أنقرة تربط التصعيد في إدلب بقمة بوتين ـ إردوغان

غارات روسية على شمال غربي سوريا

بعد غارة جوية روسية على جبل الشيخ بركات غرب حلب شمال سوريا (الشرق الأوسط)
بعد غارة جوية روسية على جبل الشيخ بركات غرب حلب شمال سوريا (الشرق الأوسط)
TT

أنقرة تربط التصعيد في إدلب بقمة بوتين ـ إردوغان

بعد غارة جوية روسية على جبل الشيخ بركات غرب حلب شمال سوريا (الشرق الأوسط)
بعد غارة جوية روسية على جبل الشيخ بركات غرب حلب شمال سوريا (الشرق الأوسط)

أرجع مسؤول تركي كبير تزايد الضربات الجوية الروسية المكثفة على محافظة إدلب (شمال غربي سوريا) إلى ممارسة موسكو ضغوطاً على أنقرة قبل لقاء مرتقب بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان في منتجع سوتشي، في قمة ثلاثية ستضم إيران أيضاً في إطار مسار آستانة أواخر شهر سبتمبر (أيلول) الحالي.
وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته لصحيفة «حرييت»، القريبة من الحكومة التركية، إن النقطة الرئيسية على جدول أعمال لقاء إردوغان وبوتين في سوتشي ستكون سوريا، وبالتحديد إدلب، مشيراً إلى أن الشروط المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، الموقع بين الجانبين في 5 مارس (آذار) 2020، لم تُنفذ بالكامل.
وأضاف أن الضربات المكثفة التي تشنها مقاتلات حربية روسية وسورية على أهداف في إدلب خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن الهدوء الذي خيم على المنطقة منذ اتفاق مارس (آذار) 2020، والذي جاء بعد هجوم من قوات النظام السوري على نقطة عسكرية تركية في إدلب أوقع 33 جندياً في 27 فبراير (شباط)، بدأ يتغير. ولفت إلى أنه يمكن قراءة التصعيد المفاجئ في الضربات الجوية الروسية في إدلب في سياق سعي موسكو إلى الضغط على أنقرة لأسباب أخرى.
ورأى الكاتب في صحيفة «حرييت»، سادات أرجين، أن تكثيف الضربات الجوية خلال الأسابيع الماضية، من قبل روسيا والنظام، على إدلب تستهدف تحويل الانتباه التركي من مراقبة التطورات المتعلقة بأفغانستان إلى شمال غربي سوريا. وحذر من أن تركيا «ينتظرها واقع يشبه الواقع في أفغانستان في كثير من المجالات، من خلال وجودها في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، مع عودة التصعيد مجدداً إلى المنطقة» بعد الهجوم الذي استهدف مركبة عسكرية تركية في منطقة خفض التصعيد في إدلب الأسبوع الماضي، وأسفر عن مقتل 3 جنود أتراك، وإصابة 4 آخرين. وذهب إلى أن إعلان سرية «أنصار أبي بكر الصديق» مسؤوليتها عن الهجوم لا يعني بالضرورة أنها من نفذ العملية، كما أن هوية منفذي الهجوم لم تتضح بعد بالنسبة لأنقرة.
وقال أرجين إنه «يمكن قراءة الزيادة المفاجئة في الهجمات الجوية الروسية بإدلب على أنها تهدف إلى الضغط على أنقرة لأسباب سياسية أخرى، لا سيما مع الحديث عن قمة ثلاثية تضم قادة روسيا وتركيا وإيران في سوتشي نهاية الشهر الحالي، ضمن نطاق مسار آستانة»، معتبراً أن الجانب الروسي يحاول تعزيز موقفه التفاوضي والأوراق الرابحة التي في يده في مواجهة تركيا قبل القمة من خلال زيادة الهجمات.
ولفت إلى أن «إحدى المعضلات التي تواجهها تركيا في إدلب التي تعشعش فيها جماعات إرهابية هي حدوث موجة هجرة كبيرة باتجاه حدودها»، مضيفاً أن تركيا من خلال قوتها العسكرية في إدلب تهدف أيضاً إلى ردع أي عمل عسكري محتمل يقوم به نظام الأسد ضد هذه المنطقة، ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الهجرة.
وفي ظل تزايد وتيرة الهجمات الجوية الروسية، ومقتل 3 جنود أتراك خلال عملية تمشيط السبت الماضي، يتوجس المسؤولون الأتراك من تفجر الأوضاع على الحدود، وتغير موازين القوى. وقال مسؤولان تركيان، الجمعة، إن الرئيس التركي سيزور روسيا في وقت لاحق هذا الشهر لإجراء محادثات مع نظيره الروسي بشأن العنف في شمال غربي سوريا، حيث تدعم موسكو وأنقرة طرفي الصراع هناك.
وتركز روسيا عادة على استهداف مجموعات تنتمي إلى «هيئة تحرير الشام» عند كل توتر أو أزمة تشهدها العلاقات الروسية - التركية بشأن الملف السوري منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في مارس (آذار) من العام الماضي. وتعد إدلب آخر منطقة رئيسية في سوريا لا تزال تسيطر عليها قوات المعارضة. وكانت قوات تركية وروسية تقوم بدوريات مشتركة في مناطق منها بطول طريق حلب - اللاذقية الدولي (إم 4)، قبل أن توقف روسيا مشاركتها فيها بعد أشهر قليلة من إطلاقها عقب اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، بدعوى عدم قيام تركيا بواجباتها بموجب الاتفاق في الفصل بين الفصائل المعتدلة للمعارضة والفصائل المتشددة والجماعات الإرهابية، وكذلك في تأمين مسار الدوريات، وباتت تركيا تسير الدوريات بشكل منفرد منذ أغسطس (آب) 2020.
ويرى مراقبون أن عودة التصعيد الروسي يبعث على الارتياح من جانب النظام السوري الذي يرى أن الخيار العسكري السبيل الوحيد لحل معضلة إدلب. وشكا الجانبان من انتهاكات للهدنة التي اتفقا عليها قبل 18 شهراً في منطقة إدلب، آخر معقل للمعارضة في سوريا. وتطالب موسكو باستعادة جيش النظام السوري السيطرة على الطريق الدولي الرابط بين حلب واللاذقية. وفي المقابل ترفض تركيا، وتصر على ضرورة عودة قوات النظام إلى حدود اتفاق إدلب.
وفي إدلب، قال ماهر الياسين، وهو ناشط ميداني في مجال توثيق اعتداءات النظام والروس على إدلب، إن 4 طائرات حربية روسية تناوبت منذ صباح السبت، 18 أغسطس (أيلول)، على قصف عدة مناطق في ريفي إدلب واللاذقية، وتركزت الغارات الجوية على قرى وبلدات البارة وكنصفرة والكندة ومشون وبسامس في جبل الزاوية، بريف إدلب الجنوبي، ما أسفر عن مقتل مدني، وإصابة 4 آخرين بجروح خطيرة، ودمار كبير في المباني السكنية.
وأضاف أن المقاتلات الروسية واصلت شن غارات جوية أخرى على منطقة التلول الخضر وكبانة وجبل الأكراد، بريف اللاذقية الشرقي، تزامناً مع قصف بقذائف المدفعية والصاروخية من قبل قوات النظام والميليشيات الإيرانية المتمركزة في معسكري جورين وميرزا في أقصى ريف حماة الشمالي الغربي، وقرى جبل الزاوية (جنوب إدلب)، دون ورود أنباء عن وقوع خسائر بشرية في تلك المناطق.
وتحدث «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن حصيلة الغارات الجوية الروسية منذ مطلع الشهر الجاري سبتمبر (أيلول) على منطقة «خفض التصعيد»، أو ما يعرف بمنطقة «بوتين - إردوغان» شمال غربي سوريا، التي بلغت نحو 139 غارة، استخدمت فيها المقاتلات الروسية صواريخ فراغية شديدة الانفجار، واستهدفت خلالها مناطق البارة وكنصفرة وكفرعويد وفليفل وعين لاروز ومرعيان وبليون وأروم الجوز وبينين ومحيط معرة مصرين وزرور والحمامة ومحيط مخيمات (الأرامل ومريم) بريف إدلب، إضافة إلى غارات جوية استهدفت مناطق جبل الأكراد والكبانة والتلال الخضر والسرمانية في ريفي اللاذقية وحماة، وجبل الشيخ بركات ومحيط مدينة دارة عزة غرب مدينة حلب.
ومن جهته، قال الناشط محمد الأسمر، إن كثافة الغارات الجوية الروسية، تزامناً مع القصف المدفعي من قبل قوات النظام والميليشيات الإيرانية، على قرى جبل الزاوية، وتوسع رقعة المناطق المستهدفة، ووصولها إلى مناطق بريف حلب ومحيط مدينة جسر الشغور غرب إدلب، قد أثار مخاوف المدنيين في تلك المناطق، ويخشى من موجة نزوح جديدة للمدنيين، حيث يقدر عدد المدنيين الموجودين في تلك المناطق بنحو 50 ألف نسمة.
وأضاف أن مناطق جبل الزاوية ومدينة إدلب وريف حلب الغربي قد شهدت منذ بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي حملة تصعيد غير مسبوقة بالقصف البري والجوي من قبل قوات النظام وروسيا، قتل خلالها نحو 138 مدنياً، بينهم 51 طفلاً و23 امرأة، فيما أنقذت الكوادر الطبية ومنظومة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) أكثر من 340 شخصاً، بينهم أكثر من 80 طفلاً وطفلة، جراء الهجمات البرية والجوية، فيما نزح ما يقارب 6 آلاف شخص من القرى الواقعة بالقرب من خط التماس.
وقال قيادي في غرفة عمليات فصائل المعارضة المسلحة (الفتح المبين) إن الفصائل المقاتلة قصفت صباح السبت، بقذائف الهاون والمدفعية الثقيلة، مواقع عسكرية تابعة لقوات النظام داخل «الفوج 46» جنوب غربي حلب، واستهدفت أيضاً موقعاً عسكرياً آخر في محيط مدينة كفرنبل، وقنص 3 عناصر من قوات النظام على محور كفربطيخ وسراقب جنوب إدلب، وذلك رداً على قصف الأخيرة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المأهولة بالسكان المدنيين، ووقوع خسائر بشرية.
وتسيطر «هيئة تحرير الشام»، وفصائل مقاتلة أخرى، على نحو نصف مساحة محافظة إدلب، ومناطق محدودة محاذية لها من محافظات حلب وحماة واللاذقية، في شمال غربي سوريا، ويقطن فيها نحو 3 ملايين شخص، نصفهم من النازحين، فيما يسري منذ السادس من مارس (آذار) 2020 وقف لإطلاق النار في إدلب ومحيطها أعلنته موسكو الداعمة لدمشق، وأنقرة الداعمة للفصائل المسلحة.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.