أرشفة ذاكرة ومشتقات حياة

رواية «أنا ونامق سبنسر» لشاكر الأنباري

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

أرشفة ذاكرة ومشتقات حياة

غلاف الرواية
غلاف الرواية

يطرح شاكر الأنباري نفسه في هذه الرواية كسارد ذاتي، ويتجلّى ذلك من خلال العنوان «أنا و..».، الأنا هي الشاهد، والمؤلف هو السارد، والسرد هو «استعادي نثري ينتجه شخص واقعي، مهتما بوجوده الخاص، ومركّزا على حياته الشخصية، وعلى تطور شخصيته بنوع خاص» (لوجون).. يصنّف عمل الأنباري ضمن مدار الكتابة عن الذات، أي عن حياته الخاصة، عن أفكاره وعواطفه، نجاحه وفشله، وعن أصدقائه وأشياء أخرى.. ويعطي معنى لكل ذلك من خلال تجربة روحية ونفسية تسكن الذات وحياة عاشها ردحا من الزمن، فنكاد نلمس أن الذات المبدعة تتحرك داخل المسافة النصيّة لتكوّن رؤية خاصة لها وللعالم، وذلك حينما تبدأ من لحظة حضور متقدة للإدراك، وتقف في حالة مواجهة مع الوعي الماضوي بكل ما يختزنه من تفاصيل.
هل نصنّف ما كتبه الروائي ترجمة ذاتية أَم رواية سيرة؟ وهل طغيان السرد الذاتي - السيري المحكوم بالأنا، يغمط حق السرد الروائي المتخيل؟
ندرك جيدا أن السيرة أو الترجمة الذاتية هي جنس أدبي مراوغ، يقترب من أجناس وأنواع أدبيّة أخرى كالمذكرات واليوميات والرسائل والشهادات، ويقترض بعض آليات عمل تلك الأنواع، أو نظمها الداخليّة وكذلك أشكالها التي تأثرت هي أيضا بالسيرة، باستثناء أدب الذات التوثيقي.
غير أن إيقاعات سرد السيرة الذاتية أدبيا تختلف من كاتب إلى آخر وفق أدوات وآليات السرد، فتروح كاشفة ومفسّرة للعمل من خلال الاسترجاع والاستشراف وطرح وجهات النظر والعلاقة بالآخرين، ويقوم الكاتب في نصه بعملية تلاقح وتمازج بين رواية حقيقية معاشة، هي روايته الخاصة، ورواية أخرى مفترضة أو متخيلة، ليس كما الرواية التي تعرّف بأنها كتابة تخلّقت من الخيال.
نحن هنا إذن حيال نص يستخدم وسائل تعبيرية موجودة في كتابة السيرة والرواية، فهو ليس سيرة ذاتية مجردّة ولا رواية وفق الشروط الروائية المتعارف عليها، بيد أن الفن الروائي يمتلك مرونة في تضمين السيرة الذاتية أجواء الرواية. ولكن كيف تنشأ هذه الكتابة؟ وعلى ماذا ترتكز؟

* رواية السيرة
السيرة الذاتية كتابة سردية تنتج من خلال علاقة الذات بالذاكرة، بل تعتمد كليا على الذاكرة التي تشيّد معرفة منتقاة بماضوية الأحداث، فـ«هي فن الذاكرة الأول، لأنها الفن الذي تجتلي فيه الأنا حياتها» - كما يشير جابر عصفور.. وهذا ما يقوله الأنباري عن نفسه بأنه «كتلة متحركة من الذكريات».. يتحوّل السارد إلى مستودع أحداث فاتحا صُنبور ذاكرته على نصّه من أجل التكاشف وإشراك الآخرين والبوح، ليدع ذاته بكلمات نيتشه: «تستريح من خلال ذكرياتها ومواجهتها».. ينجم عن ذلك أسئلة حول مصداقية ما هو مكتوب وانتقائيته وإمكانية تعرّضه للنسيان أو التناسي، للحذف والإضافة، للتعديل والتكييف، إذ إن كتّاب السيرة أحيانا يسلّطون على أنفسهم أضواء إيجابيّة مخفين بذلك بعض الحقائق والوقائع كما ينوّه والاس مارتن.. وقد لا يستغني النص عن التقريرية، أي يقترب من الوثيقة، فتسوده لغة التحقيق الصحافي، أو أسلوب البوح الحكواتي أو الانتقاء.. ويوضّح ذلك جورج مور في قوله: «إن المرء ليطالع ماضي حياته مثلما يطالع كتابا قد مُزِّقت بعض صفحاته وأُتلف منها الكثير».. ومن هنا يمكننا استجلاء آليات يعتمد عليها السارد في كتابته كالزمن والمكان والإيقاع.
تتكئ رواية السيرة على زمن خاص نفسي دون تقسيمات الزمن المعروفة، فالأنباري هنا يقتنص لحظة البدء بمهارة من تخوم الحدث حين يبدأ بزمنه من عودته الأولى للدنمارك قادما من بغداد، ثم يتنقل بزمنه الخاص في استرجاعات عديدة لأزمان أخرى في الدنمارك قبل تلك الرحلة، في العراق وإيران وكردستان وساوباولو وسوريا، دون الالتزام بالتراتبية الزمنية العادية، ليُنتج بذلك زمنا غير متجاور، متخيلا ومتداخلا في رسم وترتيب الصور السردية، يشكّل تاليا الزمن الذاتي الذي تدور حوله الأحداث انطلاقا من وجهة نظر السارد، الذي لا يدور في فلك التاريخ بل يدور التاريخ في فلكه، معتمدا على العناصر الأخرى كالمكان والإيقاع الذي يتضح من خلال تكرارات في العمل تدل عليه.
المكان المنتقى المتنقل نفسه، يكون إيجابيا تارة وسلبيا تارة أخرى (بلد غريب مع بشر لا يهمونني وأشجار لا أعرفها وشوارع منظمة أكثر مما أحتمل) و(مدينة تعتقد أني مختلف ولا أنتمي إليها) و(ما جدوى أن نعيش خارج الأوطان)؟.. لا يعرف السارد أين وكيف يعيش، لا مكان يصلح لوجوده جرّاء تشوّه يصيب ذاته وتخلخل يحلّ في روحه، فلا يرغب العيش في ثلاجة الغربة ولا في جحيم الوطن، لا في صقيع كوبنهاغن ولا في فرن بغداد، المدينة التي لا يكاد يعرفها، فهي بنظره (خزان للموت والعنف منذ عقود).
أين يكمن الإبداع الأدبي هنا؟ أراد الأنباري إخبارنا عن حكايته، وتوخّى التجوال في ردهات ذاكرته والبوح بسيرة رصدت ثلاثة عقود من عمره، يمكن تلخيصها ببضعة سطور: «أنا مواطن عراقي هربت من ويلات الحرب العراقية الإيرانية إلى جبال كردستان ومن هناك إلى إيران وبعدها مكثت في سوريا لأرحل إلى الدنمارك لاجئا.. تعرفت خلال رحلتي على أصدقاء أثروا على حياتي، وبعد تغيير الوضع السياسي في العراق عدت لأعمل في بلدي فلم أجد الراحة المنشودة هناك، ورجعت إلى الدنمارك ثم عدت لفترة قصيرة إلى بلدي وبعدها عشت في الدنمارك لليوم».. حكاية تعكس قسوة الحدث ولا تختلف إلا بتفاصيل معينة عن حيوات عدد لا حصر لهم من المغتربين.. لكن الصياغة الفنية للحكاية وقوة التوتر الداخلي لها، يجعلاها عملا أدبيا متميزا في شكله ومضمونه وتناوله للعلاقة بين الفرد والمجتمع.. فالسارد «أنا»، شاكر الأنباري، وصديقه نامق سبنسر، هو الصوت الآخر، هو المجتمع، الصديق، الوفاء، الحلم، الخيبة، الإنسانية، الإحباط.. النص هنا يسترسل ليس بقدرة السرد الذاتي الخالص، بل يبدو محسوبا بدقة كما في استخدام الجملة الحوارية شديدة التركيز والدلالة والوصف والخيال والمقدرة على السيطرة على الحدث، حتى لو كان السارد بعيدا عنه، يتضح ذلك من خلال جزالة مفردات وقوة تعبير وتركيبات متمكنة من أدواتها الفنية، رغم حضور السارد بضمير المتكلم الذي كما هو معروف، لا يسمح بمعرفة دواخل الآخرين ويجعل من يكتب به، مكتفيا بأوصاف جسمانية لهم، فنامق مثلا بلحية يشبه ممثلا، ونادر بعيون ضيقة، وسُرى بوجه يشبه الأميرة ديانا، وبكذا ألوان ملابس، والنساء بصدر عامر، وغير ذلك من مظاهر عيانية لا تخترق نفس الآخرين وأفكارهم، كل ذلك بلغة عربية فصحى تخلو من اللهجات المحلية والحوارات الشائعة في الرواية.

* رداءة الحياة
تستنهض الرواية أسئلة جمّة وتمتد أناملها داخل جروح طرية لا سبيل لعلاجها راهنا.. ما هو أفق حلول ممكنة لمشاكل العراق والعراقيين في الداخل والخارج في خضم راهن مائج بمجهولية وبؤس؟ لا يعلم الروائي ولا نعلم نحن.
يؤكد الأنباري ذلك حين يصف ما يجري بـ«رداءة الحياة».. تكفي هذه العبارة لاستجلاء أفق الحاضر والغد، وها هو نامق وقد تحول إلى محض «مسوگچي» قبل أن يموت وتموت معه «حياة عرفتها عقودا من السنين».. «اقتطعت ثلاثين سنة من حياتي وأرسلتها إلى القبر». ويصيب نادر خرف جرّاء وحدته، يقضي يومه باحثا في القمامة وحياته منقضية وزائدة، وسنان الشاعر - في الداخل - يتحول إلى قمامة إنسان على فراش.. لا وجود لشخصية إيجابية سوى ذلك العراقي صاحب المطبعة (ص 112) الذي يحقق إنجازا وتوافقا مع غربته وتصالحا معها ومع نفسه بالعمل وباتزان وموضوعية، كان ينبغي التوقف عنده كنموذج للأمل والإيجابية.
ورغم ذلك، يستنتج السارد عبر طيات روايته بأنه «ليس هناك قناعات مطلقة ففي هذه الحياة يمكن لأي شيء أن يحصل»، و«علينا تنظيف رؤوسنا من أفكار ومعتقدات وأوهام ذلك التاريخ البدوي الذي تربينا عليه، التكرار، الاستفاضة، التهويل، الحشو للغة تكرر نفسها»، وأنه لا جدوى من الارتباط بنساء أجنبيات، نظرا لاختلاف الأبوين حضاريا مما ينشأ عنه جيل ثان وثالث محشو بالمشاكل وفاقد للهوية، مثل كارين المشوّشة، ونجمة التي ترفض أبوته عقابا له بعد أن رحل عنها.
ما برحت تساؤلات شتى مفتوحة، إذ ليس هناك ما يحسمها، تطوف في أجواء الرواية بروح وجودية تبحث عن سبب وجيه للحياة، أسئلة عبثية متمردة في الذات القلقة، سؤال الهوية والوجود والرحيل والآخر، تأملات في الحياة والموت، لماذا نعيش ولماذا نموت (الموت هو النسيان المطلق)، ملمّحة بإعجاب إلى فلسفة أبو نضال في اقتناص لذات حياة قصيرة، نهايتها معلومة ومحتومة.
ثمة شخصية تجسّد وضع بلد غارق في التخبّط والانفلات والفساد، ألا وهي الصحافية سُرى، التي قد تكون التغيير الذي حدث والسوء الذي تبلور في العراق، البلد الذي تحوّل إلى منفعة، استنفذه السارد وتاه منه، فغدا السبب المباشر في تركه لأرضه، ليفلسف الزمن الذي «يقشر أوهامنا بقسوة» ويفسّر الأحلام وتغيّرها «وقد تسقط وتولد غيرها»، فالعراق كان حلما يوما ما.. ومع ذلك هي الحب - الأنثى، الذي جعله يحتمل مصاعب الوطن لفترة سبعة شهور.
ينتهي السارد بالتالي إلى شخص «محشو بالذكريات»، يتخيل نفسه «قطارا ضالا يجوب أماكن تختلط مع بعضها وتلتصق به روائح تلك الأماكن».. مؤمنا بأن الشقاء صار ملازما لمعظم العراقيين كقدرهم، وبأن هناك عتمة وانقباضا في حياتنا وواقعا لا ينبت سوى الخذلان.
وأخيرا، ليس من الغرابة القول إن لكل عراقي حكاية وسيرة مفجعة، ولو نقرأ أي رواية عراقية اليوم، لا نجد فيها راحتنا ونصطدم بمواضيع مفرطة بأوجاع وعنف وموت تهيمن على طروحاتها ومفرداتها، سمات أضحت ملامح بارزة في الأعمال الأدبية والفنية.. فهل هناك من طريقة لمحو الذاكرة وإعادتها مجمّلة؟



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».