أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة

الحسابات والاتصالات مع «طالبان» بعد الرحيل الأميركي

أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة
TT

أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة

أفغانستان ملتقى اهتمام «الجيران» في عهد قيادتها الجديدة

يتمثل السؤال الأهم أمام حكومة «حركة طالبان» المشكلة حديثاً في العاصمة الأفغانية كابُل بكيفية السيطرة على العنف أو احتوائه داخل حدود أفغانستان والحؤول دون تسربه أو امتداده إلى الدول المجاورة. ويرى المراقبون والمحللون أن الإجابة على هذا السؤال ستحدد إلى حد بعيد مصير نظام «طالبان» الجديد الذي استعاد السيطرة على البلاد في أعقاب الاحتلال الأميركي... الذي جاء في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على الولايات المتحدة.
حسب هؤلاء المراقبين ستؤثر سيطرة الحركة على العنف، وقدرتها على احتوائه، على الآراء في العواصم الإقليمية حول دعم أو معارضة الحكومة المؤلفة حديثاً. والواضح أنه في الوقت الراهن، تخشى كل دولة متاخمة لأفغانستان من امتداد العنف إلى أراضيها. كذلك، ملاحظٌ حالياً أن ثمة جماعات إرهابية مسلحة وانفصالية تستخدم أفغانستان كملاذ يصعب السيطرة عليه، وفي صميم جدول أعمالها الرئيسي نشر العنف في دولة أو أخرى متاخمة أو مجاورة.
لم يفلح تكرار قادة «حركة طالبان» الأفغانية الإعلان عن أنهم لن يسمحوا باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أي دولة، في تهدئة مخاوف المجتمع الدولي. ومعلوم أنه مرة تلو أخرى، أكد زعماء العالم لـ«طالبان» أنهم سيصدرون الحكم عليهم من خلال أفعالهم لا أقوالهم. وبناءً عليه، فإن المواقف والسياسات الظاهرة المختلفة للدول الغربية من ناحية، والقوى الإقليمية مثل الصين وروسيا وإيران من ناحية أخرى، لا ينبغي أن تغري «طالبان» بالشعور بالرضا... أو الظن بأن ثمة قوى إقليمية ستدعمها من دون قيد أو شرط. وهذا الأمر على جانب من الأهمية، وبالأخص في ظل وجود مؤشرات - بالفعل - في مواقف القوى الإقليمية حتى الآن من شأنها أن تربك قيادة «طالبان» وتوقعها في فخ التوهم بأنها تحظى بدعم غير مشروط من جانب هذه القوى.

مواقف الجيران

في سياق متصل، بينما كان الأميركيون حاضرين على الأراضي الأفغانية، كانت هذه القوى الإقليمية سعيدة بدعم «حركة طالبان» المزعجة، بغية إبقاء الأميركيين في حالة تأهب. غير أن الأميركيين الآن رحلوا في الوقت الذي تشعر هذه القوى الإقليمية بالقلق إزاء الحركات المسلحة السنية المتشددة... وترى هذه القوى تهديدات صادرة عن جماعات متطرفة وأخرى إرهابية ما زالت مختبئة داخل أفغانستان. ومن جهتها، يساور إيران قلق بالغ إزاء صعود «داعش» في أفغانستان المتاخمة لحدودها الشرقية. ويرى مراقبون أن «تنظيم داعش» بآيديولوجيته الطائفية العنيفة وأجندته الإرهابية يمكن أن يشكل تهديداً للمجتمعات الشيعية داخل أفغانستان. كذلك تتخوف إيران من أن يتوغل «تنظيم داعش» والشراذم التابعة له في عمق الأراضي الإيرانية عبر الحدود الطويلة بين البلدين «الجارين». وحقاً، توجد بالفعل مؤشرات توحي بـ«اختراق» شراذم متطرفة سنية إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني، حيث تضرب النزعات الانفصالية بجذور عميقة وقديمة.
وبالمثل، يخشى الروس من صعود «تنظيم داعش» في شمال أفغانستان، وتحديداً المناطق القريبة من حدود البلاد مع دول آسيا الوسطى، بما في ذلك تركمانستان وأوزبكستان وتاجيكستان - وكلها جمهوريات سوفياتية سابقة – لا سيما أن روسيا لا تزال تعتبر هذه الدول الثلاث ضمن نطاقها الأمني. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه تنشط في الجمهوريات الثلاث مجموعات سنية متطرفة تعمل داخل حدودها، وبعضها يستخدم أفغانستان كملاذ آمن وقاعدة خلفية. وبالفعل، أوضح الروس، من جانبهم، لشركائهم الإقليميين، بما في ذلك الجيش الباكستاني وأجهزة الاستخبارات، تصورهم للتهديد الناجم عن صعود «تنظيم داعش» داخل أفغانستان.
ثم إن القلق لا يقتصر الآن على الروس والإيرانيين، إذ يخشى الصينيون أيضاً من وجود عناصر انفصالية تنتمي إلى «حركة تركستان الشرقية» الانفصالية تستخدم أراضي أفغانستان كملاذ وقاعدة خلفية. وعندما زار وفد من «طالبان» العاصمة الصينية بكين، قبل فترة قصيرة، أعرب مسؤول في وزارة الخارجية الصينية صراحة عن مخاوفه بشأن هذه العناصر الانفصالية المعروفة لقادة «طالبان»، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية.
أخيراً، تأتي باكستان، الظهير التاريخي لـ«طالبان». وهنا يساور الباكستانيين قلق مماثل إزاء صعود «تنظيم داعش» في شرق أفغانستان وصلاته بالجماعات الطائفية الباكستانية المتمركزة داخل الأراضي الأفغانية. والملاحظ أن معظم الهجمات الطائفية في كويتا (عاصمة إقليم بلوشستان الباكستاني) ومحيطها خلال عامي 2018 و2019 نفذها «تنظيم داعش» بمساعدة شركائه الباكستانيين، وفق تقارير الاستخبارات الباكستانية. والجلي للمراقبين أن مصدر إزعاج آخر لمسؤولي الأمن الباكستانيين، هو وجود قيادة وكوادر حركة «طالبان باكستان» داخل الأراضي الأفغانية. وحول هذه المسألة، يرى كثيرون أن ادعاء قوات الأمن الباكستانية «النجاح في كسر ظهر التشدد» يظل ادعاءً ينبغي التعامل معه بحذر شديد. فالآن، يمكن أن يؤدي إحكام «طالبان» قبضتها العسكرية والسياسية على كابُل والمدن الرئيسة الأخرى في أفغانستان إلى تشجيع حركة «طالبان باكستان» على العمل بحرية أكبر. ولكن مع هذا، فإن ما نراه في أروقة السلطة في إسلام آباد لحظات بهيجة، وليست متخوفة أو قلقة إزاء حقيقة أن «طالبان» استعادت السلطة وفرضت نفوذها بقوة السلاح.

تحدي احتواء العنف

على أي حال، السؤال الأمني الأساسي الذي يواجه نظام «طالبان» هو ذلك الذي يدور حول ما إذا كان سيتمكن من السيطرة واحتواء كل مصادر العنف هذه داخل الحدود الأفغانية.
هل يملك النظام الجديد - القديم الإمكانيات التقنية لإدارة هذا الوضع الأمني المعقد للغاية؟ وهل قادته مقتنعون آيديولوجياً بضرورة منع المتشددين الإرهابيين والانفصاليين المختبئين داخل الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم من زرع الفوضى في البلدان المجاورة؟ وبمعنى آخر، هل لدى قادة «طالبان» الإرادة السياسية لكبح جماح هذه الجماعات والشراذم؟
من الحقائق المعروفة أن «حركة طالبان» الأفغانية على خلاف مع «تنظيم داعش» - الذي يتألف في معظمه من أعضاء «طالبان» الراديكاليين الذين انشقوا عن التنظيم - الأم في الآونة الأخيرة، إلا أن فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة لاحظ خلال الفترة الأخيرة في أحد تقاريره أن «حركة طالبان» الأفغانية ما زالت تحتفظ بصلات مع «القاعدة»، بل ولديهم صلات أيضاً مع حركة «طالبان باكستان». ثم إن الحركة كانت تستضيف ناشطين ومقاتلين انفصاليين من تركستان الصينية – أي إقليم سنكيانغ الذاتي الحكم في أقصى غرب الصين – إبان فترة حكمهم السابقة، ناهيك عن استضافتهم أيضا جماعات متطرفة سنية من جمهوريات آسيا الوسطى في الماضي.
ومن ثم، يُطرح هنا السؤال: إلى أي مدى يمكن لـ«طالبان» أن تذهب لمنع هذه الجماعات والشراذم من نشر العنف في الدول المجاورة؟ وإلى أي مدى ستتسامح دول الجوار مع وجود هذه الجماعات على الأراضي الأفغانية؟ وهل ستسمح هذه الدول المجاورة لـ«ـطالبان» بتعزيز قبضتها على السلطة... حتى لو فشلت في القيام على الفور بإجراءات للسيطرة على العنف واحتوائه داخل حدودها؟
هنا نعود إلى القول، إن الإجابة عن هذه التساؤلات ستحدد مصير نظام «طالبان». ولا بد من الوضع في الحساب حقيقة أنه لا يمكن للعناصر المحلية داخل المجتمع الأفغاني أن تقاوم وتفجر حرباً أهلية في أفغانستان إلا بمساعدة عسكرية من الدول المجاورة. وبالتالي، فإن التساؤل المحير الآن هو ما إذا كان أولئك الذين يديرون السياسة الخارجية لباكستان قد توقعوا وضعاً ستخفق معه «طالبان» في السيطرة بنجاح على الموقف واحتواء العنف داخل حدودها. في الواقع، تبدو هذه النتيجة المحتملة للوضع الحالي، لكن يبدو أن الضحكات المتهورة لمن هم في السلطة داخل مطار كابُل يشير إلى أن الباكستانيين ما زالوا يتمتعون باللحظة الراهنة، وسيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يبدأوا في الشعور بالقلق إزاء تطور الوضع.
حتى اللحظة، يبدو أن «طالبان» هي المستفيد الرئيسي من هذا الإجماع الإقليمي القادر على خلق بيئة مواتية لمنع اندلاع حرب أهلية أخرى في أفغانستان. والواضح أن هذه الاستجابة الإقليمية مواتية للغاية للحركة، خاصة أنه في الماضي، كانت الحروب الأهلية الأفغانية تؤجج واحدة بجهود أو تبعاً لمصالح الدول المتاخمة والمجاورة، وذلك عبر تقديم الأسلحة والتدريب والتمويل إلى هذا الجانب أو خصومه في الصراع الداخلي على السلطة في أفغانستان. وهذا بخلاف الصورة الحالية حيث يبدو الكل - علناً على الأقل - سعداء بصعود «طالبان» كقوة عسكرية مهيمنة في البلاد.
من ناحية أخرى يتناقض هذا الرضا بشكل ملحوظ مع افتقار «طالبان» للقدرات التنظيمية والإدارية والسياسية لإدارة شؤون الحكومة على أسس حديثة. وهنا، يرى خبراء باكستانيون أن أي محاولة للإبقاء على النزاعات المسلحة والتطرف في شكلهما الأصلي، مع إفساح المجال للاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا الحديثة في المجتمع الأفغاني يمكن أن تؤتي بنتائج كارثية.
وحسب المراقبين، يكشف تاريخ الإرهاب والتشدد في أعقاب هجمات 11 سبتمبر بوضوح أن التكنولوجيا والتطرف الديني مزيج قاتل. واللافت أن عدداً كبيراً من الإرهابيين القتلة على مدار السنوات العشرين الماضية كانوا من المتخصصين في التكنولوجيا المتقدمة وتخرجوا في جامعات مشهود لها دولياً أو وطنياً. وفي المقابل، فإن تحول «طالبان» إلى قوة تقليدية قد يعزز قوة وجاذبية الجماعات المتطرفة الراديكالية التي تنشط في أفغانستان.

العلاقة بين إيران و«طالبان»
> بدأت إيران و«طالبان» التعاون عسكرياً خلال الفترة من 2014 حتى 2016 العام الذي شهد صعود «داعش» داخل أفغانستان. وبعد ظهور «تنظيم داعش في ولاية خراسان» داخل أفغانستان عام 2015، وجدت طهران مبرراً آخر للتعاون مع «طالبان»، إلا وهو احتواء أعضاء «داعش» الذين تعتبرهم طهران مصدر تهديد لحدودها.
بعد هذا التعاون، نقلت تقارير صحافية عن المتحدث باسم «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، في يوليو (تموز) 2016، قوله إن «الجماعة تقيم علاقات جديدة مع طهران»، حسبما أفاد معهد الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن.
من جهته، نفذ «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني و«طالبان» عمليات مشتركة ضد «تنظيم داعش» في وسط أفغانستان عام 2016 وأواخر عام 2018 اعترفت إيران لأول مرة بأنها تستضيف مبعوثي «طالبان» لإجراء مباحثات ثنائية، لكن طهران شددت على أن الحكومة الأفغانية كانت على علم بالاجتماع، وأن الهدف من المباحثات «حل المشاكل الأمنية في أفغانستان».
ثم في أواخر يناير (كانون الثاني) 2021 توجه وفد رفيع من «طالبان»، بقيادة برادر إلى طهران، الأمر الذي جرى تداوله على نطاق واسع عبر وسائل إعلام إيرانية. ومع ذلك، يعتقد خبراء أن هذا التعاون جاء على أساس العداء المشترك لواشنطن وقواتها العسكرية في أفغانستان. ومع رحيل الأميركيين الآن، يتوقع أن يلحق الضعف بأساس هذا التعاون إلى حد كبير. ومن جهته، قال خبير باكستاني معلقاً: «سيحكم الإيرانيون والروس على (طالبان) الآن على أساس أدائهم في احتواء العنف داخل حدودهم».
وبالفعل، لهذا السبب، عُقد مؤتمر لرؤساء ثماني وكالات استخباراتية إقليمية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد أخيراً، استضافه رئيس الاستخبارات الباكستانية الجنرال فايز حميد، وشارك فيه رؤساء الاستخبارات الروسية والصينية والإيرانية وعدد من دول آسيا الوسطى. واستعرض المشاركون خلال المؤتمر الوضع الأمني في أفغانستان ووافقوا على تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومة «طالبان» حول أي تهديد أمني وشيك.

الصين وأفغانستان: الاستثمار أم الإرهاب؟
> تكره الطبيعة الفراغ، وينطبق القول ذاته على حال السياسة، فمع سقوط إمبراطورية، تقف أخرى في انتظار سد الفراغ. وبالمثل، في الوقت الذي يعكف الأميركيون على حزم حقائبهم للعودة إلى ديارهم، يبدو الصينيون متحمسين لملء الفراغ الناجم عن رحيلهم. وكما ورد في مقال رأي كتبه تشو بو، الخبير الصيني في الشؤون الاستراتيجية، ونشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قبل أيام قليلة رأى الكاتب أن الصين تدخل أفغانستان الآن وهي «ليست مسلحة بالقنابل، بل بمخططات البناء». وللعلم، كان تشو عقيداً بارزاً في «جيش التحرير الشعبي» الصيني من عام 2003 إلى عام 2020، كما أنه خبير في التفكير الاستراتيجي للجيش الصيني بشأن الأمن الدولي. وأوضح الخبير الصيني مفصلاً كلامه «في الواقع، لطالما اعتبرت أفغانستان مقبرة للغزاة... الإسكندر الأكبر، والإمبراطورية البريطانية، والاتحاد السوفياتي، والآن الولايات المتحدة. الآن تدخل الصين... ليست مسلحة بالقنابل، وإنما بمخططات البناء، وفرصة لإثبات أن اللعنة (لعنة التدخل الخارجي) يمكن كسرها».
تشو يعتبر أن كلاً من أفغانستان والصين، على الترتيب، تملكان أكثر ما يحتاجه كل منهما. ومع الانسحاب الأميركي، يمكن لبكين أن تقدم أكثر ما تحتاجه كابُل: الحياد السياسي والاستثمار الاقتصادي. وفي المقابل، تملك أفغانستان أهم الجوائز التي يمكن للصين اغتنامها وهي: فرص في البنية التحتية وبناء الصناعة، وهذان مجالان تتمتع الصين فيهما بقدرات لا نظير لها، إضافة لإمكانية الوصول إلى احتياطيات معدنية غير مستغلة تقدر قيمتها بتريليون دولار، بما في ذلك معادن صناعية حيوية، مثل الليثيوم والحديد والنحاس والكوبالت. ومع أن بعض النقاد دفعوا بأن الاستثمار الصيني ليس أولوية استراتيجية داخل أفغانستان الأقل أمناً، فإنني أعتقد خلاف ذلك.
وتابع تشو قراءته معرباً عن اعتقاده بأن «الشركات الصينية تتمتع بسمعة طيبة في الاستثمار بالبلدان الأقل استقراراً، طالما أنها تستطيع جني الثمار». مشيراً إلى نجاحها في ذلك بالفعل داخل العديد من الدول الأفريقية. وهنا تجدر الإشارة هنا إلى أن الخطط الصينية لأفغانستان لا تنطوي على أي نوع من الوجود العسكري، لكن هناك لإدخال أفغانستان في مجال نفوذها من خلال إضافة طرق جديدة في مبادرة «الحزام والطريق».
هذا يعني تدفق استثمارات صينية ضخمة على أفغانستان تحت قيادة «طالبان»، والواضح أن الاقتصاد الصيني متعطش للموارد الطبيعية من أجل توفير مواد خام لصناعته. وإذا أخذنا بما كتبه تشو، فإن هناك تريليون دولار من المخزونات المعدنية غير المستغلة في أفغانستان، يمكن للمرء أن يتخيل مستوى الاستثمار الذي ستكون الصين على استعداد لتقديمه من أجل استغلال هذه الموارد المعدنية غير المستغلة التي تحتاجها بشدة من أجل نموها الصناعي.
في ظل هذه الخلفية، يبدو أن الإجماع السياسي الإقليمي حول الانتصارات العسكرية لـ«طالبان» منطقي. وعلى ما يظهر، ينظر اللاعبون الإقليميون إلى «طالبان» الآن باعتبارها حصناً في مواجهة الخطر الإقليمي المتصور المتمثل في صعود الجماعات السنية المتطرفة - مثل «داعش» - في أفغانستان. والجدير بالذكر هنا أن وجود «داعش» في أفغانستان تنامى بين عامي 2014 و2016 ووصل الأمر إلى حد تقديم كل من روسيا وإيران بأسلحة حديثة لـ«حركة طالبان» كي تشن عمليات ضد التنظيم المتطرف داخل مناطق سيطرتها.
أما الصينيون - كما سبقت الإشارة - فيشعرون بالقلق خصوصاً إزاء وجود مسلحين ينتمون إلى «حركة تركستان الشرقية» في الأراضي الأفغانية القريبة من ممر واخان الذي يربط أفغانستان والصين. ووفقاً لما ذكره تشو، فإنه عندما زار الملا عبد الغني برادر (نائب رئيس حكومة «طالبان» الجديدة) بكين «قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي... إنه يأمل في أن تقطع (طالبان) تماماً علاقتها مع مجموعة تركستان الشرقية لأنها تشكل تهديداً مباشرا للأمن الوطني للصين وسلامة أراضيها».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».