة الإرهاب، وتحرص على تطوير التعاون العربي مجال تحقيق التكامل الاقتصادي والتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية.
من جانبه، أعرب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمته عن تأييده الكامل للقرار الذي اتخذته المملكة العربية السعودية ومجلس التعاون الخليجي والدول العربية المشاركة في العمليات الرامية للحفاظ على وحدة اليمن ودعم الشرعية فيها، ونفس الوقت أكد أهمية الاستجابة لدعوة الحوار الذي نادى به مجلس التعاون الخليجي، والتمسك بالحوار باعتباره السبيل الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار لليمن والشقيق، والحفاظ على وحدة أراضيه.
ثم تناول القضية الفلسطينية وتطوراتها منذ الدورة السابقة للقمة العربية، وفي مقدمتها توقف المفاوضات مع إسرائيل واستمرار الاستيطان ومحاولات تهويد القدس وتغيير طابعها، واعتداءات المستوطنين على المقدسات الإسلامية والمسيحية، داعيا أبناء الأمة العربية والإسلامية للذهاب إلى القدس لزيارتها، الأمر الذي يساهم في دعم صمود أهلها وثباتهم. وأشار إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنكرت لكل الاتفاقات السابقة المعقودة معها.
وقال أبو مازن إن الدلائل تشير على ضوء نتائج الانتخابات التي جرت في إسرائيل قبل أيام قليلة إلى عدم وجود شريك إسرائيلي يمكن الوصول معه إلى تسوية للصراع عبر المفاوضات، التي يريدها لمواصلة سياسة فرض الأمر الواقع. مؤكدا أنه «آن الأوان لترجمة التصريحات والبيانات التي نسمعها عن إدانة الاستيطان إلى إجراءات وعقوبات، وإلى الاعتراف بدولة فلسطين ممن لم يعترف بها بعد، واتخاذ القرارات الكفيلة بتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني».
ورحب الرئيس الفلسطيني بالاقتراح الذي تم إقراره من قبل وزراء الخارجية العرب، بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة لصيانة الأمن القومي العربي، واقترح، نظرا لخطورة الوضع الراهن، أن تقوم لجنة ترويكا العربية الرئيس السابق والحالي واللاحق ومن يرغب في الانضمام إليها من القادة، بوضع رؤية عربية تهدف إلى معالجة الحروب والأزمات والفتن والانقسامات القائمة، أو المحتملة، في عدد من الدول العربية.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended