هل تفتح واشنطن «نافذة الحل» في ليبيا؟

تحركات على المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية

بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

هل تفتح واشنطن «نافذة الحل» في ليبيا؟

بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)

عاد الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد الحضور الأميركي في مسارات الأزمة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

وجاءت مداخلة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، لتكرّس انطباعاً متنامياً لدى أطراف ليبية بأن واشنطن انتقلت من موقع المتابعة إلى موقع الفاعل المباشر في جهود التسوية، وسط رهانات داخلية على إمكانية إحداث اختراق في حالة الجمود المستمرة منذ سنوات.

وينظر سياسيون ومحللون إلى الحضور الأميركي اللافت عبر منصة مجلس الأمن الدولي، باعتباره «نافذة محتملة» لحل الأزمة الليبية، مع بقاء هذا التفاؤل محاطاً بالحذر. وحسب مراقبين، فرغم تقديرهم للدور الأميركي، تظل الثقة رهناً بقدرة واشنطن على تحقيق اختراقات ملموسة في ملفات عدة.

اهتمام أميركي متزايد بحل الأزمة الليبية

تعهّد بولس، الأربعاء، بأن تكون بلاده «في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا»، مع التشديد على دفع مسارات التكامل العسكري والاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وعزّز ظهور بولس على منصة مجلس الأمن، في سابقة دبلوماسية، الانطباع لدى قطاعات من النخب الليبية بأن ملف أزمة بلادهم بات يحظى باهتمام مباشر من البيت الأبيض. وهي وجهة نظر تلاقت فيها أطياف ليبية مختلفة، عبّر عنها الكاتب مصطفى الفيتوري.

الدبيبة في لقاء مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

ومنذ العام الماضي، تصاعد الحراك الأميركي في الملف الليبي، عبر الانخراط في رعاية لقاءات بين الأفرقاء الليبيين، وتحديداً بين نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر، ومستشار رئيس حكومة «الوحدة» إبراهيم الدبيبة. من بينها اجتماعات احتضنتها روما في سبتمبر (أيلول) 2025، وباريس في يناير (كانون الثاني) 2025، في محاولة لتحريك العملية السياسية، مع التركيز على توحيد المؤسسات، وسط تسريبات عن مقترحات لدمج الحكومتين.

ويرى محمد بويصير، المستشار السياسي السابق للمشير خليفة حفتر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة دوراً أميركياً يقترب من «مشروع منسّق»، معتبراً أن حضور بولس جلسة مجلس الأمن يمثّل «تكريساً لدوره السياسي في الملف الليبي». مشيراً إلى أن التحركات الأميركية تأتي، حسب تقديره، في إطار قانون «دعم الاستقرار في ليبيا»، الذي أقرّه الكونغرس الأميركي قبل سنوات، والرامي إلى تعزيز انخراط واشنطن في تسوية النزاع، ودعم الحكم الديمقراطي، والمساعدة الإنسانية، واستعادة الأصول الليبية.

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

بدوره، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، محمد حسن مخلوف، أن «الدور الأميركي قد يفتح نافذة محتملة لحل الأزمة الليبية، لكنه يظل تحت الاختبار، ومشروطاً بوجود ضغط حقيقي من الإدارة الأميركية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن فرص النجاح «تعتمد على مدى التفاهم بين الأطراف المحلية والدولية، وعلى قدرة واشنطن على خلق توازن بين القوى المؤثرة».

في المقابل، يرى رئيس الائتلاف «الليبي- الأميركي» فيصل الفيتوري أن «مقاربات التعامل الأميركي مع الملف قد تتجه بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، نحو منطق الصفقات والمقاربات المصلحية الآنية»، محذّراً من «انعكاسات ذلك على مستقبل الاستقرار»، حسب إدراج له عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وعلى الصعيد العسكري، يتزايد الرهان على مناورة «فلينتلوك 26» المرتقبة في مدينة سرت الليبية في أبريل (نيسان) المقبل، التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة قوات ليبية من شرق البلاد وغربها، في بلد يعاني انقساماً مؤسساتياً وأمنياً. وقد عدّها بولس في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، «علامة فارقة نحو التنسيق العسكري».

وفي هذا السياق، لا يستبعد بويصير أن تشكل المناورة «نقطة بداية لتنسيق أمني وعسكري أوسع»، لافتاً إلى تداول مقترحات تستند إلى تصورات بشأن إعادة هيكلة القيادة العسكرية، من بينها فكرة رئاسات أركان تمثّل أقاليم ليبيا الثلاثة.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

غير أن الخبير العسكري عادل عبد الكافي أبدى مقداراً أكبر من التشكيك، معتبراً في منشور عبر حسابه على «فيسبوك» أن تحركات «أفريكوم»، وتعديل آليات حظر السلاح «خطوات شكلية ما لم تُعالج جذور الأزمة»، ورأى أن أي تقدم يتطلب «وقف تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمرتزقة»، ومعالجة بيئة الصراع والتدخلات الخارجية.

ضرورة حل ملف الميليشيات

من جهته، عدَّ رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية-الليبية، هاني شنيب، أن «أي مسار سياسي وتنفيذي فعّال يظل مشروطاً بمعالجة ملف الميليشيات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك يستدعي «برنامجاً تمهيدياً يسبق مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج»، بما يسمح للسلطة التنفيذية بالعمل دون تهديد. مضيفاً أن المؤشرات على المديين القصير والمتوسط «تبدو إيجابية»، فيما يبقى الأفق الأطول «رهناً بالتوازنات الإقليمية والدولية».

اقتصادياً، عكس خطاب بولس اهتماماً بدعم اتفاق «برنامج التنمية الموحد» الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع إبراز دور المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي الليبي، والدعوة إلى التنفيذ الكامل للاتفاق، واعتماد ميزانية سنوية موحّدة، باعتبارها «خطوة مفصلية في مسار الاستقرار الاقتصادي».

كما حضر الملف الاقتصادي بقوة في التحركات الأميركية، مع إشارات إلى زيارات ولقاءات شهدت توقيع تفاهمات واتفاقات في قطاع الطاقة، بينما يرى محللون أن المقاربة الاقتصادية تمثل وجهاً براغماتياً بارزاً في السياسة الأميركية تجاه ليبيا.

وفي ظل هذا الحضور الأميركي، يتجدد النقاش حول دور بعثة الأمم المتحدة، خصوصاً مع استمرار التعثر في ملفات التوافق على الأطر الانتخابية والقوانين المنظمة لها.

واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

ويرى مخلوف أن المشهد يفتح على سيناريوهين: «إما تقلّص دور البعثة في حال انخراط أميركي مباشر، وإما تكامل الدورين إذا تحقق تفاهم واضح»، معتبراً أن البعثة «لم تحقق تقدماً حاسماً»، وحذّر من تداعيات الانقسام السياسي على مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة القضائية.

أما شنيب فيؤكد أنه «لا بديل أمام البعثة سوى التناغم مع التحركات الأميركية»، دعماً لمسارات توحيد المؤسسة العسكرية، والتوافق على حكومة تكنوقراط موحّدة، بالتوازي مع إصلاحات مصرفية وترتيبات اقتصادية تعزز الاستقرار وتكافؤ الفرص.

ويخلص مراقبون إلى أن تعثر جهود التسوية خلال خمسة عشر عاماً يعود إلى تشابك الصراعات الداخلية، والتوازنات الإقليمية والدولية، فيما يبقى الرهان على دور أميركي أكثر حسماً موضع اختبار في المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في اجتماع مع القادة العسكريين والأمنيين في الجنوب الليبي أبريل الماضي (رئاسة الأركان)

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شهد الجنوب الليبي تصعيداً ميدانياً جديداً، بعدما أطلق «الجيش الوطني» الليبي عملية عسكرية واسعة لتعقب مجموعات مسلحة متمردة يقودها محمد وردقو.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)

«ملفات معلقة» ترجئ اتفاقاً يمهد للانتخابات الليبية المرتقبة

أبقى تأجيل توقيع اتفاق نهائي بين الأفرقاء السياسيين الليبيين الباب مفتوحاً أمام جولة جديدة من التفاوض بعدما انتهى اجتماع رعته الأمم المتحدة في تونس الثلاثاء

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع اللجنة المالية بالبرلمان الليبي (صفحة المصرف المركزي)

ليبيا لمواجهة تهديدات سيبرانية تستهدف القطاع المصرفي

تحتاط ليبيا من تهديدات سيبرانية قد تستهدف قطاعها المصرفي بعد نحو شهر ونصف الشهر من تعرض منظومة مصرف ليبيا المركزي لاختراق إلكتروني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)

هجوم «أرنديغا» يثير تساؤلات حول قدرات متمردي الجنوب الليبي

أعاد الهجوم الذي شنه متمردون على موقع تابع لـ«الجيش الوطني» في بوابة «أرنديغا» تساؤلات إلى واجهة المشهد الأمني في الجنوب الليبي بشأن الحجم الحقيقي لهذه المجموعة

علاء حموده (القاهرة)

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)

وصل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، ليل الأربعاء، لمناسبة انعقاد اجتماع وزاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين، قبل زيارة مرتقبة للملك محمد السادس لباريس.

وجاء لوكورنو برفقة 12 وزيرا من بينهم وزير الخارجية جان نويل بارو، ووزير الداخلية لوران نونيز، واستقبلهم في مطار الرباط سلا رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش وعدد من أعضاء حكومته.

وسيجتمع الطرفان الخميس في إطار الدورة الخامسة عشرة للاجتماع بين حكومتي البلدين، وهو الأول من نوعه منذ العام 2019.

وأفاد بيان لرئاسة الوزراء المغربية الأربعاء بأن ذلك يأتي «تكريسا للشراكة الاستثنائية الوطيدة التي تجمع المغرب وفرنسا، بقيادة قائدي البلدين».

ويرتقب أن تتوج هذه القمة بتوقيع حوالى 15 اتفاق تعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والهجرة، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي.

وأشار المصدر إلى أن هذه الاتفاقات تتضمن مشاريع في قطاعات الطيران المدني والدفاع والنقل السككي والمياه والكهرباء والتعاون الثقافي.

وسجّلت العلاقات بين فرنسا والمغرب تحسنا ملحوظا، منذ اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها في صيف 2024.

وكان ماكرون استُقبل بحفاوة بالغة في الرباط خلال زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أنهت ثلاث سنوات من التوترات التي غذّتها خصوصا شبهات بالتجسس وأزمة تأشيرات. واختُتمت هذه الزيارة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقات.

والثلاثاء جدد الملك محمد السادس في برقية تهنئة للرئيس إيمانويل ماكرون لمناسبة العيد الوطني لبلاده، تأكيد «حرص المملكة المغربية على مواصلة العمل مع فرنسا بنفس روح الصداقة والثقة والالتزام، والارتقاء بشراكتهما الاستثنائية المعززة إلى مرتبة مثالية».

ومنذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية أواخر العام 2020، راهن المغرب على انتزاع موقف مماثل من فرنسا حليفته التقليدية والعضو الدائم في مجلس الأمن، في مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي معها.

ويرتقب أن يقوم العاهل المغربي بزيارة دولة لفرنسا من أجل توقيع «معاهدة مغربية فرنسية»، وفق ما أعلن وزيرا خارجية البلدين في مايو (أيار) في الرباط، من دون تحديد موعد هذه الزيارة.

وتراهن فرنسا على تقوية علاقاتها مع المغرب، لا سيما في ما يخص الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، بعدما تخلت عن سعيها للحفاظ على التوازن التقليدي في علاقتها المغاربية بين الرباط والجزائر.


50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
TT

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال، وكان متجهاً إلى الشواطئ الأوروبية، قبالة سواحل شرق ليبيا في أحدث مأساة بحرية. وقالت السلطات إن ما لا يقل عن 50 شخصاً ماتوا أو فُقدوا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ووقع الحادث يوم الثلاثاء بالقرب من جزيرة البردعة قبالة مدينة طبرق الساحلية، وفقاً لسلطات خفر السواحل في شرق ليبيا، وتمكن 10 ناجين من السباحة إلى الجزيرة لإنقاذ أنفسهم. وقال خفر السواحل إن البحث عن آخرين مستمر.

وهذه أحدث مأساة تقع قبالة سواحل ليبيا، وهي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والوصول إلى الشواطئ الأوروبية من أجل حياة أفضل هناك. وفي الشهر الماضي أدى غرق سفينة قبالة سواحل شرق ليبيا إلى مقتل أو فقدان 51 مهاجراً.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إنه تم تسجيل مقتل أو فقدان أكثر من 800 مهاجر في طريق وسط البحر المتوسط في الفترة من أول يناير (كانون الثاني) وحتى 16 مايو (أيار) من هذا العام. وأضافت أن العام الماضي شهد مقتل أو فقدان أكثر من 1300 مهاجر على هذا الطريق.


«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
TT

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية للنظر في طلب قدمه مكتب المدعي العام لسحب الاتهامات الموجهة إلى المواطن السوداني عبد الله بندة أبكر نورين، أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في خطوة قد تنهي إحدى أقدم القضايا المنظورة أمام المحكمة.

وقالت المحكمة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى ملاحظات الادعاء والدفاع والمشاركين بشأن طلب سحب الاتهامات، على أن تُبث الجلسة عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وتتعلق القضية بالهجوم الذي وقع في 29 سبتمبر (أيلول) 2007 على موقع قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور، وأسفر عن مقتل 12 من أفراد القوة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح خطيرة. وكان بندة قد مثل طوعاً أمام المحكمة في يونيو (حزيران) 2010، قبل أن تؤكد الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه في 7 مارس (آذار) 2011 وتحيله إلى المحاكمة، ثم تغيب عن جلسات المحكمة، فأصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف بحقه في 11 سبتمبر 2014، وظلت القضية معلقة لعدم مثوله أمام المحكمة التي لا تجري محاكمة غيابية.

الادعاء يطلب إسقاط التهم

وأعلن مكتب المدعي العام، الثلاثاء، أنه طلب الإذن بسحب ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب ضد عبد الله بندة، وأنه خلص إلى أن الأدلة لم تعد توفر «أسباباً جوهرية» للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن الجرائم المنسوبة إليه. وقال مكتب المدعي العام إنه تقدم بطلب سحب الاتهامات في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وظل سرياً؛ تنفيذاً لأوامر الدائرة، قبل أن ترفع السرية عن الوثائق ويعلن عنه هذا الأسبوع.

أرجع قراره إلى التدهور الكبير الذي أصاب الأدلة بمرور الزمن، واستنفاد جميع مسارات التحقيق، وتعذر الوصول إلى عدد من الشهود أو امتناعهم عن التعاون، إلى جانب وجود مشكلات تتعلق بمصداقية بعض الشهود الرئيسيين، وظهور أدلة جديدة تصبّ في مصلحة المتهم. وأضاف: «مرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، ووصول التحقيقات إلى مراحلها النهائية، يجعلان من غير المرجح أن تؤدي أي تحريات إضافية إلى تغيير هذا التقييم».

وأرجع مكتب المدعي العام قراره إلى ما أسماه «تقييم موضوعي للأدلة»، والتزاماً بعد المضي إلى المحاكمة إلا عندما تتوافر أدلة كافية، مشيراً إلى أن سحب التهم – حال موافقة المحكمة عليه - سينهي قضية بندة، من دون أن يمنع الادعاء من إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.

وقالت نائبة المدعي العام، نزهة خان، إن مكتبها يدرك أثر القرار على الضحايا الذين انتظروا العدالة لسنوات، بيد أنه ملتزم بضمان عدم إحالة أي قضية للمحاكمة إلا إذا استند إلى أدلة كافية.

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة خان (أ.ف.ب)

وتابعت: «طلب سحب التهم يخص بندة وحده، ولا يؤثر على القضايا الأخرى المتعلقة بجرائم دارفور، أو على التحقيقات التي يجريها مكتب الادعاء بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية في السودان».

ويأتي طلب سحب التهم في حين لا يزال بندة حاضراً على الساحة العسكرية في السودان، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، انضم إلى القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا، والمتحالفة حالياً مع الجيش. وذكرت صحيفة «سودان تربيون» أنه وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على رأس قوة عسكرية، وأعلن انضمامه للقتال إلى جانب الجيش، قبل أن يشارك لاحقاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوة المشتركة في إقليم دارفور. وحسب الصحيفة، فإن بندة تعرض لإصابات بالغة خلال هجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة المالحة بشمال دارفور في مارس 2025، ونُقل إلى مصر لتلقي العلاج، ثم عاد بعدها إلى أم درمان.

ويجئ طلب سحب التهم في ظل التعقيدات التي واجهت أحد أقدم ملفات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في الجرائم المرتكبة بإقليم دارفور، منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية في 2005، بموجب القرار 1593، لتصبح أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من المجلس. وتبعاً لذلك؛ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السودانيين، بينهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف، الأولى في 4 مارس 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأخرى في 12 يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة كذلك أوامر قبض بحق وزير الدولة بوزارة الداخلية أحمد محمد هارون وقتها في أبريل 2007، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين في الأول من مارس 2012، إضافة إلى عبد الله بندة.

ورفضت حكومة الرئيس عمر البشير طوال فترة حكمها الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم أي من المطلوبين، رغم مطالبة مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بذلك بصورة متكررة.

وبعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، أعلنت الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة، ونص اتفاق جوبا للسلام الموقّع في أكتوبر 2020 على التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما وافق مجلس الوزراء في أغسطس (آب) 2021 على مشروع قانون للانضمام إلى نظام روما الأساسي، وأعلن مسؤولون التزامهم بتسليم المطلوبين، لكن تلك التعهدات لم تنفذ حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.

علي كوشيب خلال جلسة النطق بالحكم حيث أدين بجرائم حرب في دارفور 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا يزال مصير تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم المطلوبين من الجنائية الدولية معلقاً، وتخفي السلطات مكان وجودهم، علماً أن البشير يقيم في مكان ما بشمال البلاد.

ويعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أول وآخر متهم في قضية دارفور مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم الرجل نفسه للمحكمة في يونيو 2020، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وحكمت عليه في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وتعدّ إدانة كوشيب أول إدانة تصدرها المحكمة في قضايا دارفور منذ إحالة الملف إليها قبل أكثر من عشرين عاماً، ويظل الحكم الصادر بحقه قابلاً للاستئناف. أما بحر إدريس أبو قردة، الذي شغل منصب وزير الصحة بعد توقيعه اتفاقية سلام مع حكومة البشير، فقد مثُل طوعاً أمام المحكمة عام 2009 في القضية نفسها المتعلقة بهجوم حسكنيتة، ورفضت الدائرة التمهيدية اعتماد التهم بحقه، لتنتهي الإجراءات القضائية في مواجهته دون إحالته إلى المحاكمة.