نصف سكان الكرة الأرضية حرموا من مشاهدة الكسوف بسبب الغيوم

الملوك والأطفال والعلماء يجتمعون في متابعة الكسوف

سياح ومواطنون مصريون عند الهرم الأكبر  في الجيزة لمشاهدة الكسوف الجزئي للشمس (إ.ب.أ)
سياح ومواطنون مصريون عند الهرم الأكبر في الجيزة لمشاهدة الكسوف الجزئي للشمس (إ.ب.أ)
TT

نصف سكان الكرة الأرضية حرموا من مشاهدة الكسوف بسبب الغيوم

سياح ومواطنون مصريون عند الهرم الأكبر  في الجيزة لمشاهدة الكسوف الجزئي للشمس (إ.ب.أ)
سياح ومواطنون مصريون عند الهرم الأكبر في الجيزة لمشاهدة الكسوف الجزئي للشمس (إ.ب.أ)

كان أرخبيل سفالبارد قبالة سواحل النرويج واحدا من أفضل الأماكن في أوروبا بالنسبة لعلماء الفلك وغيرهم من المهتمين بالظواهر الطبيعية لمشاهدة أول كسوف كلي للشمس في عام 2015، بينما شهدت مناطق أخرى في أوروبا كسوفا جزئيا.
ومن الأماكن الأخرى التي كانت تتيح مراقبة جيدة لهذه الظاهرة الفلكية جزر فارو بشمال المحيط الأطلسي حيث احتشد قرابة 8 آلاف سائح لمشاهدة الكسوف.
ويحدث كسوف الشمس عندما يتحرك القمر على استقامة واحدة بين الشمس والأرض مما يؤدي إلى اختفائها. كما عرضت هيئة الأخبار الدنماركية (دي آر) لقطات مباشرة للقمر وهو يتحرك ببطء ويغطي قرص الشمس. وبدأ مشهد الكسوف في العاصمة النرويجية أوسلو في نحو الساعة التاسعة و46 دقيقة (08.46 بتوقيت غرينتش) ووصل إلى ذروته في الساعة 10.53 صباحا (09.53 بتوقيت غرينتش).
كما حدث كسوف جزئي للشمس في أفريقيا الشمالية وآسيا الجمعة.
والجدير بالذكر أن آخر كسوف كلي للشمس في أستراليا وقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012.
وكان مشهد الظاهرة واضحا تماما في شمال السويد والنرويج ولكنه كان جزئيا.
وللمفارقة أن قطر الشمس أكبر 400 مرة من قطر القمر إلا أنها 400 مرة أبعد منه. ويمكن تاليا للقمر أن يحجب الشمس كليا عن الناس الذين يقفون في الظل الذي تعكسه على سطح الأرض.
وحالت السحب الكثيفة التي غطت سماء بريطانيا الجمعة دون مشاهدة الكسوف حيث بدا اليوم كما لو كان مجرد يوم آخر غائم.
وجاء في تغريدة لدوق يورك الأمير أندرو: «لا أرى الكثير من كسوف الشمس من قصر باكنغهام!».
ومنعت بعض المدارس ومراكز الرعاية الصباحية في السويد الأطفال من الخروج في الهواء الطلق خوفا من أن ينظر بعض الأطفال الفضوليين إلى الشمس دون حماية ملائمة. وكان من المرتقب معاينة هذا الكسوف في أوروبا وشمال غربي أفريقيا وآسيا ومنطقة الشرق الأوسط، لكن الغيوم، وليس القمر، هي من حجبت الشمس عن الأنظار في أغلبية الحالات.
وأثارت هذه الظاهرة الفلكية الحماس على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تم تداول الصور مع بعض التعليقات الساخرة أحيانا.
وكتب أحد مستخدمي «تويتر» في فرنسا «كسوف بين غيمتين، ثم كسوف آخر».
وأضاف مستخدم ثان من بريطانيا «لحسن الحظ أن الأمر قد انتهى، فالمرة المقبلة التي سيحدث فيها كسوف من هذا القبيل في بريطانيا، سنكون قد فارقنا هذا العالم جميعنا».
وفي لندن، حيث كان من الممكن مشاهدة الكسوف بنسبة 84 في المائة، تجمع نحو 500 شخص في متنزه «ريجنتس بارك». وتجهز البعض منهم بتلسكوبات متطورة، في حين حمل البعض الآخر أدوات بسيطة يدوية الصنع. وكان أحد رجال الشرطة يعير نظارته الواقية.
لكن الأحوال الجوية السيئة عكرت الفرحة في العاصمة البريطانية وفي فرنسا أيضا حيث لم تتسن رؤية الكسوف إلا في شمال شرقي البلاد. وكان البعض أوفر حظا، فقد ركبوا طائرات حلقت فوق الطبقات السحابية للسماح لركابها بالتفرج على «الشمس السوداء».
وركب 50 دنماركيا في طائرة «بوينغ 737» أقلعت خصيصا في هذه المناسبة، في مقابل مئات الدولارات للتذكرة الواحدة.
ويصادف هذا الكسوف الظاهرة المعروفة بالاعتدال الربيعي عندما تنتقل الشمس من النصف الجنوبي إلى النصف الشمالي للأرض من جهة، وأيضا مع الظاهرة المعروفة بـ«القمر العملاق» عندما يكون القمر على أقرب مسافة له من الأرض، من جهة أخرى. وسيكون القمر في الواجهة السبت مع حركات مد كبيرة جدا ستطال خصوصا خليج فوندي في كندا وسواحل الأطلسي والمانش وبحر الشمال. والمد ناجم عن قوة جاذبية القمر والشمس على المحيطات. ومن المتوقع أن يحصل الكسوف الكامل التالي للشمس في 12 أغسطس (آب) 2026 في أوروبا.
وفي الشرق الأوسط تجمع سياح ومواطنون مصريون عند الهرم الأكبر في الجيزة لمشاهدة كسوف جزئي للشمس من مكان كان المصريون القدماء ذات يوم يعبدون فيه الشمس.
وقال علاء إبراهيم الأستاذ المشارك للفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء إن للكسوف دلالة خاصة في مصر حيث كان قدماء المصريين يعبدون الشمس.
وأضاف: «كانت الشمس إلها في الحضارة المصرية القديمة وفي أماكن عديدة في مصر يمكننا رؤية تعامد الشمس على المعابد.. وهو ما يوجد رابطا مهما للغاية بين الشمس والحضارة المصرية. أردنا أن نستعيد هذا التراث بأن نتيح الفرصة للجماهير وللسائحين الذين يزورون مصر لاستعادة هذه الروح بفهم كيف يحدث الكسوف وبمشاهدته في مكان رائع مثل هذا المكان».
وفي المغرب شهدت العاصمة الرباط كسوفا جزئيا بدأ في حدود الساعة الثامنة صباحا وانتهى عند الساعة العاشرة بتوقيت غرينتش.
ويعد هذا الكسوف الأكثر وضوحا من البلدان العربية، لذا حذرت مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة المواطنين بعدم النظر إلى الشمس بالعين المجردة ولكن يجب استعمال العدسات الخاصة التي تسمح بمرور أشعة بسيطة من الشمس دون دخول الأشعة غير المرئية والتي تمكن من رؤية كسوف الشمس دون تأثيرها على عين الإنسان، على اعتبار أن أي تسرب لهذه الأشعة إلى شبكة العين يمكن أن يسبب تلفا فيها.
وكانت وزارة التربية الوطنية المغربية عممت مذكرة على جميع الأكاديميات والمؤسسات التعليمية تحثهم على عدم السماح للتلاميذ برؤية الشمس في فترة الكسوف دون استعمال أقراص خاصة، مما دفع بعدد من المدارس إلى منع الأطفال من الخروج إلى الساحة في الفترة الصباحية إلى حين انتهاء عملية الكسوف، فيما تمكنت مؤسسات أخرى من توفير المعدات اللازمة لتتبع الظاهرة بسلام.
وفي واحدة من أشهر التجارب قدم كسوف للشمس عام 1919 شواهد تعضد نظرية النسبية لأينشتاين إذ أدت كتلة الشمس الهائلة إلى انحناء الضوء المنبعث من نجوم في الفضاء السحيق.
ويتناقض العدد المحدود الذي راقب الظاهرة اليوم مع عشرات الملايين من الناس ممن شاهدوا أحدث كسوف في أوروبا عام 1999.
وفي مدينة هامبورغ الألمانية تابع ملك هولندا فيليم ألكسندر وزوجته الملكة ماكسيما بداية كسوف الشمس على ضفاف نهر الإلبه في ألمانيا. وتفقد الزوجان الملكيان خلال زيارتهما الرسمية في مدينة هامبورغ الألمانية اليوم الجمعة محطة عائمة لتوليد الكهرباء بالغاز وذلك خلال بدء ظاهرة الكسوف.
وكانت السماء ملبدة بالغيوم والسحب قبل بدء الكسوف، وكانت الشمس تظهر أحيانا وتختفي مجددا.
وفي طريق عودتهما من محطة الكهرباء إلى السيارة التي كانت في انتظارهما ألقى الملك فيليم وزوجته ماكسيما نظرة على كسوف الشمس وهما يرتديان النظارات الواقية.
وعلى صعيد آخر أعلنت شبكات القوى الكهربية في قارة أوروبا نجاحها الجمعة في التعامل مع حالة التشوش التي لم يسبقها مثيل التي طرأت على إمدادات الكهرباء المستمدة من الطاقة الشمسية لمدة ساعتين ونصف الساعة بسبب كسوف الشمس الذي تسبب في تذبذب الطاقة الكهربية صعودا وهبوطا في بداية الحدث وانتهائه.
وتفخر ألمانيا بأنها أكبر بلد يستعين بالطاقة الشمسية في القارة الأوروبية وهي أيضا أكبر اقتصاد في القارة. واستمدت البلاد في العام الماضي 6 في المائة من إجمالي القدرة الكهربية للشبكات من الطاقة الشمسية.
والانخفاض المبدئي الذي بلغ 13 غيغاواط في ألمانيا أقل مما توقعته شركات الطاقة التي بادرت إلى الاستعانة بمصادر بديلة ضخت طاقة إلى شبكات الكهرباء منها الفحم والغاز والغاز الحيوي ومحطات الكهرباء التي تعمل بالطاقة المائية.
وقالت شركة تينيت وهي واحدة من 4 شركات بالشبكة ذات الجهد العالي في بيان على موقعها الإلكتروني: «ترددات الشبكة مستقرة وتمت الاستعانة بالأحمال الاحتياطية».
وزادت هذه القدرة بصورة حادة إلى 38.2 غيغاواط منذ أحدث كسوف رئيسي تشهده المنطقة في عام 2003 لذا فإن على ألمانيا - المتاخمة في حدودها لتسع دول - أن تبرهن على أن سوق الطاقة ومراكز التعامل مع شبكات القوى بالبلاد بإمكانها العمل في ظل الأحوال الاستثنائية.
والليلة الماضية زادت التوقعات الخاصة بإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية اليوم إلى 22 غيغاواط - وهو ما يعادل 20 محطة للطاقة النووية - مما يشير إلى احتمالات أكبر لانقطاع الكهرباء المستمدة من الطاقة الشمسية. وراقب الناس في ألمانيا هذه الظاهرة من خلال كاميرات محلية الصنع أو باستخدام التطبيقات الخاصة بالصور على الهواتف الجوالة.
أما محطات الطاقة الكهربية في أرجاء أوروبا - والتي ستكون أقل تأثرا خارج ألمانيا - فقد اتخذت استعدادات منذ عدة أشهر؛ إذ أعدت تجهيزات للاتصالات ومعدات للتدريب وتخطط لزيادة أعداد العاملين. وفي بريطانيا قالت الشبكة القومية للكهرباء إن الطاقة المستمدة من الطاقة الشمسية ستتناقص بواقع 850 ميغاواط لكن من المتوقع انخفاض الطلب على الكهرباء لأن الناس سيكونون خارج منازلهم لمشاهدة هذه الظاهرة.
وفي إسبانيا قالت شركة ريد الكتريكا للشبكات إنه تم رفع مستويات الطاقة الاحتياطية فيما سيتم قطع الكهرباء عن الجهات ذات الاستهلاك العالي إذا اقتضى الأمر. وقالت شركة تيرنا الإيطالية للشبكات إنه سيجري قطع خطوط القوى الخاصة بالطاقة الشمسية والتي تضخ 4.4 غيغاواط إلى الشبكة القومية وسيتم تعويض ذلك من مصادر أخرى.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».