هل تفتح واشنطن «نافذة الحل» في ليبيا؟

تحركات على المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية

بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

هل تفتح واشنطن «نافذة الحل» في ليبيا؟

بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)

عاد الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد الحضور الأميركي في مسارات الأزمة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

وجاءت مداخلة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، لتكرّس انطباعاً متنامياً لدى أطراف ليبية بأن واشنطن انتقلت من موقع المتابعة إلى موقع الفاعل المباشر في جهود التسوية، وسط رهانات داخلية على إمكانية إحداث اختراق في حالة الجمود المستمرة منذ سنوات.

وينظر سياسيون ومحللون إلى الحضور الأميركي اللافت عبر منصة مجلس الأمن الدولي، باعتباره «نافذة محتملة» لحل الأزمة الليبية، مع بقاء هذا التفاؤل محاطاً بالحذر. وحسب مراقبين، فرغم تقديرهم للدور الأميركي، تظل الثقة رهناً بقدرة واشنطن على تحقيق اختراقات ملموسة في ملفات عدة.

اهتمام أميركي متزايد بحل الأزمة الليبية

تعهّد بولس، الأربعاء، بأن تكون بلاده «في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا»، مع التشديد على دفع مسارات التكامل العسكري والاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وعزّز ظهور بولس على منصة مجلس الأمن، في سابقة دبلوماسية، الانطباع لدى قطاعات من النخب الليبية بأن ملف أزمة بلادهم بات يحظى باهتمام مباشر من البيت الأبيض. وهي وجهة نظر تلاقت فيها أطياف ليبية مختلفة، عبّر عنها الكاتب مصطفى الفيتوري.

الدبيبة في لقاء مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

ومنذ العام الماضي، تصاعد الحراك الأميركي في الملف الليبي، عبر الانخراط في رعاية لقاءات بين الأفرقاء الليبيين، وتحديداً بين نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر، ومستشار رئيس حكومة «الوحدة» إبراهيم الدبيبة. من بينها اجتماعات احتضنتها روما في سبتمبر (أيلول) 2025، وباريس في يناير (كانون الثاني) 2025، في محاولة لتحريك العملية السياسية، مع التركيز على توحيد المؤسسات، وسط تسريبات عن مقترحات لدمج الحكومتين.

ويرى محمد بويصير، المستشار السياسي السابق للمشير خليفة حفتر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة دوراً أميركياً يقترب من «مشروع منسّق»، معتبراً أن حضور بولس جلسة مجلس الأمن يمثّل «تكريساً لدوره السياسي في الملف الليبي». مشيراً إلى أن التحركات الأميركية تأتي، حسب تقديره، في إطار قانون «دعم الاستقرار في ليبيا»، الذي أقرّه الكونغرس الأميركي قبل سنوات، والرامي إلى تعزيز انخراط واشنطن في تسوية النزاع، ودعم الحكم الديمقراطي، والمساعدة الإنسانية، واستعادة الأصول الليبية.

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

بدوره، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، محمد حسن مخلوف، أن «الدور الأميركي قد يفتح نافذة محتملة لحل الأزمة الليبية، لكنه يظل تحت الاختبار، ومشروطاً بوجود ضغط حقيقي من الإدارة الأميركية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن فرص النجاح «تعتمد على مدى التفاهم بين الأطراف المحلية والدولية، وعلى قدرة واشنطن على خلق توازن بين القوى المؤثرة».

في المقابل، يرى رئيس الائتلاف «الليبي- الأميركي» فيصل الفيتوري أن «مقاربات التعامل الأميركي مع الملف قد تتجه بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، نحو منطق الصفقات والمقاربات المصلحية الآنية»، محذّراً من «انعكاسات ذلك على مستقبل الاستقرار»، حسب إدراج له عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وعلى الصعيد العسكري، يتزايد الرهان على مناورة «فلينتلوك 26» المرتقبة في مدينة سرت الليبية في أبريل (نيسان) المقبل، التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة قوات ليبية من شرق البلاد وغربها، في بلد يعاني انقساماً مؤسساتياً وأمنياً. وقد عدّها بولس في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، «علامة فارقة نحو التنسيق العسكري».

وفي هذا السياق، لا يستبعد بويصير أن تشكل المناورة «نقطة بداية لتنسيق أمني وعسكري أوسع»، لافتاً إلى تداول مقترحات تستند إلى تصورات بشأن إعادة هيكلة القيادة العسكرية، من بينها فكرة رئاسات أركان تمثّل أقاليم ليبيا الثلاثة.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

غير أن الخبير العسكري عادل عبد الكافي أبدى مقداراً أكبر من التشكيك، معتبراً في منشور عبر حسابه على «فيسبوك» أن تحركات «أفريكوم»، وتعديل آليات حظر السلاح «خطوات شكلية ما لم تُعالج جذور الأزمة»، ورأى أن أي تقدم يتطلب «وقف تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمرتزقة»، ومعالجة بيئة الصراع والتدخلات الخارجية.

ضرورة حل ملف الميليشيات

من جهته، عدَّ رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية-الليبية، هاني شنيب، أن «أي مسار سياسي وتنفيذي فعّال يظل مشروطاً بمعالجة ملف الميليشيات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك يستدعي «برنامجاً تمهيدياً يسبق مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج»، بما يسمح للسلطة التنفيذية بالعمل دون تهديد. مضيفاً أن المؤشرات على المديين القصير والمتوسط «تبدو إيجابية»، فيما يبقى الأفق الأطول «رهناً بالتوازنات الإقليمية والدولية».

اقتصادياً، عكس خطاب بولس اهتماماً بدعم اتفاق «برنامج التنمية الموحد» الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع إبراز دور المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي الليبي، والدعوة إلى التنفيذ الكامل للاتفاق، واعتماد ميزانية سنوية موحّدة، باعتبارها «خطوة مفصلية في مسار الاستقرار الاقتصادي».

كما حضر الملف الاقتصادي بقوة في التحركات الأميركية، مع إشارات إلى زيارات ولقاءات شهدت توقيع تفاهمات واتفاقات في قطاع الطاقة، بينما يرى محللون أن المقاربة الاقتصادية تمثل وجهاً براغماتياً بارزاً في السياسة الأميركية تجاه ليبيا.

وفي ظل هذا الحضور الأميركي، يتجدد النقاش حول دور بعثة الأمم المتحدة، خصوصاً مع استمرار التعثر في ملفات التوافق على الأطر الانتخابية والقوانين المنظمة لها.

واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

ويرى مخلوف أن المشهد يفتح على سيناريوهين: «إما تقلّص دور البعثة في حال انخراط أميركي مباشر، وإما تكامل الدورين إذا تحقق تفاهم واضح»، معتبراً أن البعثة «لم تحقق تقدماً حاسماً»، وحذّر من تداعيات الانقسام السياسي على مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة القضائية.

أما شنيب فيؤكد أنه «لا بديل أمام البعثة سوى التناغم مع التحركات الأميركية»، دعماً لمسارات توحيد المؤسسة العسكرية، والتوافق على حكومة تكنوقراط موحّدة، بالتوازي مع إصلاحات مصرفية وترتيبات اقتصادية تعزز الاستقرار وتكافؤ الفرص.

ويخلص مراقبون إلى أن تعثر جهود التسوية خلال خمسة عشر عاماً يعود إلى تشابك الصراعات الداخلية، والتوازنات الإقليمية والدولية، فيما يبقى الرهان على دور أميركي أكثر حسماً موضع اختبار في المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

شمال افريقيا الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

من طرابلس إلى مصراتة طالب حقوقيون ليبيون بإطلاق الناشط المهدي عبد العاطي كما أهابوا بالنائب العام سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)

«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

أفاد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، بأن «السلام الذي ساد في ليبيا بعد عام 2020 هشٌّ، ولكنه قائم، ويعتمد استمراره على استعداد الطرفين لتقاسم عائدات مبيعات النفط»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.