الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية

طاهر المصري يروي محاولات الأردن نزع اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية (2)

الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
TT

الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية

الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991

يكشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، في الحلقة الثانية من مذكراته التي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات منها، عن اجتماع للراحل الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في لندن عام 1987، إذ أسفر اللقاء عن اتفاقية عرفت بـ«ورقة بيريز - الحسين» وقتها.
وفي كتابه «الحقيقة بيضاء» الذي سيطلقه في «المركز الثقافي الأردني»، مساء غدٍ، يضع المصري حقائق حول أسباب فشل «اتفاق عمان» الذي راهن عليه الراحل الملك حسين ورجال القصر، في خطته نحو حل القضية سلمياً، والحصول على اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية، كاشفاً عن انهماك الأردن في اتصالات سرية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل.
وفيما وصف المصري مصير «اتفاق عمان» بأنه «قتل بطيء لاتفاق جيد»، ليسفر عن إلغائه إجراءات ضد المنظمة، عزا الأمر لأسباب عدة، منها شكوك عرفات في مطامح الملك حسين غير المعلنة، بسبب شعوره بطموح لعودة الضفة الغربية إلى سلطة الأردن.
وكان إلغاء «اتفاق عمان» أدى إلى اتخاذ إجراءات التضييق على منظمة التحرير، واختراع قيادة بديلة، وإغلاق مكاتب «فتح» في عمان، وإبعاد خليل الوزير (أبو جهاد)، ليزيد المصري في مذكراته أن الحكومة الأردنية التي شغل فيها موقع وزير الخارجية آنذاك، خططت للقبول بمشروع حكم ذاتي واسع للضفة الغربية كخطوة أولى لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
وتنشر «الشرق الأوسط» حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، التي اختار لها عنوان «الحقيقة بيضاء»، كاشفاً عن معلومات وحقائق لمحطات من تاريخ الأردن السياسي، بعد تعاقبه على المناصب منذ 1973، واشتباكه مع مركز القرار في عمر مبكر وعلى مدى سنوات طويلة.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين في شخصية المصري منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان في 1989، ثم رئيساً للوزراء في 1991، ورئيساً لمجلس النواب في 1993، مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان في 2009. وفيما يلي نص الحلقة الثانية:
لا يجوز اتهام زيد الرفاعي بأنه من وقف خلف إلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني. فقد رأت فيه سوريا استهدافاً مباشراً لأمنها الوطني، واتهمت الأردن وعرفات بالعمل ضد أمنها الوطني، بخاصة بعد خروج المنظمة من بيروت عام 1982، وما آلت إليه العلاقة بين عرفات وحافظ الأسد. كما أن الموقف السوفياتي ساهم هو الآخر في دعم الموقف السوري وتقويته.
كان من أولويات زيد الرفاعي ترميم العلاقة مع سوريا، لذلك سارع إلى زيارة دمشق في سبتمبر (أيلول) 1985، وكان هدفنا المعلن هو إعادة المياه إلى مجاريها بين عمان ودمشق، خصوصاً بعد توقيع الاتفاق الأردني - الفلسطيني الذي رفضته دمشق بقوة وبدعم مباشر من موسكو.
ترأس الرفاعي وفداً كبيراً من وزراء ومسؤولين لزيارة دمشق، تعبيراً عن أن الأمور عادت إلى مجاريها، ليس فقط على مستوى التعامل السياسي والدبلوماسي فحسب، بل على المستوى الثنائي أيضاً.
كنت أحد الوزراء المرافقين، وأجرينا لقاءات عادية جداً مع المسؤولين السوريين، إلا أن زيد الرفاعي اجتمع منفرداً بالرئيس حافظ الأسد لمدة سبع ساعات متواصلة، وعاد إلينا بعدها في ساعة متأخرة من الليل، وكنا بانتظاره في فندق «شيراتون» إلى جانب عدد من القيادات السورية، أذكر منهم العماد مصطفى طلاس. وأعطى الرفاعي الوفد فيما بعد ملخصاً عادياً، مشيراً إلى أن الأمور جرت على خير ما يرام، وأن الاتصالات ستستمر.
كان الملك حسين يعرف حدود الواقع الدبلوماسي والسياسي العالمي، وكان يريد أن يتخطاه بإدخال منظمة التحرير وإشراكها في الحل السياسي. لذا انهمك الأردن في اتصالات سرية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل، بغية الحصول على اعتراف مناسب لمنظمة التحرير، كي تتمكن من دخول المؤتمر ومن المشاركة الفاعلة فيه.
وكثيراً ما دخلت في نقاش مع الملك حسين حول مستقبل القضية الفلسطينية. كان يرى بأننا لا نستطيع «سحق إسرائيل»، بل كانت إسرائيل سعيدة بأن تهاجمها الجيوش العربية في نقطة قوتها، وهي القوة العسكرية، لأنها كانت تحقق بذلك انتصارات نوعية على تلك الجيوش، إضافة إلى أنها كانت تكسب أيضاً عطف العالم ودعمه لها، وتؤكد دعايتها العالمية بعداوة العرب لها. واتفقنا أننا كعرب غير قادرين على إلغاء إسرائيل، لذلك يجب أن يركز الهدف الاستراتيجي والبعيد المدى للعرب على «تذويب إسرائيل» من خلال السلام المبرمج معها لهذه الغاية.
خلال تلك الفترة، ازداد احتكاكي المباشر بياسر عرفات وبمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال موقعي الرسمي وزيراً للخارجية، وكنت سعيداً بتقديم أنواع الدعم كافة للمنظمة، وذلك بما لا يتعارض مع الأهداف والسياسات والمصالح الأردنية. كنت مؤيداً من حيث المبدأ لقيام منظمة التحرير الفلسطينية حين تأسست في منتصف ستينيات القرن العشرين، لإبراز هوية الشعب الفلسطيني، وكنت أرى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من معاناة وحصار، وأصبحت قناعتي، كغيري، بأنه لا بد للفلسطينيين من أن يتولوا أمورهم بأنفسهم، ما يتطلب إنشاء كيان سياسي لهم، أصبحت تعبر عنه وتمثله منظمة التحرير الفلسطينية.
في الوقت عينه، كنت أجد تعارضاً بين قناعاتي وبين التصرفات السياسية لبعض القادة في المنظمة، ومنها أحداث سبتمبر 1970 التي أعتبرها صراعاً بين الدولة الأردنية التي تريد فرض سلطتها ونظامها وسيادتها على أراضيها، وبين مجموعات مسلحة تريد أن تستولي على النظام، وتفرض سيطرتها بقوة السلاح. فهي لم تكن حرباً بين الأردنيين والفلسطينيين، ولا حرباً أهلية.
وكنت أعلم أن ياسر عرفات ينزعج من شخص مثلي، يتمتع بمكانة سياسية جيدة في الأردن، وقريب من الملك، ويشارك في صناعة القرار السياسي الأردني، وله خلفيته العائلية في فلسطين وما تتمتع به من نفوذ في الضفة الغربية.
وأعلم أيضاً أن عرفات، في كثير من الأحيان، كان يتوجس خيفة من وصولي إلى مراكز عليا. وانسجاماً مع «الفوبيا» التي كانت تلازمه دائماً من أن أحداً ما سيحل مكانه، فقد كان يظن أنني، أو غيري، سنحل محله، وكان يعد عدته لمواجهة هذا الأمر.
فعندما انتخبت رئيساً لمجلس النواب في نوفمبر (تشرين الثاني) 1993، صرح ياسر عرفات، وكان قد وقع لتوه اتفاق أوسلو مع الإسرائيليين، بأن انتخابي هو خطوة من قبل الأردن لاستعادة النفوذ إلى الضفة الغربية، وهذا ما جعل الشريف زيد بن شاكر، وكان آنذاك رئيساً للديوان الملكي، يحذرني بعد علمه بما قاله عرفات، وقدم لي رئيس الديوان الملكي والأجهزة الأمنية سيارة مصفحة ضد الرصاص ومرافقاً أمنياً لحمايتي من أي تهديد محتمل، لكني اعتذرت عن قبول تلك الترتيبات، وقلت إن «أبا عمار يثرثر دائماً في مثل هذه الأمور، وقد لا يكون ما قاله صحيحاً، فلا تأخذ أقواله وتصريحاته على محمل الجد».
لم يكن عرفات مطمئناً إلى نيات الملك، وهو يقدم كل الدعم للمنظمة، فقد كان يشك بينه وبين نفسه في مطامح الملك غير المعلنة، ويكشف عن اهتزاز ثقته بالملك حسين التي كانت بالفعل قائمة على الخوف منه، بسبب شعوره بطموح للملك حسين بعودة الضفة الغربية إلى سلطته، وتلك هي طبيعة عرفات النفسية، فقد كانت هواجس الشك - حتى في أقرب الناس إليه - هي المسيطرة عليه.
في تلك الفترة، كان أبو عمار حائراً في توجهاته، فقد كانت التجاذبات تشده إلى جهات مختلفة. داخلياً، كان في المنظمة رجال أقوياء مثل «أبو أياد» و«أبو جهاد» و«أبو مازن»، وكانوا يخالفونه الرأي في بعض سياساته وتوجهاته.
خارجياً، كانت لديه رغبة بفتح قناة اتصال مع الولايات المتحدة من أجل انتزاع اعتراف أميركي بالمنظمة أو به شخصياً، ولكن بشروطه.
في المقابل، كان الاتحاد السوفياتي خائفاً من خسارة الورقة الفلسطينية، وهي أهم حركات التحرر العالمية في ذلك الوقت، وكانت تتباهى موسكو بدعمها وتبنيها. أما مواقف الدول العربية تجاهه، فكانت إما متناقضة كلياً مع سياسته أو مؤيدة له.
كل هذه الأمواج كانت تتلاطم في وجه ياسر عرفات، وكان أسهل عمل يمكنه القيام به هو الابتعاد بسياساته عن الأردن، على رغم أن الملك حسين كان مُصراً على إدخال منظمة التحرير في عملية السلام من خلال انعقاد المؤتمر الدولي، ومن خلال سعيه لدى الأميركيين للحصول على الاعتراف بمنظمة التحرير والبدء بإجراء اتصالات غير رسمية تنتهي بالاعتراف الرسمي بها.
كان الملك حسين مهتماً بإقناع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر بهذا الاتفاق، كما كان واثقاً من قدرتها على مساعدته في تسويقه وتبني وجهة النظر الأردنية، خصوصاً لدى إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وسعى حثيثاً لإقناعها بمقابلة الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، الذي كان يضم كلاً من عبد الوهاب المجالي، ومحمد ملحم (أبو علاء)، وعضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير المطران إيليا خوري، بالإضافة إلي.
ونجح الملك حسين بإقناع ثاتشر بلقاء الوفد، شرط أن يصدر بيان مشترك عن الزيارة يذكر فيه القرار 242 الذي كانت منظمة التحرير وعرفات يرفضان قبوله آنذاك.
تولى زيد الرفاعي ترتيب كل الاتصالات مع منظمة التحرير تحديداً، للاتفاق على نص البيان، وحتى تسمية أعضاء الوفد، وكانت فكرة اقتراح المطران إيليا خوري، رئيس الطائفة الإنجيلية التي تدين بها بريطانيا والملكة، فكرة ذكية صدرت عن الرفاعي.
لم أكن أعلم بتفاصيل تلك الاتصالات، فقد كنت في حينه أترأس الوفد الأردني لاجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى أن أخبرني الرفاعي أثناء انعقاد دورة الأمم المتحدة، أنه قد تحدد موعد لقاء ثاتشر في بريطانيا، كي أتوجه من الأمم المتحدة إلى لندن للمشاركة في الوفد.
وكانت المصادفة أن محمد ملحم كان هو الآخر في نيويورك ضمن الوفد الفلسطيني، وذهبنا سوياً إلى لندن، وكنا في الفندق نراجع نص البيان الذي ستذيعه ثاتشر بعد لقائنا بها. وفوجئ محمد ملحم بوجود بند في البيان يتحدث عن القرار 242. اعترض على الأمر قائلاً إن تعليمات ياسر عرفات المباشرة لا تسمح له بقبول هذه الإشارة في البيان.
أعلمت الرفاعي فوراً بما قاله محمد ملحم، فأجابني: «هذا هو الاتفاق». سألته: «مع من كان الاتفاق؟»، فقال: «مع إيليا خوري الذي كان يقوم بدور حلقة الوصل بينه شخصياً وبين عرفات».
استغربت موقف الرفاعي، لعلمي أنه كان يجري كل اتصالاته مباشرة مع خليل الوزير الذي كان لا يزال يقيم في عمان، ولم تجر العادة أن يتم الاتصال، إن لهذا الأمر أو لغيره، من خلال وسيط آخر هو المطران إيليا خوري، وأبلغني الرفاعي أن المطران أكد له أن هذا هو موقف ياسر عرفات.
وجدنا أنفسنا في وضع حرج للغاية، لا سيما أن الملك حسين كان في زيارة خاصة إلى بريطانيا، وجرت اتصالات محمومة بيني وبين مسؤولي الخارجية البريطانية حول هذا الأمر.
واتصل محمد ملحم بياسر عرفات، واستطاع الحديث معه بعد جهد جهيد وبعد محاولات عدة. وجده في السودان، وأعلمه بالموقف، فغضب عرفات غضباً شديداً، وسمعت صوته عبر الهاتف قائلاً لمحمد ملحم بأنه لن يسمح لأي كان بترهيبه والضغط عليه، ولن يقبل بالقرار 242، حتى لو أدى ذلك إلى فشل لقاء الوفد مع ثاتشر. وقال إنه لن يوافق إطلاقاً على ذكر القرار 242 في أي بيان مشترك، وحذره من الذهاب إلى اللقاء.
اتصل بي الملك حسين من منزله الخاص في لندن، فأعلمته بالأمر وبتفاصيله، وكانت الخارجية البريطانية قد رفضت رفضاً قاطعاً حذف ذكر القرار 242 من نص البيان، حتى لو تم إلغاء اللقاء أصلاً. وأظن أن الملك أعلم مكتب ثاتشر بهذا الوضع، وبأننا لسنا المسؤولين عن هذا الأمر بل عرفات نفسه هو المسؤول، وإظهاراً لحسن نية الأردن، فإن وزير الخارجية مستعد للقاء نظيره البريطاني السيد جيفري هاو في مقر وزارته، لتأكيد التزام الأردن بالعملية السلمية وبالقرار 242. وهذا ما حصل. فقد ذهبت في اليوم التالي، في يوليو (تموز) 1985، إلى وزارة الخارجية البريطانية، وشرحت للوزير ملابسات ما جرى، وأسفنا لما حدث، وأكدت التزام الأردن بالقرار 242.
وقامت جريدة «هيرالد تريبيون» بنشر صورة لي أثناء لقائي بهاو، بعد أن تعمد الإعلام البريطاني الإساءة إلى منظمة التحرير ولعرفات أثناء تغطية الصحافة البريطانية لهذه المسألة.
انتهى فصل مريع من العلاقة المهتزة بين الأردن ومنظمة التحرير، وبقيت التفاصيل غامضة بشأن اتصال الرفاعي مع المطران إيليا خوري لترتيب هذا الأمر الحساس، ومسألة تجاهله الاتصال بخليل الوزير، مع أنه كان يعلم علم اليقين بأنه هو الرقم الأول للمنظمة في الأردن، وكان قد أجرى معه كل الاتصالات المهمة وفي المواضيع كافة، وكان أبو جهاد جاهزاً دائماً للقاء الرفاعي والتصارح معه حول القضايا كافة.
انتهى «اتفاق عمان» بإعلان إلغائه من قبل الحكومة الأردنية التي كنت فيها وزيراً للخارجية، بتاريخ 19 فبراير (شباط) 1986، وبوجود الأشخاص أنفسهم الذين كانوا متحمسين جداً لإتمامه، بدءاً بالملك حسين، مروراً بمروان القاسم وعدنان أبو عودة، وانتهاءً بزيد بن شاكر.
شعر عرفات بعد فترة أنه قد يستطيع الإفلات من الحصار الذي عانى منه بعد خروجه من بيروت سنة 1982، وتحديداً بعد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمان. والأهم، أنه شعر بأن هدفه من توقيع الاتفاق قد تحقق، فعاد إلى موقعه السابق، وبدأ مرحلة التراجع عنه تدريجياً. وكان التعامل مع تكتيك عرفات مقتصراً على المطبخ السياسي الأردني. إلا أنني كنت متيقناً بأن العمل يجب أن يتواصل ويستكمل لدعم هذا الاتفاق، ويجب أن تبقى العلاقات الأردنية - الفلسطينية على المستوى الرسمي الرفيع من التفاهم والتعايش، ولم أر أي مبرر منطقي أو موضوعي للخطوات والإجراءات الأردنية المضادة التي حصلت فيما بعد، وعبرت عن موقفي هذا صراحة داخل الاجتماعات الرسمية مرات عدة.
عندما تبلغنا في مجلس الوزراء قرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في عمان للمصادقة عليه، عارضت ذلك بشدة، وناقشت هذا القرار مطولاً استناداً إلى قناعاتي، وانطلاقاً من تخوفي من انعكاس هذا القرار على مصداقية الأردن، إلا أن مجلس الوزراء وافق عليه.
وفي أوائل أبريل (نيسان) 1987، كنا في زيارة بصحبة الملك حسين إلى لندن بوجود زيد الرفاعي وزيد بن شاكر، وذلك لمواكبة لقاء الملك بوزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، للتباحث ولاستمرار الحوار حول الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك المقترح لحضور مؤتمر دولي نادى به الملك ووافقت عليه منظمة التحرير، و«مواصفات» الفلسطينيين الذين سيشاركون في الوفد. وحضر شولتز إلى منزل الملك في لندن... وكان بصحبته عدد من مرافقيه، من بينهم ريتشارد ميرفي.
كان معظم الحديث قد تركز حول المبادرات المتوفرة لتأليف الوفد الفلسطيني - الأردني المشترك. بعد مغادرة شولتز والوفد المرافق له، وجدت في زاوية من زوايا صالون منزل الملك ملفاً نسيه أحد الأعضاء المرافقين لشولتز، مكتوب عليه «سري للغاية».
أخذت الملف سريعاً إلى الملك، وبدأنا بالاطلاع على محتوياته. ونظراً إلى أهمية المعلومات الواردة فيه، قرر الملك تصويره كله بسرعة فائقة، قبل أن يكتشفوا ضياعه وقبل إعادته لجورج شولتز.
ولهذه الغاية، أطفأنا أنوار المنزل حتى لا يعود صاحب الملف ويطلبه منا قبل أن نقوم بتصويره، وصدرت تعليمات لحرس المنزل بإبلاغ من يعود من أعضاء الوفد الأميركي بأن المنزل خالٍ لأننا غادرناه بعدهم مباشرة. وعندما انتهى التصوير، أنيرت الأضواء مجدداً، وجلسنا بعد ذلك نطلع وندقق في كل أوراق الملف من النسخة المصورة.
كان الملف يتضمن أوراق عمل على الطريقة الأميركية (position papers)، وعلى خطط متعددة لمواقف محتملة شبيهة بالسيناريوهات وبالخطط الرئيسية والخطط البديلة متعددة الدرجات من المفاوضات، وعلى موقف الولايات المتحدة الحقيقي من منظمة التحرير ومشاركتها، والحل النهائي المتمثل بتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين في الضفة الغربية والحكم الذاتي.
وأثناء وجودنا في لندن، التقى الملك حسين وشيمون بيريز في منزل اللورد ميتشكوم في الحادي عشر من أبريل (نيسان) 1987، وكان زيد الرفاعي بصحبة الملك. أما بصحبة بيريز فكان يوسي بيلين حسب ما عرفت لاحقاً، وأسفر ذلك اللقاء عن اتفاقية عرفت بـ«ورقة بيريز – الحسين»، ونصت على «تشكيل إطار تمهيدي لدعوة مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وعلى أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، لإيجاد حل للصراع العربي - الإسرائيلي وللقضية الفلسطينية». وحسب الاتفاقية، «يمثل الأردن مصالح الشعب الفلسطيني في المؤتمر، ولا تشترك منظمة التحرير الفلسطينية فيه». كان الجانبان ينويان إعادة الضفة الغربية إلى إدارة المملكة الأردنية الهاشمية بشكل جزئي أو كامل نتيجة هذا المؤتمر.
من جهة ثانية، كان الوضع الأردني - الفلسطيني يتناقض تناقضاً كبيراً مع العلاقة الوثيقة بين الحكومة الأردنية وبين خليل الوزير «أبو جهاد» الذي كان مسؤول القطاع الغربي في المنظمة، وكان يقيم في الأردن ويدير أعماله في الضفة الغربية واتصالاته من عمان.
و«أبو جهاد» صاحب شخصية محببة وودودة ويوحي بالثقة، وكان مرناً ومتفهماً إلى أقصى الحدود، ولم تكن علاقتي معه تقتصر على كوني وزيراً للخارجية، إنما تعدت ذلك لتصبح علاقة صداقة، وكنا نتشارك أحياناً في مناقشة العديد من الآراء وطرح الأفكار في الشؤون العامة.
فقد كان خليل الوزير مسؤولاً عن الجبهة الغربية في فلسطين التي تعنى بإدارة التحركات والنضال الفلسطيني في الضفة الغربية. وكان الأردن مطلعاً على الكثير من نشاطاته، ولم يمانع في بعضها، وكانت شخصيته تؤهله لأن يكون مفوضاً من المنظمة لتولي العلاقات مع الأردن. فهو قيادي وموثوق به وغير صدامي، وقد تمكن من إقامة علاقات جيدة مع الحكومة الأردنية والمخيمات.
يوم استشهاده، رحمه الله، في تونس في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1988، كنت حينها وزيراً للخارجية، واتصل بي عبد الرزاق اليحيى الذي كان آنذاك ممثلاً للمنظمة في الأردن حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وقال لي: «صديقك أبو جهاد اغتيل صباح اليوم في تونس».
اغتالته إسرائيل بإنزال فريق من الكومندوس على الشاطئ التونسي قرب مساكن قادة المنظمة، وكانت سيارة مستأجرة بانتظارهم لتقلهم إلى بيته، وقطع الكومندوس الاتصالات ودخلوا منزله وأطلقوا عليه الرصاص أمام زوجته.
صعقت لهذا الخبر، وتفاهمت فوراً مع رئيس الوزراء زيد الرفاعي، ووزير الداخلية رجائي الدجاني، بأن نقترح على منظمة التحرير الفلسطينية دفنه في عمان، ثم عرضت الأمر على عبد الرزاق اليحيى باسم الحكومة الأردنية. وقبل أن نتلقى جواباً من ياسر عرفات، كنا نشك بقبول أبو عمار اقتراح الأردن دفن أبو جهاد في عمان، لكن فاروق القدومي (أبو اللطف) اتصل بي وأعلمني بأن والدي «أبي جهاد» وعائلته قرروا دفنه في مخيم اليرموك، في ضواحي دمشق، حيث كانوا يقيمون. عبرت للقدومي عن أسفي وأسف الحكومة الأردنية لذلك، وقلت له إن «هذا قرار خاطئ وقد طغت عليه الحساسيات والمخاوف التي لا أساس لها».
لقد كان هدف الملك من الاتفاق خلال حقبة زيد الرفاعي، هو قبول الدول العربية، وتحديداً منظمة التحرير، بالقرار 242 وبالشرعية الدولية، مقابل أن تسير الولايات المتحدة خطوات مماثلة باتجاه المنظمة. أما كيفية الوصول إلى هذه النقطة، فكانت الشغل الشاغل للملك حسين وللدبلوماسية الأردنية.
وعندما تولى زيد الرفاعي الرئاسة، كان عليه إكمال الطريق بحسب ترتيبات الملك، وأخذ المبادرة بهذا الاتجاه، لكن الولايات المتحدة لم تعلن يوماً ما، وبصراحة، تأييدها للاتفاق الأردني - الفلسطيني. ورغم ذلك أراد الملك حسين عقد الاتفاق، غير ملتفت تماماً إلى رأي الأميركيين وإلى مدى تقبلهم له. فالولايات المتحدة كانت مؤمنة بأن خير وسيلة للتفاوض هي المفاوضات المباشرة بين المنظمة وإسرائيل بعد اعتراف المنظمة بالقرار 242. كذلك، لا يمكن تجاهل الإشارات المتضاربة، كمعارضة رجالات «فتح» الكبار والأقوياء الاتفاق بشدة، مثل «أبو إياد» و«أبو اللطف». ورغم مما فرض هذا الاتفاق من تحضيرات ولقاءات وزيارات ومشاكل ومقاومة من قوى كبرى وإقليمية، فإن عرفات لم يصادق عليه ولم يوقعه، مكتفياً بتوقيع الأحرف الأولى من اسمه فقط، وانتهى أخيراً إلى لا شيء، على رغم أنه كان مشروع اتفاق. وأصبح واضحاً لنا في عمان أن «أبو عمار» يواجه مصاعب حقيقية وخطرة في ترويجه داخل منظمة التحرير وداخل حركة «فتح».
ونتيجة لما سبق، قام زيد الرفاعي باتخاذ إجراءات التضييق على منظمة التحرير واختراع قيادة بديلة وإغلاق مكاتب «فتح» في عمان، وإلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني. وفوجئت بقرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في عمان وإبعاد «أبو جهاد» من الأردن خلال مدة زمنية قصيرة جداً، وإلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني.
كان من ضمن مخططات زيد الرفاعي قبول الأردن بمشروع حكم ذاتي واسع للضفة الغربية كخطوة أولى لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي فيما بعد، ضمن مؤتمر دولي، وقد أعد لهذا الغرض، وبالاتفاق مع الحكومة الأميركية، مشروعاً طموحاً للتنمية مدته خمس سنوات.
والفكرة أساساً من بين أفكار وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، وكان يخطط للسير تدريجياً في الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية لتحصل على حكم ذاتي، وذلك بموافقة الحكومة الإسرائيلية. وكان يعتقد بأن تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية شرط ضروري لإبعاد سكانها عن «الإرهاب» والقضاء عليه، وكان يظن في قرارة نفسه أن رفع مستوى معيشة الفلسطينيين في الضفة الغربية سيكون كافياً ليلغي أمل التحرير والمطالبة الفلسطينية بالانسحاب الإسرائيلي.
لكن هذه الخطوة واجهت شكوكاً كثيرة داخل الأردن وخارجه، وشنت منظمة التحرير الفلسطينية عليها هجوماً كاسحاً كونها تشكل تخلياً عن قرارات الشرعية الدولية، وبخاصة القرار 242 الذي كان العمود الأساسي للتحرك، وسميت سياسة «التقاسم الوظيفي».
جوبه هذا المشروع بمعارضة شديدة في الداخل والخارج، وكنت أول المعارضين له مع أنني كنت وزيراً للخارجية حينها، واحتجت عليه منظمة التحرير الفلسطينية ودول عربية أخرى، كونه يشكل قبولاً أردنياً بالحكم الذاتي وتأسيساً له.

المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية (الثالثة والأخيرة)
حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات (الحلقة الأولى)



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended