أعاد الهجوم الذي شنه متمردون على موقع تابع لـ«الجيش الوطني» في بوابة «أرنديغا» تساؤلات إلى واجهة المشهد الأمني في الجنوب الليبي حول الحجم الحقيقي لهذه المجموعة المسلحة، وحدود قدرتها على تهديد انتشار قوات الجيش في إقليم فزان، رغم تكرار عملياتها منذ مطلع العام الحالي.
وتغذي أحدث المواجهات هذه التساؤلات، بعدما أعلنت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» هجوماً على بوابة «أرنديغا» يوم الأحد، وأسر 15 عنصراً من قوات «الجيش الوطني»، والاستيلاء على آليات عسكرية، قبل أن تزعم التقدم نحو قاعدة «اللويغ». وفي المقابل نعى الجيش عدداً من قتلاه، بينهم النقيب موسى السليماني، دون إعلان حصيلة خسائره.

وبحسب وزير الدفاع الليبي الأسبق محمد البرغثي، فإن ما تنفذه هذه المجموعة يندرج ضمن «حروب العصابات»، القائمة على الضربات السريعة والانسحاب، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية، أكثر من السعي إلى الاحتفاظ بالأرض، أو خوض مواجهة عسكرية تقليدية، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».
ولم يكن هجوم «أرنديغا» الأول من نوعه؛ إذ برزت «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، بقيادة محمد وردكو، منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، عبر سلسلة هجمات متفرقة ضد مواقع تابعة لـ«الجيش الوطني»، بدأتها بهجوم على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، وصاحبتها حملة إعلامية هدفت إلى إبراز حضورها في الجنوب.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت المجموعة أسر عدد من عناصر «الجيش الوطني» عند «بوابة الزعيترية» في وادي الشاطئ، والاستيلاء على آليات عسكرية، من دون أن يتسنَّى التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل العملية أو عدد المحتجزين.
وردَّ «الجيش الوطني» على العملية العسكرية الأخيرة للمتمردين بتعهد أعلنه نائب قائده الفريق صدام حفتر، عقب اجتماع مع قيادات عسكرية وأمنية في الجنوب، الاثنين، بملاحقة منفذي الهجوم والقضاء على «العصابات الإجرامية والخارجين عن القانون»، مؤكداً أن أمن فزان «حصن منيع»، ولن يسمح بتهديده.
وفي قراءة لطبيعة قوة المتمردين، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف بوفردة، أنها تقدم نفسها باعتبارها قوة حكومية تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية»، بينما هي في الواقع تشكيل من «المرتزقة الهجين» يضم عناصر محلية وأجنبية، تغير ولاءاتها تبعاً للمصالح.

ويشير بوفردة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض عناصرها ينتمون إلى «قبائل التبو»، والبعض الآخر قاتلوا سابقاً إلى جانب «الجيش الوطني» خلال حرب طرابلس (2019 - 2020)، قبل أن ينشقوا عنه، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، نمطاً متكرراً من تبدل ولاءات وتحالفات داخل التشكيلات المسلحة الناشطة في الجنوب.
ويضم التشكيل أيضاً، وفق بوفردة، بقايا عناصر من «جبهة التغيير والوفاق في تشاد (فاكت)»، التي كانت تتخذ من الجنوب الليبي مقراً لها. وبعد «اتفاق الدوحة» عاد قسم منهم إلى تشاد، بينما بقي آخرون داخل ليبيا يعملون كمرتزقة.
ولا يرى بوفردة أن نشاط المجموعة يتجاوز «مناكفة» قوات «الجيش الوطني» وإثبات الوجود، معتمدة على عمليات الكر والفر، ومعرفتها بمسالك الصحراء، واستخدام عربات خفيفة في مواجهة قوات نظامية تتمركز في مواقع ثابتة.
كما يربط حراك هذه التشكيلات بشبكات التهريب المنتشرة في الجنوب، معتبراً أن «منطق الغنيمة والمكاسب يظل المحرك الرئيسي لها، حتى عندما ترفع شعارات وطنية في محاولة لكسب التأييد أو توفير غطاء لتحركاتها».
وتطرح «غرفة عمليات تحرير الجنوب» نفسها، في بيانات متكررة، باعتبارها قوة مستقلة خارج الأطر القبلية، وتؤكد أن هدفها حماية سكان فزان وتأمين حركة التجارة، في مقابل رفضها استمرار انتشار «الجيش الوطني» في الجنوب.
غير أن الناشط السياسي محمد قشوط عد ما يجري شكلاً من الابتزاز السياسي، متهماً أطرافاً داخلية بتوظيف جماعات مسلحة تتحرك في مناطق صحراوية رخوة داخل تشاد والنيجر، مستفيدةً من ضعف سيطرة جيوش تلك الدول، أو ما وصفه بـ«تواطؤها» مع هذه التحركات.

ومن زاوية أخرى للمشهد، يبدو أن تأثير المتمردين لا يعتمد على العمل العسكري وحده، بحسب محللين؛ إذ يرى المحلل العسكري محمد الترهوني أنها تعتمد على تكتيكات الحرب النفسية، من خلال بث تسجيلات وبيانات تسعى إلى تضخيم إنجازاتها، والتأثير في الرأي العام وإرباك خصومها، لكنه أشار لـ«الشرق الأوسط» إلى «فشل هذه المساعي على الأرض».
وفي هذا السياق، نشر متمرد «غرفة عمليات الجنوب» تسجيلاً مصوراً نشرته المجموعة، قالت إنه يظهر أسرى من قوات «الجيش الوطني»، إلى جانب دعوتها أهالي الجنوب لسحب أبنائهم من صفوف الجيش، وهي مواد لم يتسنَّ التحقق من صحتها بصورة مستقلة.
وفي مقابل هذه الرسائل، سارعت بلديات في إقليم فزان إلى إعلان دعمها لـ«الجيش الوطني»، مستنكرة الهجوم على بوابة «أرنديغا»، ومؤكدة مساندتها للجهود الرامية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وترسيخ الأمن والاستقرار.
كما سبق لشيخ مشايخ التبو في ليبيا، الشيخ اللهوزا فوزي، أن أعلن تبرؤ القبيلة من محمد وردكو، متهماً إياه بالسعي إلى إثارة الفتنة بين مكونات الجنوب وعرقلة جهود التنمية، داعياً «الجيش الوطني» إلى التعامل معه بما يحفظ أمن المنطقة.






