في ظل الطقس الحار الذي تعيشه القاهرة والذي يدفع جانباً كبيراً من قاطنيها إلى مغادرتها متوجهين إلى الشواطئ المختلفة أقام خمسة فنانين شباب «بلاجاً» خاصاً بهم داعين الجمهور إليه في واحد من أهم شوارع منطقة وسط البلد بالقاهرة، وهو شارع «شامبليون»، حيث يحتضن الآن غاليري «أكسيس» أعمالهم الفنية في معرض يحمل عنواناً مثيراً للدهشة وهو «بلاج شامبليون».
وسط مجموعة من الورش الحرفية والمتاجر والمقاهي القديمة المزدحمة والمستقرة منذ سنوات طويلة بالشارع تستطيع إذا ما كنت محباً للفن أن تعرف طريقك بسهولة إلى الغاليري الذي لا يزال يشتهر بـ«تاون هاوس»، رغم تغير اسمه أخيراً، لكن يبدو أن هؤلاء الفنانين الخمسة لم يستوقفهم ذلك كله، إنما هم فقط قد وجدوا فيه مساحة مثالية لأوقات صيفية ممتعة تصلح أن تكون شبيهة بتلك «السعادة الخاطفة» التي تقضيها على «البلاج» من دون ملل.
تقول الفنانة فاطمة مصطفى، إحدى المشاركات بالمعرض، لـ«الشرق الأوسط»: «تنظيم معرض في مثل هذا التوقيت بالقاهرة قد تبدو فكرة غريبة لسفر الكثير من المواطنين للمدن الساحلية، لكننا قررنا تحدي الظروف عبر أعمالنا الفنية التي تحمل هي الأخرى المسببات الجاذبة للجمهور كالبهجة والانطلاق تماماً مثل (البلاج)».
يتميز المعرض الذي يضم نحو 40 عملا ً بأنه لم يقع في فخ المعالجة السطحية أو المباشرة عبر اختيار ثيمة البحر أو المصطافين، ومن ثم نجح ألا يكون أسيراً لعنوانه، فقد ترك الحرية كاملة لفنانيه لاختيار موضوعاتهم، بل إن الفنان الواحد تطرق إلى موضوعات عدة، على سبيل المثال تشارك فاطمة بثمانية أعمال تحمل كل منها ثيمة مختلفة يجمع بينها التقنية الفنية، حيث مزجت بين التطريز اليدوي والقماش المصبوغ يدوياً بالإضافة إلى التصوير الفوتوغرافي.
فيما احتفى الفنان محمد الصياد بقضية الأصالة بأسلوب فني سهل ومعاصر اعتمد على عدة معالجات تشكيلية هي الخط العربي والنحت والتصوير، فجاءت بمثابة منحوتات بارزة يمتزج فيها المسطح بالمجسم، مما يجعلها أكثر قدرة على إيصال موضوعاته الروحانية وأفكاره ذات الطابع الصوفي. يقول الصياد لـ«الشرق الأوسط»: «رغم الزخم الحروفي في الأعمال، فإن ما يعنيني ليس قراءة ما تحمله من كلمات بقدر ما تحمله من طاقة روحية عاطفية، إذ تقدم المنحوتات تجارب بشرية تسير على طريق الحب والعشق أو السمو والخلاص، وغير ذلك من مشاعر وخطوط أستلهمها من الكتابات الصوفية التي أتعمق في قراءتها والغوص في تفاصيلها».
أما الفنانة لينا أسامة، فإنها تعتبر المعرض بمحتوياته بمثابة متنفساً لسكان القاهرة في هذا التوقيت، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط الصيف دائماً بالذكريات السعيدة وحفلات ومهرجانات الموسيقى ومشاهدة التلفاز، وغير ذلك من نشاطات مصاحبة لهذا الفصل، وما يترتب عليها من تواصل مع الحياة، وهكذا جاء هذا المعرض ليتماهى مع ذلك كله».
وهكذا أيضاً جاءت أعمال الفنانة متوائمة مع رؤيتها للصيف، فقد جسدت في لوحاتها مجموعة من كلاسيكيات الفن المصري على غرار شكوكو وسامية جمال: «جمعت بينهما في (لوحة رقصة مصرية) لما يمتازان به من موهبة متأججة وهوية وطنية بارزة، فشكوكو رمز للفلكلور، وهي أحبها المصريون ولقبها الملك فاروق بـ(الراقصة القومية المصرية)، لرقي رقصها وثقافتها وإجادتها لعدة لغات، فتعاملت مع الرقص كلغة حوار عابرة للثقافات»، كذلك جسدت الفنانتين مارلين مونرو، وسارة برنار: «أراهما رمزين مهمين لقدرة الفن على تكسير الحدود الجغرافية والزمنية».
لذلك يرصد زائر المعرض في لوحة مونرو أجواء منزلية دافئة كالستارة المفرغة المنقوشة بالورود التي توجد في بيوت كثيرة حول العالم منذ زمن بعيد لتؤكد الإحساس بالنوستاليغا العالمية، كما أحيط البورتريه ببرواز وكأنها صورة في منزل أحد عشاق الفنانة، مع بعض تماثيل الزينة وأدوات التجميل التي يمكن أن تجدها على طاولة تجميل أي سيدة في غرفتها في مصر أو خارجها، وظهر كل عنصر صغير، وكأنه يأتي من دولة مختلفة حاملاً تراثاً إنسانياً مختلفاً مع تأثر واضح من جانب الفنانة بجماليات الفن الهولندي. بينما شكل تمثال نفرتيتي في لوحة سارة برنار رمزاً لتأثر الفن وتأثيره على الشعوب المختلفة.
أما الفنان الرابع بالمعرض فهو الألماني بيتر بلوداو، الذي تنقل بين آيرلندا وفرنسا قبل عودته لبرلين حيث عمل رساماً ومعلماً وفناناً مستقلاً، إلى أن جاء إلى القاهرة عام 2014 واستقر بها للتدريس في الجامعة الألمانية، استخدم الألوان المائية والحبر على الورق للتعبير عن مشاهد مصرية خالصة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «استهواني منظر أسطح القاهرة غير المتجانسة، والتي تشكل مع المناظر الطبيعية والضوء عوالم خاصة ملهمة».
إلى ذلك، لم يلتزم خامس فناني المعرض مروان صبرة، بموضوع واحد لأعماله، فقد تنقل ما بين المناظر الطبيعية وتجسيد المرأة، ويقول: «ليدلني أي شخص على أي فنان يستطيع الإفلات من رسم المرأة»، لكن لم يخفق صبرة فقط في هذا «الإفلات» إنما جعل المرأة «ملاكاً»، مؤكداً ببراعة مكانتها عبر انتقاء شخصيات معروفة ليزينهن بأجنحة تكاد تحلق بهن في الفضاء.
12:4 دقيقه
«بلاج شامبليون»... دعوة للحياة ببهجة الأفكار والألوان
https://aawsat.com/home/article/3167476/%C2%AB%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%AC-%D8%B4%D8%A7%D9%85%D8%A8%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%C2%BB-%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A8%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D9%83%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86
«بلاج شامبليون»... دعوة للحياة ببهجة الأفكار والألوان
معرض جماعي في القاهرة يستلهم سعادة المصايف
استعان محمد الصياد بأفكار من كتب صوفية شهيرة
- القاهرة: نادية عبد الحليم
- القاهرة: نادية عبد الحليم
«بلاج شامبليون»... دعوة للحياة ببهجة الأفكار والألوان
استعان محمد الصياد بأفكار من كتب صوفية شهيرة
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

