أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة

الحسابات والاتصالات مع «طالبان» بعد الرحيل الأميركي

أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة
TT

أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة

أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة

يتمثل السؤال الأهم أمام حكومة «حركة طالبان» المشكلة حديثاً في العاصمة الأفغانية كابُل بكيفية السيطرة على العنف أو احتوائه داخل حدود أفغانستان والحؤول دون تسربه أو امتداده إلى الدول المجاورة. ويرى المراقبون والمحللون أن الإجابة على هذا السؤال ستحدد إلى حد بعيد مصير نظام «طالبان» الجديد الذي استعاد السيطرة على البلاد في أعقاب الاحتلال الأميركي... الذي جاء في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على الولايات المتحدة.
حسب هؤلاء المراقبين ستؤثر سيطرة الحركة على العنف، وقدرتها على احتوائه، على الآراء في العواصم الإقليمية حول دعم أو معارضة الحكومة المؤلفة حديثاً. والواضح أنه في الوقت الراهن، تخشى كل دولة متاخمة لأفغانستان من امتداد العنف إلى أراضيها. كذلك، ملاحظٌ حالياً أن ثمة جماعات إرهابية مسلحة وانفصالية تستخدم أفغانستان كملاذ يصعب السيطرة عليه، وفي صميم جدول أعمالها الرئيسي نشر العنف في دولة أو أخرى متاخمة أو مجاورة.
لم يفلح تكرار قادة «حركة طالبان» الأفغانية الإعلان عن أنهم لن يسمحوا باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أي دولة، في تهدئة مخاوف المجتمع الدولي. ومعلوم أنه مرة تلو أخرى، أكد زعماء العالم لـ«طالبان» أنهم سيصدرون الحكم عليهم من خلال أفعالهم لا أقوالهم. وبناءً عليه، فإن المواقف والسياسات الظاهرة المختلفة للدول الغربية من ناحية، والقوى الإقليمية مثل الصين وروسيا وإيران من ناحية أخرى، لا ينبغي أن تغري «طالبان» بالشعور بالرضا... أو الظن بأن ثمة قوى إقليمية ستدعمها من دون قيد أو شرط. وهذا الأمر على جانب من الأهمية، وبالأخص في ظل وجود مؤشرات - بالفعل - في مواقف القوى الإقليمية حتى الآن من شأنها أن تربك قيادة «طالبان» وتوقعها في فخ التوهم بأنها تحظى بدعم غير مشروط من جانب هذه القوى.

مواقف الجيران

في سياق متصل، بينما كان الأميركيون حاضرين على الأراضي الأفغانية، كانت هذه القوى الإقليمية سعيدة بدعم «حركة طالبان» المزعجة، بغية إبقاء الأميركيين في حالة تأهب. غير أن الأميركيين الآن رحلوا في الوقت الذي تشعر هذه القوى الإقليمية بالقلق إزاء الحركات المسلحة السنية المتشددة... وترى هذه القوى تهديدات صادرة عن جماعات متطرفة وأخرى إرهابية ما زالت مختبئة داخل أفغانستان. ومن جهتها، يساور إيران قلق بالغ إزاء صعود «داعش» في أفغانستان المتاخمة لحدودها الشرقية. ويرى مراقبون أن «تنظيم داعش» بآيديولوجيته الطائفية العنيفة وأجندته الإرهابية يمكن أن يشكل تهديداً للمجتمعات الشيعية داخل أفغانستان. كذلك تتخوف إيران من أن يتوغل «تنظيم داعش» والشراذم التابعة له في عمق الأراضي الإيرانية عبر الحدود الطويلة بين البلدين «الجارين». وحقاً، توجد بالفعل مؤشرات توحي بـ«اختراق» شراذم متطرفة سنية إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني، حيث تضرب النزعات الانفصالية بجذور عميقة وقديمة.
وبالمثل، يخشى الروس من صعود «تنظيم داعش» في شمال أفغانستان، وتحديداً المناطق القريبة من حدود البلاد مع دول آسيا الوسطى، بما في ذلك تركمانستان وأوزبكستان وتاجيكستان - وكلها جمهوريات سوفياتية سابقة – لا سيما أن روسيا لا تزال تعتبر هذه الدول الثلاث ضمن نطاقها الأمني. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه تنشط في الجمهوريات الثلاث مجموعات سنية متطرفة تعمل داخل حدودها، وبعضها يستخدم أفغانستان كملاذ آمن وقاعدة خلفية. وبالفعل، أوضح الروس، من جانبهم، لشركائهم الإقليميين، بما في ذلك الجيش الباكستاني وأجهزة الاستخبارات، تصورهم للتهديد الناجم عن صعود «تنظيم داعش» داخل أفغانستان.
ثم إن القلق لا يقتصر الآن على الروس والإيرانيين، إذ يخشى الصينيون أيضاً من وجود عناصر انفصالية تنتمي إلى «حركة تركستان الشرقية» الانفصالية تستخدم أراضي أفغانستان كملاذ وقاعدة خلفية. وعندما زار وفد من «طالبان» العاصمة الصينية بكين، قبل فترة قصيرة، أعرب مسؤول في وزارة الخارجية الصينية صراحة عن مخاوفه بشأن هذه العناصر الانفصالية المعروفة لقادة «طالبان»، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية.
أخيراً، تأتي باكستان، الظهير التاريخي لـ«طالبان». وهنا يساور الباكستانيين قلق مماثل إزاء صعود «تنظيم داعش» في شرق أفغانستان وصلاته بالجماعات الطائفية الباكستانية المتمركزة داخل الأراضي الأفغانية. والملاحظ أن معظم الهجمات الطائفية في كويتا (عاصمة إقليم بلوشستان الباكستاني) ومحيطها خلال عامي 2018 و2019 نفذها «تنظيم داعش» بمساعدة شركائه الباكستانيين، وفق تقارير الاستخبارات الباكستانية. والجلي للمراقبين أن مصدر إزعاج آخر لمسؤولي الأمن الباكستانيين، هو وجود قيادة وكوادر حركة «طالبان باكستان» داخل الأراضي الأفغانية. وحول هذه المسألة، يرى كثيرون أن ادعاء قوات الأمن الباكستانية «النجاح في كسر ظهر التشدد» يظل ادعاءً ينبغي التعامل معه بحذر شديد. فالآن، يمكن أن يؤدي إحكام «طالبان» قبضتها العسكرية والسياسية على كابُل والمدن الرئيسة الأخرى في أفغانستان إلى تشجيع حركة «طالبان باكستان» على العمل بحرية أكبر. ولكن مع هذا، فإن ما نراه في أروقة السلطة في إسلام آباد لحظات بهيجة، وليست متخوفة أو قلقة إزاء حقيقة أن «طالبان» استعادت السلطة وفرضت نفوذها بقوة السلاح.

تحدي احتواء العنف

على أي حال، السؤال الأمني الأساسي الذي يواجه نظام «طالبان» هو ذلك الذي يدور حول ما إذا كان سيتمكن من السيطرة واحتواء كل مصادر العنف هذه داخل الحدود الأفغانية.
هل يملك النظام الجديد - القديم الإمكانيات التقنية لإدارة هذا الوضع الأمني المعقد للغاية؟ وهل قادته مقتنعون آيديولوجياً بضرورة منع المتشددين الإرهابيين والانفصاليين المختبئين داخل الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم من زرع الفوضى في البلدان المجاورة؟ وبمعنى آخر، هل لدى قادة «طالبان» الإرادة السياسية لكبح جماح هذه الجماعات والشراذم؟
من الحقائق المعروفة أن «حركة طالبان» الأفغانية على خلاف مع «تنظيم داعش» - الذي يتألف في معظمه من أعضاء «طالبان» الراديكاليين الذين انشقوا عن التنظيم - الأم في الآونة الأخيرة، إلا أن فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة لاحظ خلال الفترة الأخيرة في أحد تقاريره أن «حركة طالبان» الأفغانية ما زالت تحتفظ بصلات مع «القاعدة»، بل ولديهم صلات أيضاً مع حركة «طالبان باكستان». ثم إن الحركة كانت تستضيف ناشطين ومقاتلين انفصاليين من تركستان الصينية – أي إقليم سنكيانغ الذاتي الحكم في أقصى غرب الصين – إبان فترة حكمهم السابقة، ناهيك عن استضافتهم أيضا جماعات متطرفة سنية من جمهوريات آسيا الوسطى في الماضي.
ومن ثم، يُطرح هنا السؤال: إلى أي مدى يمكن لـ«طالبان» أن تذهب لمنع هذه الجماعات والشراذم من نشر العنف في الدول المجاورة؟ وإلى أي مدى ستتسامح دول الجوار مع وجود هذه الجماعات على الأراضي الأفغانية؟ وهل ستسمح هذه الدول المجاورة لـ«ـطالبان» بتعزيز قبضتها على السلطة... حتى لو فشلت في القيام على الفور بإجراءات للسيطرة على العنف واحتوائه داخل حدودها؟
هنا نعود إلى القول، إن الإجابة عن هذه التساؤلات ستحدد مصير نظام «طالبان». ولا بد من الوضع في الحساب حقيقة أنه لا يمكن للعناصر المحلية داخل المجتمع الأفغاني أن تقاوم وتفجر حرباً أهلية في أفغانستان إلا بمساعدة عسكرية من الدول المجاورة. وبالتالي، فإن التساؤل المحير الآن هو ما إذا كان أولئك الذين يديرون السياسة الخارجية لباكستان قد توقعوا وضعاً ستخفق معه «طالبان» في السيطرة بنجاح على الموقف واحتواء العنف داخل حدودها. في الواقع، تبدو هذه النتيجة المحتملة للوضع الحالي، لكن يبدو أن الضحكات المتهورة لمن هم في السلطة داخل مطار كابُل يشير إلى أن الباكستانيين ما زالوا يتمتعون باللحظة الراهنة، وسيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يبدأوا في الشعور بالقلق إزاء تطور الوضع.
حتى اللحظة، يبدو أن «طالبان» هي المستفيد الرئيسي من هذا الإجماع الإقليمي القادر على خلق بيئة مواتية لمنع اندلاع حرب أهلية أخرى في أفغانستان. والواضح أن هذه الاستجابة الإقليمية مواتية للغاية للحركة، خاصة أنه في الماضي، كانت الحروب الأهلية الأفغانية تؤجج واحدة بجهود أو تبعاً لمصالح الدول المتاخمة والمجاورة، وذلك عبر تقديم الأسلحة والتدريب والتمويل إلى هذا الجانب أو خصومه في الصراع الداخلي على السلطة في أفغانستان. وهذا بخلاف الصورة الحالية حيث يبدو الكل - علناً على الأقل - سعداء بصعود «طالبان» كقوة عسكرية مهيمنة في البلاد.
من ناحية أخرى يتناقض هذا الرضا بشكل ملحوظ مع افتقار «طالبان» للقدرات التنظيمية والإدارية والسياسية لإدارة شؤون الحكومة على أسس حديثة. وهنا، يرى خبراء باكستانيون أن أي محاولة للإبقاء على النزاعات المسلحة والتطرف في شكلهما الأصلي، مع إفساح المجال للاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا الحديثة في المجتمع الأفغاني يمكن أن تؤتي بنتائج كارثية.
وحسب المراقبين، يكشف تاريخ الإرهاب والتشدد في أعقاب هجمات 11 سبتمبر بوضوح أن التكنولوجيا والتطرف الديني مزيج قاتل. واللافت أن عدداً كبيراً من الإرهابيين القتلة على مدار السنوات العشرين الماضية كانوا من المتخصصين في التكنولوجيا المتقدمة وتخرجوا في جامعات مشهود لها دولياً أو وطنياً. وفي المقابل، فإن تحول «طالبان» إلى قوة تقليدية قد يعزز قوة وجاذبية الجماعات المتطرفة الراديكالية التي تنشط في أفغانستان.

العلاقة بين إيران و«طالبان»
> بدأت إيران و«طالبان» التعاون عسكرياً خلال الفترة من 2014 حتى 2016 العام الذي شهد صعود «داعش» داخل أفغانستان. وبعد ظهور «تنظيم داعش في ولاية خراسان» داخل أفغانستان عام 2015، وجدت طهران مبرراً آخر للتعاون مع «طالبان»، إلا وهو احتواء أعضاء «داعش» الذين تعتبرهم طهران مصدر تهديد لحدودها.
بعد هذا التعاون، نقلت تقارير صحافية عن المتحدث باسم «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، في يوليو (تموز) 2016، قوله إن «الجماعة تقيم علاقات جديدة مع طهران»، حسبما أفاد معهد الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن.
من جهته، نفذ «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني و«طالبان» عمليات مشتركة ضد «تنظيم داعش» في وسط أفغانستان عام 2016 وأواخر عام 2018 اعترفت إيران لأول مرة بأنها تستضيف مبعوثي «طالبان» لإجراء مباحثات ثنائية، لكن طهران شددت على أن الحكومة الأفغانية كانت على علم بالاجتماع، وأن الهدف من المباحثات «حل المشاكل الأمنية في أفغانستان».
ثم في أواخر يناير (كانون الثاني) 2021 توجه وفد رفيع من «طالبان»، بقيادة برادر إلى طهران، الأمر الذي جرى تداوله على نطاق واسع عبر وسائل إعلام إيرانية. ومع ذلك، يعتقد خبراء أن هذا التعاون جاء على أساس العداء المشترك لواشنطن وقواتها العسكرية في أفغانستان. ومع رحيل الأميركيين الآن، يتوقع أن يلحق الضعف بأساس هذا التعاون إلى حد كبير. ومن جهته، قال خبير باكستاني معلقاً: «سيحكم الإيرانيون والروس على (طالبان) الآن على أساس أدائهم في احتواء العنف داخل حدودهم».
وبالفعل، لهذا السبب، عُقد مؤتمر لرؤساء ثماني وكالات استخباراتية إقليمية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد أخيراً، استضافه رئيس الاستخبارات الباكستانية الجنرال فايز حميد، وشارك فيه رؤساء الاستخبارات الروسية والصينية والإيرانية وعدد من دول آسيا الوسطى. واستعرض المشاركون خلال المؤتمر الوضع الأمني في أفغانستان ووافقوا على تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومة «طالبان» حول أي تهديد أمني وشيك.

الصين وأفغانستان: الاستثمار أم الإرهاب؟
> تكره الطبيعة الفراغ، وينطبق القول ذاته على حال السياسة، فمع سقوط إمبراطورية، تقف أخرى في انتظار سد الفراغ. وبالمثل، في الوقت الذي يعكف الأميركيون على حزم حقائبهم للعودة إلى ديارهم، يبدو الصينيون متحمسين لملء الفراغ الناجم عن رحيلهم. وكما ورد في مقال رأي كتبه تشو بو، الخبير الصيني في الشؤون الاستراتيجية، ونشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قبل أيام قليلة رأى الكاتب أن الصين تدخل أفغانستان الآن وهي «ليست مسلحة بالقنابل، بل بمخططات البناء». وللعلم، كان تشو عقيداً بارزاً في «جيش التحرير الشعبي» الصيني من عام 2003 إلى عام 2020، كما أنه خبير في التفكير الاستراتيجي للجيش الصيني بشأن الأمن الدولي. وأوضح الخبير الصيني مفصلاً كلامه «في الواقع، لطالما اعتبرت أفغانستان مقبرة للغزاة... الإسكندر الأكبر، والإمبراطورية البريطانية، والاتحاد السوفياتي، والآن الولايات المتحدة. الآن تدخل الصين... ليست مسلحة بالقنابل، وإنما بمخططات البناء، وفرصة لإثبات أن اللعنة (لعنة التدخل الخارجي) يمكن كسرها».
تشو يعتبر أن كلاً من أفغانستان والصين، على الترتيب، تملكان أكثر ما يحتاجه كل منهما. ومع الانسحاب الأميركي، يمكن لبكين أن تقدم أكثر ما تحتاجه كابُل: الحياد السياسي والاستثمار الاقتصادي. وفي المقابل، تملك أفغانستان أهم الجوائز التي يمكن للصين اغتنامها وهي: فرص في البنية التحتية وبناء الصناعة، وهذان مجالان تتمتع الصين فيهما بقدرات لا نظير لها، إضافة لإمكانية الوصول إلى احتياطيات معدنية غير مستغلة تقدر قيمتها بتريليون دولار، بما في ذلك معادن صناعية حيوية، مثل الليثيوم والحديد والنحاس والكوبالت. ومع أن بعض النقاد دفعوا بأن الاستثمار الصيني ليس أولوية استراتيجية داخل أفغانستان الأقل أمناً، فإنني أعتقد خلاف ذلك.
وتابع تشو قراءته معرباً عن اعتقاده بأن «الشركات الصينية تتمتع بسمعة طيبة في الاستثمار بالبلدان الأقل استقراراً، طالما أنها تستطيع جني الثمار». مشيراً إلى نجاحها في ذلك بالفعل داخل العديد من الدول الأفريقية. وهنا تجدر الإشارة هنا إلى أن الخطط الصينية لأفغانستان لا تنطوي على أي نوع من الوجود العسكري، لكن هناك لإدخال أفغانستان في مجال نفوذها من خلال إضافة طرق جديدة في مبادرة «الحزام والطريق».
هذا يعني تدفق استثمارات صينية ضخمة على أفغانستان تحت قيادة «طالبان»، والواضح أن الاقتصاد الصيني متعطش للموارد الطبيعية من أجل توفير مواد خام لصناعته. وإذا أخذنا بما كتبه تشو، فإن هناك تريليون دولار من المخزونات المعدنية غير المستغلة في أفغانستان، يمكن للمرء أن يتخيل مستوى الاستثمار الذي ستكون الصين على استعداد لتقديمه من أجل استغلال هذه الموارد المعدنية غير المستغلة التي تحتاجها بشدة من أجل نموها الصناعي.
في ظل هذه الخلفية، يبدو أن الإجماع السياسي الإقليمي حول الانتصارات العسكرية لـ«طالبان» منطقي. وعلى ما يظهر، ينظر اللاعبون الإقليميون إلى «طالبان» الآن باعتبارها حصناً في مواجهة الخطر الإقليمي المتصور المتمثل في صعود الجماعات السنية المتطرفة - مثل «داعش» - في أفغانستان. والجدير بالذكر هنا أن وجود «داعش» في أفغانستان تنامى بين عامي 2014 و2016 ووصل الأمر إلى حد تقديم كل من روسيا وإيران بأسلحة حديثة لـ«حركة طالبان» كي تشن عمليات ضد التنظيم المتطرف داخل مناطق سيطرتها.
أما الصينيون - كما سبقت الإشارة - فيشعرون بالقلق خصوصاً إزاء وجود مسلحين ينتمون إلى «حركة تركستان الشرقية» في الأراضي الأفغانية القريبة من ممر واخان الذي يربط أفغانستان والصين. ووفقاً لما ذكره تشو، فإنه عندما زار الملا عبد الغني برادر (نائب رئيس حكومة «طالبان» الجديدة) بكين «قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي... إنه يأمل في أن تقطع (طالبان) تماماً علاقتها مع مجموعة تركستان الشرقية لأنها تشكل تهديداً مباشرا للأمن الوطني للصين وسلامة أراضيها».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.