العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

مؤرخ أميركي يشرح مفارقات الزواج والطلاق المتكرر بينهما

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟
TT

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

عن العلاقة القديمة بين العلم والدين وقصة تقاربهما وتباعدهما والتي دائما كانت تتأرجح بين حقبة عسل وزواج، وتارة أخرى بين انفصال وطلاق، يدور كتاب «أبناء أرسطو» للمؤرخ الأميركي ريتشارد إي. روبنشتاين، ترجمه للعربية رضا زيدان، وصدر حديثا عن دار أدب للنشر والتوزيع بالسعودية.
ومن أجل تبسيط الخطوط العريضة للكتاب سأقسمه للقارئ إلى أربع محطات:
المحطة الأولى: ساد فيها الخصام والطلاق بين العلم الأرسطي اليوناني والأديان الإبراهيمية، فرؤية العالم التي قدمها أرسطو (القرن 4 قبل الميلاد) والمصطبغة بنظرة مادية ودنيوية، لا غبار عليها، أو لنقل إنها نظرة علمانية للكون تقرؤه من خلال الكون نفسه، ما كان للدين أن يتقبلها، فيكفي أن إله أرسطو محايث للكون الذي يراه أزليا، خلافا لإله الأديان الإبراهيمية المفارق وخالق الكون من عدم.
إضافة إلى اختلاف التصور لمفهوم السببية الذي هو عند أرسطو ضرورة تسير عليه الأمور، أما بالنسبة للدين فهو لا يكتسي هذه الضرورة المطلقة وذلك لفسح المجال للمعجزات والتدخل الإلهي في تفاصيل الكون وحضور عنايته.
فالعلاقة إذن بين الدين والعلم آنذاك، والذي كان رمزه هو أرسطو، كانت علاقة تنافر وتباعد أو لنقل إن كل واحد منهما قد قدم تصورا منافسا للآخر، وهو ما يفسر لماذا لم يكن أرسطو مرحبا به في القرون الأولى للمسيحية، حيث تم الاحتفاء بأستاذه أفلاطون أكثر لأن تصوره مشحون بالعوالم المفارقة والمثالية التي يسهل توفيقها مع الدين، ولنا في عمل القديس أوغسطين (القرن الرابع والخامس للميلاد) أحسن مثال على ذلك.
المحطة الثانية: وقف الكتاب عند حقبة ثانية من مسار التنافس بين التصور الديني والتصور العلمي، وهي حقبة لم يقدر العقل فيها على الإبقاء على التناقضات بين النسقين: النسق المحايث والنسق المفارق، فظهرت حمى التوفيق والإدماج بينهما وعلت الإرادة لإقامة الصلح بين المنظومة الأرسطية والدين، حيث اجتهد الفلاسفة في التربة الإسلامية للتوفيق بين التصورين المتنافسين، وإيجاد ما بينهما من اتصال فكان التتويج في هذا العمل مع الشارح القرطبي ابن رشد (القرن الثاني عشر الميلادي)، الذي يؤكد المؤلف عليه وعلى جهده الجبار لتقريب الرؤية الأرسطية من الرؤية الدينية، لكن كان مصير هذا الجهد الفشل، خاصةً بعد ما قام به الإمام الغزالي (القرن الحادي عشر الميلادي) من تفكيك لأواصر القرابة بينهما.
لقد كان دخول أرسطو في الفضاء الإسلامي حقا غير مريح، رغم أهميته العلمية والتفاني في ترجمته، فالأرض لم تكن مفروشة له بالورود، فالاحتدام معه كان شرسا، وهو الأمر الذي يمكن تسميته بمعركة «تهافت الفلاسفة».
لكن هذه المعركة التي خرج منها أرسطو مطرودا غير مهزوم من التربة الإسلامية ستأخذ دربا آخر في الفضاء المسيحي خاصةً بعد القرن 12م، حيث ستتمكن المسيحية اللاتينية، بعد أخذها المشعل من المسلمين، وبعد صراع مرير، يسمى بالمعركة الأرسطية، من إقامة الصلح وإبرام عقد زواج بين أرسطو والدين، بين العقل والإيمان، ولعل توما الاكويني (القرن 13م) أهم من قام بتعميد أرسطو وتنصيره وجعله الناطق الرسمي باسم الكنيسة، التي رفعت مقامه إلى مصاف الآباء والقديسين، إلى حد أصبح معه انتقاد أرسطو هو انتقاد للكنيسة نفسها.
إن هذه المحطة الثانية التي تم تتويجها بزواج مرتب بين الفلسفة (العلم) الأرسطية والدين المسيحي هي اللحظة الأساسية في الكتاب، حيث وقف روبنشتاين فيها عند تفاصيل كثيرة، سبقت ترتيبات الزواج، وكانت الانطلاقة المهمة عنده من إسبانيا (الأندلس) حيث كان الظهور المسرحي الثوري لأعمال أرسطو.
فإسبانيا كانت إحدى أهم المناطق الإسلامية في القرون الوسطى التي حافظت على التراث اليوناني الذي تحول آنذاك لملكية فكرية للحضارة العربية المزدهرة والمستنيرة، فهذه اللحظة بالضبط ونظرا لظروف تاريخية محددة طالت أوروبا: ارتبطت بالحروب الصليبية والتغيرات الاجتماعية الطارئة وبروز ثورات تريد الحد من هيمنة الكنيسة وشيوع أفكار إصلاحية تريد العودة إلى زمن التقشف والزهد الرسولي، عوضاً عن الملكية المفرطة للإكليروس، إضافة إلى ظهور أجيال جديدة فضولية ترفض الإيمان والأسرار الكنسية دونما فهم ومعقولية، كل هذه العوامل وأخرى ساهمت في خلق فضاء يغلي ومتعطش للجديد، هذا الجديد كان عند العرب، مما عجل وسرع من وتيرة الترجمة، ترجمة التراث اليوناني مع كل تنقيحات وتصويبات وشروحات وإضافات فلاسفة الإسلام وأبرزهم ابن رشد الذي سيصبح له أتباع من اللاتين وسيشكلون مذهبا كامل الأركان يسمى الرشدية.
يرفض المؤلف فكرة الأصالة الثقافية، فهي بالنسبة له، أسطورة فلا حضارة تتطور بمفردها دونما استعارة من الآخر، ولعل ما حدث فيما يسمى بنهضة القرون الوسطى شاهد على ذلك، فالغرب المسيحي ما كان لينطلق في ثورته الحداثية دون سند الخيرات والتراكمات الفلسفية والعلمية التي قدمها العرب على طبق من ذهب، فالقول بصفاء الذات ثقافيا هو مجرد تعصب لا يسنده التاريخ.
المحطة الثالثة: هي لحظة بدأت في القرون الوسطى المتأخرة وبالضبط مع مدرسة باريس إبان القرن 14م، حيث لم يمض زمن طويل من الوفاق والتلاقي الحميم بين العقل والإيمان لتظهر ملامح الشقاق من جديد، فإذا كان الدين المسيحي قد تنفس الصعداء حينما تخلص من التناقض الذي طرحته الأرسطية عليه ووجد صيغة مثلى لتنصير أرسطو ومن ثم إسكات شغف الفهم وإضفاء المعقولية على أسرار الكنيسة.
فإن الأمر لم يبق كما هو، حيث إن التناغم الذي حصل سيدفع بالعقول الفذة لمدرسة باريس إلى تحدي النسق الأرسطي العلمي نفسه وإبراز تهافت بعض آرائه، خاصةً في مفهوم الحركة، حيث ستظهر «نظرية الاندفاع» التي من خلالها سينطلق أهم مبدأ سيدشن الفيزياء الحديثة مع جاليليو وهو مبدأ «القصور الذاتي».
فجاليليو هو مجرد تلميذ مدرسة باريس بزعامة الراهبين أورزم وبوريدان، اللذين قاما ببلورة ملامح أولية لقول غير أرسطي في العلم، فهما من سمحا بالحديث عن إمكانية دوران الأرض مما مهد السبيل لعالم الفلك الشهير كوبيرنيكوس لإعلان نظرية دوران الأرض الثورية والتي قلبت كيان العلم ودقت مسماراً في نعش العلم الأرسطي وانطلق معها الزمن الحديث الذي ستتحدد ملامحه بجلاء كبير في القرن السابع عشر مع أسماء كبيرة مثل: جاليليو وديكارت وكبلر وباسكال ونيوتن، الذين سيتم معهم توقيع وثيقة الطلاق من جديد بين العلم والإيمان.
لكن هذه المرة مع العلم الطارئ الجديد وليس العلم الأرسطي المهزوم، إذ ستظهر رؤية جديدة للعالم قوامها النظرة الميكانيكية، حيث التفسير للظواهر يتم من خلال العالم نفسه، فلا شيء مفارق يعتمد عليه في الفهم، أو لنقل إن الدين أصبح مقتصرا على الاهتمام بخلق الأشياء، أما العلم فأصبح مقتصرا على تكوين الأشياء، فالزمن الحديث حدد المهام المنوطة بكل طرف بإحكام، فالطلاق بين العلم والدين أصبح طلاقا منهجيا. وهو ما تعمم في كل مناحي الحياة بما أصبح يسمى «العلمانية».
وهنا لا بد من الإشارة إلى فكرة هامة يقف عندها المؤلف وهي الدور الهائل الذي لعبته الكنيسة في بناء العلم الحديث، فهو خرج من رحمها، فعمل مدرسة باريس الجبار تم من طرف رهبان، عكس المعتقد السائد بأن الكنيسة عدوة للعلم، فالذي حدث بالضبط هو أن تصدي الكنيسة المشهور لرواد العلم (حرق برونو، محاكمة جاليليو...) كان بسبب هجومهم على أرسطو الذي أصبح في مقام القديسين، فالكنيسة في حقيقة الأمر دافعت عن هيبتها، لأنها تبنت أرسطو الذي أصبح يتهاوى أمامها، ولنقل بوضوح أن الصراع في حقيقته لم يكن بين الدين والعلم في الزمن الحديث بل كان بين العلم والعلم، علم أرسطي يتآكل وعلم حديث يتبلور.
المحطة الرابعة: هي التي تتم في عصرنا الراهن هذا، حيث تبدو ملامح العودة من جديد للوئام بين الرؤيتين المتنافستين تاريخيا، ليطلب العلم والدين يد بعضهما لبعض للزواج، فبعد مرور 4 قرون من الحداثة وذيوع الفصل بين العالم الأرضي والعالم السماوي في كل المجالات، وإبعاد الغايات والمقاصد من كل رؤية، والاكتفاء بكل ما تحته حساب وأرقام، أي كل ما من وراءه مردودية ونجاعة، والتخلي عن القيم والعوالم المفارقة.
لأنها تخرج من نطاق التكميم، بعد كل ذلك حصلت أزمة في معنى الوجود، فالإنسان بات قلقا، وفاقدا في كثير من الأحيان لبوصلته ومضيعا لقبلته وتائها في عالم لا يكترث للماورائيات، مما استدعى إعادة النظر من جديد في الطلاق بين العلم والدين وطلب الرجوع للزواج من جديد، وبالطبع هو رجوع من طراز مختلف تماما، فقد مرت مياه كثيرة تحت القناطر.
وهنا بالضبط يتدخل كتاب روبنشتاين بدعوته إلى ضرورة العودة إلى العقل المحمل بالقيمة وهو ما يمكن تعلمه واستلهامه من القرون الوسطى التي قدمت تصورا دينيا لا يخاف العقل وتصورا عقليا لا يتجاوز الديني.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.