رؤية تشكيلية معاصرة لمعرض «أسمار شهرزاد»

رؤية تشكيلية معاصرة لمعرض «أسمار شهرزاد»

الفنان المصري كلاي قاسم يستلهم حكايات «ألف ليلة وليلة»
الأحد - 5 صفر 1443 هـ - 12 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15629]

ظل الفنان التشكيلي المصري كلاي قاسم لسنوات طويلة يستلهم أعماله ولوحات معارضه من «الأوبرات» العالمية، لكن استهوته هذه المرة حكايات «ألف ليلة وليلة» والتي استلهم منها لوحات معرضه الجديد المقام الآن بغاليري «تام» تحت عنوان «أسمار شهرزاد» زاخراً بسيل من القصص والأساطير الشيقة القادمة من عالم سحري مدهش وإرث ثقافي مفعم بالخيال كان لهما بالغ الأثر في الأدب العالمي.

لا ينبغي لمحبي فن كلاي أن يصيبهم القلق من تغيير مسار أعماله أو الخوف من افتقاد تلك الطاقة الانفعالية العميقة المحملة بالمشاعر والمعاني النبيلة التي أمدتنا بها لوحات في معارضه السابقة وحين احتفت بأشهر قصص الأوبرا العالمية فنحن هنا أيضاً بصدد أسفار وأسمار «ألف ليلة وليلة»، التي تثري الخيال وتسلب الوجدان وإن اختلفت في بعض الصياغات والمعالجات «الانفعالية» والفنية عن الأوبرا العالمية، يقول كلاي قاسم لـ«الشرق الأوسط»: «دفعني عشقي الشديد للأوبرا والشغف بها إلى تناولها في أعمالي بصبغة مصرية، فقد سبق لي تجسيد أوبرا (الناي السحري) بكل صراعاتها وجنوحها للخيال، وبعدها عراقة (عايدة) المرتبطة بهويتنا وتاريخنا، ومن ثم كنت قد انتويت تناول (إكسير الحب) التي تعتبر حجر الزاوية في الحب الرومانسي بالأدب العالمي، إلا أن الصدفة قادتني إلى تغيير اختياري».

ويتابع موضحاً: «أثناء حديثي مع أحد أصدقائي تطرقنا إلى رائعة (ألف ليلة وليلة) ومنذ تلك اللحظة شعرت أن ثمة أبواباً جديدة قد فتحت أمامي، فوجدت نفسي متوغلاً في قراءة نصوصها وحكاياتها، متتبعاً أحاديث شهرزاد التي دعتني إلى التحليق معها في عوالم من الخيال والإثارة، رافضة أن تغادرني، حتى توصلت إلى سر امتناع شهريار عن قتل شهرزاد كعادته في صبيحة ليلة الزواج، فقد كان ينوي بالفعل أن يستل نفسها لكنه وجد نفسه بداخلها ومعها ومع كل إحساس نبيل أو معنى جميل جاء في إحدى حكاياتها، وهو ما زادني تعلقاً بها»!.

إلى ذلك جاء اختيار كلاي لعنوان المعرض «أسمار شهرزاد» مقصوداً وموحياً، يقول: «لم أختر كلمة أحاديث أو أقاويل، لأن كما هو معروف يشير السمر إلى الحديث ليلاً، فوجدت فيه حميمية الحوار بين شهرزاد وشهريار، وجاء اسم شهرزاد بعد (أسمار) عرفاناً بدورهاً في تغيير (عقلية) شهريار وشخصيته المتغطرسة القاتلة، إلى مقدر لمكانة المرأة».

لكن لا تتوقف أعمال المعرض التي تقترب من الخمسين لوحة، والمستمر حتى 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، على بث الإحساس بالدفء والحب والعشق أو الانبهار بجمال هذه المرأة وذكائها إنما تبدع الأسفار على مسطح اللوحات نسيجاً بديعاً من الدراما التي تأخذ المتلقي من حكاية إلى أخرى، حتى ليعثر داخل كل حكاية على مجموعة من الحكايات الأخرى من دون أن يصيبه الشعور بالملل أو التذمر من تلك الجرعة التشكيلية المكثفة والمتشابكة من الحكي، ومثلما يجد المشاهد نفسه مستمتعاً بـ«الأسمار» التي تتضمنها اللوحات فإنه أيضاً يضبط نفسه شغوفاً بالتحرر من أي قيود بحثاً عن المزيد من «الأسفار» ما بين العالم السفلي والعالم البحري وفضاءات السماء وامتدادات الأرض، لا سيما حين تشاركه في رحلاته باللوحات «عروسة البحور»، و«بدر البدور»، و«قمر النهار»، و«وردة الأكمام» وغيرهن.

والمتأمل للوحات يكتشف كيف يقدم الفنان معالجة عصرية ومغايرة في بعض حكايات «ألف ليلة وليلة»، لا سيما ما يتعلق بصورة المرأة، فبعد أن كانت تنحصر في جمال الجسد تراها وقد انتقلت إلى عالم أكثر بعداً وعمقاً من ذلك الفكر الذكوري الضيق، فنجدها تنجح في ترويض ذلك الوحش القاتل للنساء الذي استقر لسنوات طويلة داخل فكر (شهريار) وذلك من خلال حديثها الممتزج بحنكتها ودهائها وفيض ثقافتها من دون أي مشاجرات أو معارك بينهما،: يقول قاسم لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت أنسج أحداث وشخوص لوحاتي، فأصبحت حبيس أسمارها التي تذخر بذلك السيل من القصص والأساطير، وتأثرت في ذلك إلى حد كبير بحلقات (ألف ليلة وليلة) الإذاعية، ذلك الكنز الذي استمر نحو 26 عاماً بمعالجة مغايرة للمبدعين طاهر أبو فاشا ومحمود شعبان وغيرهما، حاولت أن أعيد للمرأة حقوقها وكرامتها ومكانتها التي تستحقها كنوع من محاولات الإنصاف، مجسداً المرأة العربية حين تمتلك العقل والثقافة والجمال».

وفي لوحته «شرفات القصر» إكريلك على ورق ذهب وفضة ينسج الفنان حكاية متكاملة تبحث فيها المرأة عن الحرية والتطلع للخروج من القصر، وفيها تمسك شهرزاد بيد كهرمانة وتحاول أن تهديها الحب حتى يلين قلبها على بنى جنسها، ونرى طائر النسر وقد وقف بجانبهما ليمنحهما الحماية ويغمد «مسرور» سيفه وينحني للنساء، ويحيط ذلك كله أجواء مليئة بالزخارف المتوارية التي تضفي نوعاً من الموسيقى الشرقية البصرية للمتلقي.

وعبر «أحداث» لوحة «الحكماء الثلاثة» نعيش قصة الملك خسروان مع الحكماء الثلاثة الذين تقدموا إلى الملك يطلبون الزواج من بناته الثلاثة، فيسخر من شيبتهم ويطلب منحه ثلاث هدايا مقابل الموافقة وتتوالى الأحداث حتى يصل إلى أن من قطع عهد فعليه تنفيذه لتستقيم حياته فيتحول الحكماء الثلاثة إلى ثلاثة شباب فيزوجهم بناته. ومن أبرز مكونات الدراما بالمعرض أيضاً مجموعة «السندباد البحري» ورحلاته في «السبع بحور».

يعلق الفنان على احتفائه بالاستلهام من الفنون الأخرى قائلاً: «أرى أن الفنون جميعها ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً، وعندما أنوي عمل لوحة معبرة عن إحدى الفنون كالأوبرا أو الرواية فإنني عند تفاعلي معها أجدها كأطياف حولي، وأحاول الاستفادة من مضمون وفلسفة القصة والتعبير عنها من خلال مفرداتها».


مصر Arts

اختيارات المحرر

فيديو