فحص الأجنة.. الطريق لطفل سليم

تقنية المسح الكروموسومي واختبارات الحمض النووي للتعرف على الأمراض الوراثية

فحص الأجنة.. الطريق لطفل سليم
TT

فحص الأجنة.. الطريق لطفل سليم

فحص الأجنة.. الطريق لطفل سليم

يشهد علم الوراثة تقدما هائلا في الفترة الأخيرة، حيث تم تطوير تقنيات حديثة يمكن تنفيذ اختبارات بها لم يكن من المتصور إجراؤها قبل أعوام قليلة. ولتصور هذا التطور الهائل يكفي أن نعلم أن مشروع الجينوم البشري، الذي تم بالتعاون بين عدة دول واستمر لسنوات طويلة حتى انتهى في عام 2000، وما حققه كل هؤلاء العلماء مجتمعين، أصبح في الإمكان الآن بسبب ظهور تقنية «تتابع الأجيال القادمة» (Next Generation sequencing)، تُمكن من الحصول على النتيجة نفسها ولكن في عدة ساعات.
للتعرف بشكل أكثر تفصيلا على التقنيات الحديثة في مجال فحص الأجنة كان لنا هذا اللقاء مع مؤسس أول مركز في العالم العربي لعلاج العقم وأطفال الأنابيب وأبحاث الأجنة، مدير عام المركز ومختبرات «جينيتك» زميل الكلية البريطانية، الأستاذ الدكتور سمير عباس.

* فحص الأجنة
• إذا عدنا إلى بدايات تقنية فحص الأجنة وراثيا قبل إعادتها إلى رحم المرأة والتي حدثت لأول مرة قبل ستة عشر عاما، في مدينة جدة والخليج بمراكز الدكتور سمير عباس، فما هو المجال الذي ترون أنه الأكثر استفادة من هذه التقنية؟
- مجال «أطفال الأنابيب» هو المجال الأكثر استفادة منذ إدخال تلك التقنية، حيث تتم تنمية البويضة الملقحة بالحيوان المنوي للزوج لمدة ثلاثة أيام لينمو الجنين خلالها إلى مرحلة 8 - 10 خلايا، ثم وباستخدام شعاع الليزر يتم إحداث فتحة في جدار الجنين وسحب خلية واحدة للخارج ليتم فحصها باستخدام تقنية (Fluorescence In Situ Hybridization FISH) للتعرف على الصبغات الوراثية (الكروموسومات) المذكرة (واي Y) والمؤنثة (إكس X) وبعض الكروموسومات الأخرى (18-13-21).
• كيف أمكن الاستفادة من هذه التقنية في تشخيص الأمراض التي ترتبط بجنس الجنين؟
- لقد تمكنا بواسطة هذا الفحص (Fluorescence In Situ Hybridization FISH) من الوصول إلى معرفة جنس الجنين، وذلك لتجنب بعض الأمراض التي ترتبط بجنس الجنين مثل مرض الهيموفيليا وضمور العضلات الذي يصيب الذكور فقط، وبالتالي تتم إعادة الأجنة المؤنثة فقط في حالة وجود هذه الأمراض في الأبوين. وأيضا، فإن وجود عدد طبيعي من الكروموسومات يساعد على ولادة طفل سليم.
• بعد الاحتفال بولادة أول توأم سليم لأبوين حاملين لمرض الثلاسيميا عام 2006 بجدة في المركز، وفقا لما نشر في موقع وزارة الصحة السعودية بتاريخ 4-12-2006، كيف ترون مدى إمكانية التأكد من خلو الأجنة من الأمراض الوراثية، حاليا؟
- مع تطور العلم أصبح من الممكن فحص الأجنة للتأكد من خلوها من أمراض وراثية محددة، ومعرفة الخلل الوراثي الذي يؤدي إليها والذي يحمله الأبوان، ومن أشهرها أمراض الدم الوراثية مثل الثلاسيميا (أنيميا البحر المتوسط) والأنيميا المنجلية، وكذلك ضمور العضلات وأكثر من 240 مرضا آخر. وتتيح هذه الطريقة للزوجين اللذين يحمل كلاهما صفة واحدة على الأقل من الخلل الوراثي الخاص بالمرض أن يتأكدا من سلامة جنينهما قبل حدوث الحمل.

* مسح الكروموسومات
• ما هي أحدث تقنيات الفحص الوراثي؟
- إن أحدث تقنيات الفحص الوراثي التي تم إدخالها إلى المملكة هذا العام بمراكز الدكتور سمير عباس هي تقنية المسح الكروموسومي للأجنة (PGS- 24 chromosome) التي يتم من خلالها فحص البويضات الملقحة للتأكد من سلامة عدد العوامل الوراثية، وأنها 46 كروموسوما مرتبة في 23 زوجا، وهو ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات. ومن المعروف أنه في حالة وجود خلل في عدد الكروموسومات فإن الجنين لا يستطيع الالتصاق بجدار الرحم وبالتالي يتأخر الحمل، وفي الأحوال التي ينجح فيها الجنين في الالتصاق ويحدث الحمل فإن فرصة حدوث الإجهاض في شهور الحمل الأولى تكون كبيرة للغاية، وكل النساء تتكون لديهن نسبة من الأجنة السيئة التي على الرغم من مظهرها الجيد فإنها تعاني من خلل في عدد الكروموسومات، وتزداد هذه النسبة مع تقدم عمر المرأة، ففي سن الثلاثين مثلا فإن 35 في المائة من الأجنة تكون مشوهة، وتزداد النسبة لتصل إلى 80 في المائة في سن الأربعين، وهذا يفسر صعوبة حدوث الحمل وزيادة نسبة الإجهاض مع تقدم سن المرأة.
وعند استخدام تقنية المسح الكروموسومي المذكور والتأكد من سلامة الأجنة المنقولة إلى الرحم فإن فرصة حدوث الحمل ترتفع إلى 73 في المائة، كما تنخفض احتمالات الإجهاض لأدنى حد، وفي النهاية تزيد فرصة الحصول على طفل سليم بعد التلقيح، وعلى الرغم من أن هذه الطريقة يمكن استخدامها لكل امرأة تجري عملية الإخصاب المجهري فإنها مهمة بصفة خاصة للنساء اللاتي تجاوزن سن الثلاثين، وكذلك اللاتي يعانين من الفشل المتكرر لعمليات أطفال الأنابيب أو الإجهاض المتكرر.
وتتميز هذه التقنية أيضا بإمكانية فحص المادة الوراثية (الحمض النووي) لأمراض أخرى في الوقت نفسه، مثل فحص الأمراض الوراثية بالعائلة أو الأمراض الشائعة بالأسرة، ولا تقتصر الاستفادة من تقنيات الفحوصات الوراثية الحديثة على النساء اللاتي يسعين إلى حدوث الحمل بطريقة التلقيح المجهري، ولكن تمتد أيضا إلى النساء اللاتي يحملن بطريقة طبيعية للتأكد من سلامة الجنين الذي يحملنه في أحشائهن وخلوه من الأمراض الوراثية الشائعة.

* أمراض وراثية
• سمعنا عن تقنية فحص الجنين دون تدخل جراحي، فما هي هذه التقنية.. وما هي الأمراض التي يمكن الكشف عنها بواسطة هذه الوسيلة؟
- من المعلوم طبيا عند حدوث الحمل أن تتسرب كمية ضئيلة للغاية من دم الجنين والذي يحتوي على الحمض النووي (DNA) إلى الدورة الدموية للأم عن طريق الحبل السري والمشيمة في الأسابيع الأولى من الحمل ومعها الشيفرات والمعلومات الوراثية الخاصة بالجنين (Cell free DNA). وقد تمكن الأطباء حديثا من فصل هذه المواد الجينية بدءا من الأسبوع التاسع للحمل، ومن ثم فحصها لمعرفة معلومات خاصة بالجنين وتشخيص إذا كان مصابا ببعض الأمراض الوراثية الشائعة أم لا. وقد تم تطوير هذا الاكتشاف للحصول على اختبار يسمى «NIPT» (Non Invasive Prenatal Test) الذي يتم تسويقه بأسماء تجارية مختلفة.
ومن أهم الأمراض الوراثية التي يمكن لهذا الاختبار معرفتها هي:
- متلازمة داون (Down Syndrome) أو التثلث الصبغي رقم 21 (الطفل المنغولي).
- متلازمة باتو (Patau Syndrome) أو التثلث الصبغي رقم 13.
- متلازمة إدوارد (Edward syndrome) أو التثلث الصبغي رقم 18.
وهي أكثر أنواع الخلل شيوعا. وبالإضافة إلى ذلك فإن الاختبار الجديد يمكنه أن يحدد نوع الجنين وأيضا يكشف عن وجود أي خلل في عدد الصبغات الوراثية المتعلقة بالكروموسومات الجنسية (X & Y) كمتلازمة كلاينفلتر (Klinefilter syndrome) أو متلازمة تيرنر (Turner syndrome).
ويتميز هذا الفحص مقارنة بالطرق الأخرى السابقة بأنه يتم إجراؤه في مرحلة مبكرة للغاية بدءا من الأسبوع التاسع للحمل، مما يعطي فرصة أفضل للأبوين لاتخاذ القرارات المهمة المناسبة لحالتهما إذا لزم الأمر. ويمكن إجراء التحليل بسهولة عن طريق عينة من دم الأم (Non Invasive) وتأتي بنتائج دقيقة للغاية، مما يجنب الأم إجراء فحوصات أخرى أكثر حدة مثل بذل السائل الأمنيوسي (Amniocentesis) أو خزعة زغابة المشيمة (Chorionic villus).
من الواضح أنه خلال السنوات القليلة القادمة سوف يمثل الفحص الوراثي جزءا مهما في صحة المرأة الإنجابية وصحة طفلها.

* فحص مبكر
• من هي المرأة التي ينصح لها بإجراء الفحص المبكر للجنين؟
- إذا كان عمر الأم يتجاوز الـ35 عاما سواء كانت في الحمل الأول أو لديها أطفال.
- إذا كان سبق للأم إنجاب أطفال بتشوهات خلقية أو الإصابة بإحدى المتلازمات.
- وجود بعض المؤشرات خلال فحص الموجات الصوتية على وجود تشوهات بالجنين.
- إذا أجرت أحد الفحوصات البيوكيميائية وأعطت نتيجة مؤكدة.
- إذا صاحب الحمل توتر شديد للأم وخوف من وجود عيوب خلقية للجنين.
ونتيجة لتأخر سن الزواج للفتيات في السنين الأخيرة لرغبة الكثيرات منهن في استكمال تعليمهن وتحقيق المستقبل المهني المناسب الذي يحلمن به قبل الزواج، كما أن هناك كثيرا من النساء اللاتي لديهن أطفال لكنهن يرغبن في إنجاب طفل آخر بعد سن الخامسة والثلاثين وأحيانا على أعتاب الأربعين، كل هذه الأسباب أدت إلى زيادة عدد النساء اللاتي يأتين إلى عيادات متابعة الحمل وقد تجاوز عمرهن الخامسة والثلاثين، ولأنه من الثابت علميا أن احتمالات حدوث خلل في الكروموسومات مرتبطة بتقدم سن المرأة الحامل فإن كثيرا من الدول تجري عملية سحب السائل الأمنيوسي (Amniocentesis)، أو أخذ خزعة من المشيمة (Chorionic Villus Sample) لأي امرأة حامل تعدت سن الخامسة والثلاثين، ومع وجود فحص الـNIPT فإن عدد هؤلاء النساء سوف يقل بدرجة كبيرة لأنه لن يتم إلا في وجود نتائج إيجابية لفحص الـNIPT وليس لكل النساء، لذلك فإن وجود مثل هذه الفحوصات سوف يقلل من حدوث حالات الإجهاض، وهذا على عكس تصور الكثيرين أنه سيقلل بصورة كبيرة المخاطر المصاحبة للإجراءات الأخرى.
وفي النهاية يؤكد د. سمير عباس على أن فحص الأجنة (PGD,PGS) بعد الحقن المجهري (أطفال الأنابيب) والفحص المبكر للأجنة في بداية الحمل (NIPT) كلها وسائل تهدف إلى الوصول إلى طفل سليم وهو ما يصبو إليه كل زوجين.



«غسيل الكلى البريتوني»... الأفضل في حفظ القدرات الإدراكية

«غسيل الكلى البريتوني»... الأفضل في حفظ القدرات الإدراكية
TT

«غسيل الكلى البريتوني»... الأفضل في حفظ القدرات الإدراكية

«غسيل الكلى البريتوني»... الأفضل في حفظ القدرات الإدراكية

سلّطت دراسة بريطانية حديثة الضوء على أهمية المقارنة بين أنواع غسيل الكلى (الديلزة Dialysis) لمعرفة ما الأفضل منها لصحة المريض، وخاصة التأثيرات الطويلة المدى في حفظ أو تحسين القدرات الذهنية لدى مرضى المرض الكلوي المزمن CKD.

ووفق ما تم نشر على الموقع الإلكتروني لمجلة «طب الكلى الإكلينيكي والتجريبي» Clinical and Experimental Nephrology في 1 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قدمت الدراسة البريطانية الحديثة لباحثين من كلية كينغز كوليدج لندن، مراجعة تحليلية منهجية لـ26 دراسة سابقة لتقييم مدى فوائد غسيل الكلى البريتوني في حفظ القدرات الإدراكية الذهنية وتقليل خطر الإصابة بالخرف. وذلك بالمقارنة مع وسيلة غسيل الكلى الأخرى الأكثر شيوعاً، أي غسيل الكلى الدموي باستخدام جهاز غسيل الكلى الخارجي. وكان عنوان الدراسة «أسلوب غسيل الكلى والنتائج المعرفية في مرض الكلى المزمن».

صحيح أن غسيل الكلى ليس علاجاً شافياً للمُصابين بمرض الكلى في مراحله النهائية End-Stage Kidney Disease، لكنه أساسي كعلاج تعويضي للمحافظة على الحياة، ويسمح للمرضى بالسيطرة على الأعراض والحفاظ على نمط حياة طبيعي نسبياً، إلى حين إجراء عملية زرع كلية أو الاستمرار في غسيل الكلى بشكل دائم، حيث يتم من خلال هذا الغسيل، أياً كانت طريقته، إزالة الفضلات والسموم والسوائل الزائدة من الدم، عندما تعجز الكلى المُصابة بالفشل عن القيام بذلك.

نوعان من غسيل الكلى

والنوعان الرئيسيان من «الديلزة»، أو ما يُعرف بـ«غسيل الكلى»، هما:

* غسيل الكلى الدموي Hemodialysis، الذي يستخدم جهازاً لتصفية الدم خارج الجسم. وفيه، يتم إخراج الدم من الجسم عبر أنبوب، إلى جهاز خارجي (جهاز غسيل الكلى Dialyzer)، ليتم فيه إزالة السموم والفضلات وتنقية الدم منها. ثم يُعاد إدخال الدم (الذي جرت تنقيته من السموم والفضلات) إلى الجسم. ويُنفذ هذا الإجراء عادةً في بيئة رعاية صحية، مثل مركز غسيل الكلى أو مستشفى. وفي بعض الأحيان، يمكن إجراؤه في المنزل.

* غسيل الكلى البريتوني (الغسيل الصفاقي) Peritoneal Dialysis، الذي يستخدم الغشاء البريتوني (الصفاق) المُبطّن للبطن، كمرشح طبيعي. وأثناء غسيل الكلى الصفاقي، يتدفَّق سائل التنظيف النقي (الدُيالة)، عبر أنبوب إلى جزء من منطقة البطن. وتعمل بطانة البطن الداخلية، والمعروفة باسم الصفاق Peritoneum (الغشاء البريتوني)، كمُرشِّح. وبهذا يقوم الصفاق بإزالة السموم والفضلات، خروجاً من الدم ودخولاً إلى السائل النقي الذي أُدخل إلى تجويف البطن. وبعد فترة زمنية محدَّدة، تتجمع كمية وفيرة من الفضلات والسموم في ذلك السائل. ثم يتم إخراج هذا السائل التي أصبح متلوثاً ومحتوياً على الفضلات المُصفَّاة، إلى خارج البطن، ثم يتم التخلّص منه. وبهذا تتم عملية تنقية الدم لدى مريض الفشل الكلوي.

ويمكن للمريض إجراء عمليات غسيل الكلى الصفاقي بنفسه في المنزل، أو العمل، أو أثناء السفر. ولكن يجدر التنبه إلى أنه ليس خياراً علاجياً لكل مُصابي الفشل الكلوي. لأنه يجب أن يكون المريض قادراً على استعمال يديه بطريقة ماهرة ويعتني بنفسه جيداً في المنزل. أو يحتاج أن يتوفر له ممرض موثوق لمساعدته في هذه العملية.

فشل الكلى وضعف الإدراك

ويُعد ضعف الإدراك الذهني والمعرفي مرضاً مصاحباً ومهماً يرتبط بمرض فشل الكلى المزمن، حيث يُصيب ما بين 33 في المائة و46 في المائة من المرضى. وأيضاً في الوقت نفسه يرتبط بنوعية وسائل غسيل الكلى.

ويؤثر ضعف الإدراك على الوظائف التنفيذية للمريض، والذاكرة، والانتباه، والمهارات البصرية المكانية، ونوعية الحياة، ويزيد من خطر الإصابة بالخرف Dementia. وأفادت الدراسة البريطانية الحديثة أن غسيل الكلى البريتوني (مقارنةً بجهاز غسيل الكلى الدموي) يحافظ بدرجة أعلى على الوظائف الإدراكية الذهنية من أن يعتريها الضعف Cognitive Impairment، وخاصةً في القدرات التنفيذية والذاكرة. وشملت النتائج المتعلقة متابعة عدد مختار من الوظائف الإدراكية الذهنية، وهي:

- الوظائف الذهنية التنفيذية Executive Function.

- الذاكرة Memory.

- الانتباه Attention.

- سرعة المعالجة Processing Speed.

- المهارات البصرية المكانية Visuospatial Skills.

- السلامة المعرفية على المدى الطويل.

وأكد الباحثون أن نتائج هذه الدراسة الحديثة تُبرز الحاجة إلى تضمين قرارات استخدام وسائل غسيل الكلى الاهتمام بفئة منْ ترتفع لديهم احتمالات المخاطر الإدراكية والمعرفية الذهنية. وتوحيد معايير البحث في هذه الفئة من المرضى ليشمل العمل على إبطاء مسارات التدهور المعرفي مع خضوع المرضى لغسيل الكلى.

وكانت الدراسات السابقة قد أشارت إلى نتائج متضاربة حول أيٍّ من طرق غسيل الكلى أكثر فعالية في الحفاظ على الوظيفة الإدراكية.

ولتقييم هذا الأمر بشكل أعمق، أجرى الباحثون البريطانيون مراجعة منهجية وتحليلية للدراسات التي تضمنت تقارير عن الحالة الإدراكية الذهنية على المدى البعيد، في المقارنات المباشرة بين غسيل الكلى البريتوني وغسيل الكلى الدموي. وحددوا مستوى الوظيفة الإدراكية، عبر قياسات نتائج التقييمات العصبية النفسية، ونتائج التصوير العصبي المتاحة، والتقييمات، ومعدلات الإصابة بالخرف. وضم الباحثون 26 دراسة جماعية مؤهلة، شملت 326216 مريضاً بالغاً، تبلغ أعمارهم 18 عاماً فأكثر، ومصابين بمرض الكلى المزمن، ويتلقون إما غسيل الكلى الدموي أو غسيل الكلى البريتوني.

وقال الباحثون من كلية كينغز كوليدج لندن: «على حد علمنا، تُقدم هذه المراجعة والتحليل المنهجي أشمل وأحدث توليفة من الأدلة المتعلقة بالنتائج في تقييم حالة القدرات الذهنية المعرفية لدى مرض الكلى المزمن اللذين يتم لهم غسيل الكلى إما بالغسيل البريتوني أو الغسيل الدموي».

وخلص الباحثون إلى أنه «من الناحية الإكلينيكية، تُبرز نتائجنا الفوائد المعرفية المحتملة المرتبطة بغسيل الكلى البريتوني، مما يدعم اعتباره خياراً مناسباً، لا سيما بين مرضى الفشل الكلوي في مراحله النهائية المعرضين لخطر متزايد للتدهور المعرفي. ومع ذلك، يجب أن يظل اختيار أساليب غسيل الكلى Dialysis Modality فردياً، مع مراعاة الاعتبارات المعرفية بعناية إلى جانب العوامل الطبية والنفسية والاجتماعية واللوجستية الخاصة بكل مريض». وبناءً على النتائج، أشار الباحثون إلى وجود علاقة بين استمرار تصفية السموم، واستقرار مؤشرات الدورة الدموية، وتحسين الحفاظ على وظائف الكلى المتبقية لدى المرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى البريتوني، كمصادر محتملة لهذه الفوائد المعرفية المتصورة، وذلك مقارنة بغسيل الكلى الدموي.

مقارنات أخرى بين أنواع الديلزة> يحقق كل من نوعي الديلزة عملية تنقية الدم بشكلٍ كافٍ. ولكن، ووفق ما يشير إليه المتخصصون في «مايو كلينك»، فإن غسيل الكلى الصفاقي له فوائد مقارنةً بغسيل الكلى الدموي. وقالوا إنها تتضمن فوائد ونقائص.* الفوائد:- توفير مزيد من الاستقلالية والوقت لممارسة الروتين اليومي. يمكنك إجراء غسيل الكلى الصفاقي غالباً في المنزل أو العمل أو أي مكان آخر نظيف وجاف. وقد يكون هذا ملائماً إذا كانت لديك وظيفة أو كنت على سفر أو تعيش بعيداً عن مركز غسيل الكلى الدموي.- نظام غذائي أقل تقييداً. يتم إجراء غسيل الكلى الصفاقي على نحو متواصل أكثر من غسيل الكلى الدموي. وينتج عن ذلك انخفاض نسبة البوتاسيوم والصوديوم وقلة تراكم السوائل في الجسم. وهذا يتيح لك نظاماً غذائياً أكثر مرونة مما هو متاح عند إجراء غسيل الكلى الدموي.- الأداء الوظيفي طويل الأمد للكلى. عند الإصابة بالفشل الكلوي، تفقد الكليتان معظم قدرتهما على العمل. لكنهما تظلان قادرتين على العمل قليلاً لمدة من الزمن. قد يحتفظ الأشخاص الذين يخضعون لغسيل الكلى الصفاقي بوظيفة الكلى المتبقية لفترة أطول قليلاً من الأشخاص الذين يستخدمون غسيل الكلى الدموي.- لا مزيد من إدخال الإبر في الوريد. قبل بدء إجراء غسيل الكلى الصفاقي، يتم وضع أنبوب قسطرة في البطن من خلال الجراحة. يدخل سائل التنظيف المستخدم في غسيل الكلى الجسم ويخرج منه عبر هذا الأنبوب عند بدء العلاج. ولكن مع إجراء غسيل الكلى الدموي، يجب وضع إبر في الوريد عند بدء كل علاج لكي يتم تنظيف الدم خارج الجسم. ولذا ينصح المتخصصون في «مايو كلينك» قائلين: «تحدّث إلى فريق الرعاية الصحية بشأن أنسب نوع من أنواع غسيل الكلى بالنسبة إليك. وتشمل العوامل التي يجب التفكير فيها، كلاً من وظائف الكلى، والحالة الصحية العامة، والتفضيلات الشخصية، والوضع في المنزل، ونمط الحياة. وقد يكون غسيل الكلى الصفاقي الخيار الأفضل في الحالات التالية:- إذا كانت لديك مشكلة في التعامل مع الآثار الجانبية التي قد تحدث أثناء غسيل الكلى الدموي. وتشمل تقلصات العضلات أو انخفاضاً مفاجئاً في ضغط الدم.- إذا كنت تحتاج إلى علاج لا يؤثر بشكل كبير في قدرتك على ممارسة الروتين اليومي.- إذا كنت ترغب في العمل أو السفر بسهولة أكبر.- إذا كانت الكليتان لا تزالان تؤديان بعض الوظائف».* النقائص: ولكن تجدر ملاحظة أن غسيل الكلى الصفاقي قد لا يُجدي إذا كان لدى المريض أي من:- نُدوب في البطن من الجراحات السابقة.- منطقة كبيرة من عضلات البطن الضعيفة، والتي تُعرف باسم الفتق.- مشكلة في رعاية نفسك، أو عدم وجود من يقدم لك الرعاية.- بعض الحالات التي تؤثر في السبيل الهضمي، مثل مرض الأمعاء الالتهابي أو نوبات مُتكرِّرة من التهاب الرتج (حويصلات القولون). كما تجدر ملاحظة أنه ومع مرور الوقت، من المرجَّح أيضاً أن يفقد الأشخاص الذين يستخدمون غسيل الكلى الصفاقي القدر الكافي من وظائف الكلى، مما يتطلَّب غسيل الكلى الدموي أو زرع كلى.

مخاطر محتملة لغسيل الكلى البريتوني> لتهيئته لاستخدام الغسيل البريتوني، سيحتاج المريض إلى إجراء جراحة طفيفة لوضع أنبوب قسطرة عبر الجلد بالقرب من السُرّة غالباً. وأنبوب القسطرة هو الأنبوب الذي يحمل سائل التنظيف إلى داخل بطنه وخارجها. وتُجرى العملية باستخدام دواء تخدير موضعي يمنع من الشعور الألم. وبعد وضع الأنبوب، سيوصيه الطبيب غالباً بالانتظار أسبوعين على الأقل قبل استخدام هذا المنفذ لغسيل الكلى الصفاقي، إذ تسمح هذه الفترة بتعافي موضع إدخال أنبوب القسطرة. ثم يتلقى المريض تدريباً على كيفية استخدام معدَّات غسيل الكلى الصفاقي.ووفق ما تشير إليه عدة مصادر في طب أمراض الكلى، قد تشمل مُضاعفات غسيل الكلى الصفاقي ما يلي، وفق ما يوضح المتخصصون في «مايو كلينك» بقولهم:- حالات العدوى. تُعرف العدوى التي تصيب البطانة الداخلية للبطن باسم التهاب الصفاق. والتهاب الصفاق من المضاعفات الشائعة لغسيل الكلى الصفاقي. وقد تبدأ العدوى أيضاً في موضع دخول أنبوب القسطرة الذي ينقل سائل التنظيف (الدُيالة) إلى البطن ومنها. ويصبح خطر التعرض للعدوى أكبر إذا لم يكن الشخص الذي يُجري غسيل الكلى متمرساً. وللحد من خطر التعرض للعدوى، احرص على غسل يديك بالماء الدافئ والصابون قبل لمس أنبوب القسطرة. ونظِّف المنطقة التي يدخل منها الأنبوب إلى جسمك يومياً، واسأل الطبيب عن المنظف الذي يمكنك استخدامه. وحافظ على جفاف أنبوب القسطرة، باستثناء وقت الاستحمام. واحرص أيضاً على ارتداء قناع جراحي على أنفك وفمك أثناء تصفية سائل التنظيف وإعادة تعبئته.- زيادة الوزن. تحتوي الدُيالة على سُكر يُسمى دِكسترُوز. إذا امتص جسمك كمية من هذا السائل، فقد يؤدي إلى دخول مئات السعرات الحرارية الإضافية يومياً إلى جسمك، مما يؤدي إلى زيادة الوزن. ويمكن أن تسبب هذه السعرات الحرارية الإضافية أيضاً ارتفاع سكر الدم، خاصةً إذا كنت مصاباً بالسكري.- الفتق. قد يسبب احتباس السوائل في الجسم فترات طويلة إجهاد عضلات البطن.- تناقص فعالية العلاج. قد يصبح غسيل الكلى الصفاقي غير فعال بعد عدة سنوات. وقد تحتاج إلى غسيل الكلى.

* استشارية في الباطنية


هل يمكنك تسريع التمثيل الغذائي؟

هل يمكنك تسريع التمثيل الغذائي؟
TT

هل يمكنك تسريع التمثيل الغذائي؟

هل يمكنك تسريع التمثيل الغذائي؟

يُعدُّ معدل التمثيل الغذائي (الأيض) السريع من المزايا الحقيقية إذا كنت تحاول خسارة الوزن؛ لأنه يسمح للجسم بحرق السعرات الحرارية بسرعة. وإذا استهلكتَ سعرات حرارية أكثر بكثير مما تتناوله، تزداد احتمالات أن تفقد بعضاً من الوزن.

والآن، ماذا لو لم تكن تحظى بميزة معدل أيض سريع؟ هل يمكنك زيادة معدل الأيض؟ ربما. ربما تُساعدك بعض الاستراتيجيات على تحسين معدل الأيض لديك، بما يُساعدك على الوصول إلى الوزن المنشود.

ما الأيض؟

الأيض «metabolism» العملية التي يديرها الجسم، لإنتاج طاقة من الأطعمة والمشروبات التي تتناولها، ثم استخدام هذه الطاقة. وتغذي هذه العملية المعقدة كل ما يضطلع به الإنسان من مهمات. في الواقع، يحرق الجسم سعرات حرارية (وهي وحدات قياس الطاقة) طوال الوقت. ضع في اعتبارك العناصر الآتية:

> الوظائف الحيوية الأساسية: حتى في أثناء الراحة، يحتاج الجسم إلى الطاقة للحفاظ على استمرار الوظائف الحيوية، مثل التنفس، ودوران الدم، وإصلاح الخلايا. ويُسمى هذا الاستخدام الأساسي للطاقة باسم «معدل الأيض الأساسي» basal metabolic rate (BMR).

> الأنشطة اليومية: الحركة، والمشي، والتحدث، والاضطلاع بالمهام اليومية... وتسهم جميعها في حرق السعرات الحرارية.

> التمارين الرياضية: تزيد الأنشطة البدنية، مثل الجري والسباحة ورفع الأثقال من عدد السعرات الحرارية التي يستهلكها الجسم.

يتميز بعض الأشخاص بسرعة عملية الأيض لديهم؛ ما يؤدي إلى حرق سعرات حرارية أكثر، بينما تأتي العملية بوتيرة أبطأ لدى آخرين. وبدرجة كبيرة، يتأثر معدل الأيض بالعوامل الوراثية. ومع ذلك، فإن بعض التغييرات في نمط الحياة، قد يساعد على زيادة معدل الأيض.

الحميات الغذائية والأيض

يلجأ الكثيرون إلى اتباع حميات غذائية أو حميات مقيدة لإنقاص الوزن. إلا أنه، في بعض الأحيان، قد تؤتي هذه الحميات بنتائج عكسية، إذ تُبطئ وتيرة عملية الأيض. ويعود ذلك إلى أن الجسم يُبطئ معدل الأيض الأساسي، فيحرق سعرات حرارية أقل مع مرور الوقت، ويبدأ في تفسير انخفاض السعرات الحرارية المتناولة بوصفه مؤشراً على خطر المجاعة. وهذا أحد أسباب صعوبة فقدان الوزن في كثير من الأحيان.

> اختيار الأطعمة. كيف يُمكنك اختيار تلك الأطعمة التي تُعزز وتيرة عملية الأيض، بدلاً من إبطائها؟ أظهرت بعض الأبحاث أن بعض الأطعمة تُؤثر على عملية توليد الحرارة الناتجة عن النظام الغذائي (عملية إنتاج الحرارة للحفاظ على درجة حرارة الجسم)، الأمر الذي قد يُعزز معدل الأيض الأساسي. وإليك بعض الأطعمة والمشروبات التي قد يكون لها هذا التأثير:

- البروتين: تتضمن المصادر الصحية للبروتين، الدجاج قليل الدسم، والسمك، والفاصوليا، والزبادي اليوناني، وفول الصويا الأخضر (إدامامي)، والمكسرات، وبذور الشيا، والجبن القريش قليل الدسم.

- الكربوهيدرات غير المكررة: تزيد الأطعمة الغنية بالألياف وغير المعالجة، بشكل كبير، من معدل استهلاك الطاقة، لأنها تستغرق وقتاً أطول للهضم. ومن أمثلتها الخضراوات، والفواكه، والخبز الأسمر، والأرز البني، والبقوليات.

- الكافيين: يمكن للكافيين أن يزيد من معدل استهلاك الطاقة. بشكل عام، يمكنك توقع حرق نحو 35 سعرة حرارية إضافية بعد تناول 100 ملليغرام من الكافيين. بيد أنه في الوقت ذاته، ربما يسبب الكافيين كذلك شعوراً بالتوتر، لذا ينبغي تجنب الإفراط في تناوله.

من المفيد معرفة كمية الكافيين الذي يحتويه كوبك. إذ يحتوي كوب القهوة سعة 8 أونصات (240 ملليتراً تقريباً) على نحو 100 ملليغرام من الكافيين، بينما يحتوي كوب الشاي الأسود سعة 8 أونصات على قرابة 50 ملليغراماً منه. أما الشاي الأخضر، فيحتوي على 30 ملليغراماً من الكافيين تقريباً لكل كوب سعة 8 أونصات.

> استراتيجيات غذائية إضافية. بوجه عام، يتميز معدل توليد الحرارة الناتج عن النظام الغذائي بوتيرة أعلى في الصباح وأقل في المساء. وعليه، قد يساعدك تناول وجبات أكبر في وقت مبكر من اليوم على حرق المزيد من السعرات الحرارية.

ومع أن فقدان الوزن يتطلب حرق سعرات حرارية أكثر مما تستهلكه، فإن جسمك لا يزال بحاجة إلى وقود ومغذيات كافية ليعمل بشكل سليم. وبدلاً من مجرد تقليل كمية الطعام، فمن الأفضل التركيز على تناول الأطعمة المغذية، وزيادة نشاطك البدني.

بناء العضلات

يمكن لتمارين تقوية العضلات أن تعزز عملية الأيض من خلال بناء أنسجة العضلات. وتحرق العضلات سعرات حرارية أكثر من الدهون. وعلى عكس الدهون، تحرق العضلات السعرات الحرارية حتى في حالة الراحة. ويعني ذلك، أنه كلما زادت كتلة عضلاتك، ارتفع معدل الأيض الأساسي لديك. في الواقع، تُعدُّ كتلة العضلات الإجمالية، إلى جانب تركيبك الجيني، من أهم العوامل المحددة لمعدل الأيض الأساسي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لتمارين تقوية العضلات تأثيراً في حرق السعرات الحرارية بعد أداء تمارين رياضية؛ فبعد التمارين المكثفة، يحتاج الجسم إلى المزيد من الأكسجين لاستعادة حالة الراحة، ما يؤدي إلى حرق سعرات حرارية إضافية بعد التمرين.

تشير الأبحاث إلى أن تمارين تناوب الشدة (التدريب المتقطع عالي الكثافة) قد تزيد معدل الأيض لفترة من الوقت بعد التمرين. وتتضمن تمارين تناوب الشدة فترات قصيرة من التمارين المكثفة، تليها فترات راحة قصيرة أو نشاط بدني منخفض الشدة.

الخلاصة: لا يزال الغموض يكتنف مسألة حجم التأثير، الذي يمكنك ممارسته على معدل الأيض. ومع ذلك، فإن تقليل السعرات الحرارية المُتناولة وزيادة النشاط البدني، يمكن أن يساعدا على هذا الصعيد. وعليك استشارة طبيبك لتحديد عدد السعرات الحرارية المُناسب لاحتياجاتك الصحية. واحرص على ممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين متوسطة الشدة (مثل المشي السريع)، ويومين أو 3 أسبوعياً من تمارين تقوية العضلات.

* رسالة هارفارد الصحية

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


السلس البولي لدى النساء... اضطراب شائع مع تقدم السنّ

السلس البولي لدى النساء... اضطراب شائع مع تقدم السنّ
TT

السلس البولي لدى النساء... اضطراب شائع مع تقدم السنّ

السلس البولي لدى النساء... اضطراب شائع مع تقدم السنّ

يشكّل السلس البولي لدى النساء كبيرات السن أحد الاضطرابات الصحية الشائعة ذات الأبعاد المتداخلة، إذ لا يقتصر تأثيره على الأعراض الجسدية فحسب، بل يمتد ليطال الصحة النفسية، والاندماج الاجتماعي، والاستقلالية الوظيفية. وغالباً ما يؤدي هذا الاضطراب إلى العزلة، وتراجع الثقة بالنفس، والحد من النشاط البدني، لا سيما عندما لا يتم تشخيصه، أو التعامل معه بصورة مبكرة، ومنهجية.

وتُعد تمارين عضلات قاع الحوض (Pelvic Floor Muscle Training – PFMT) الخيار العلاجي غير الجراحي الأول للسلس البولي الإجهادي، والمختلط لدى النساء، نظراً لفعاليتها، وأمانها، وانخفاض تكلفتها. غير أن الممارسة السريرية تطرح تساؤلات عملية جوهرية، من أبرزها: متى يمكن للمريضة أن تلمس تحسّناً ملموساً؟ وما العوامل التي تؤثر في سرعة الاستجابة، والالتزام بالعلاج؟

سلس البول

• ما السلس البولي؟ يُعرَّف السلس البولي، وفقاً للجمعية الدولية للتحكّم في البول (International Continence Society – ICS)، بأنه أي فقدان غير إرادي للبول يمكن إثباته موضوعياً، ويُعد مشكلة صحية، أو اجتماعية. ويُعد هذا الاضطراب من أكثر الحالات شيوعاً لدى النساء، مع ازدياد ملحوظ في معدلات انتشاره مع التقدم في العمر، لا سيما بعد سن اليأس.

وتشير الدراسات الوبائية إلى أن نسبة انتشار السلس البولي بين النساء كبيرات السن تتراوح بين 30 و50 في المائة، وقد تتجاوز 60 في المائة لدى النساء فوق سن الخامسة والسبعين، مع اختلاف هذه المعدلات تبعاً لتعريف السلس المستخدم، وطريقة جمع البيانات، والبيئة السكانية المدروسة. ويُعد السلس البولي الإجهادي (Stress UI) والمختلط (Mixed UI) الأكثر شيوعاً في هذه الفئة العمرية، في حين تزداد نسبة السلس الإلحاحي (Urge UI) مع التقدم في العمر، ووجود الأمراض المزمنة المصاحبة.

• أهمية التمييز التشخيصي. ومن الناحية الإكلينيكية، تبرز أهمية التمييز الدقيق بين أنماط السلس البولي قبل الشروع في وصف تمارين عضلات قاع الحوض (PFMT)، إذ تختلف الاستجابة العلاجية باختلاف الآلية المرضية. فبينما تُعد هذه التمارين الخيار العلاجي المحافظ الأول في السلس البولي الإجهادي، والمختلط، فإن فعاليتها تكون محدودة في حالات السلس الإلحاحي الصرف المرتبط بفرط نشاط المثانة، ما يستدعي تقييماً سريرياً دقيقاً يشمل القصة المرضية، والفحص الوظيفي، واستبعاد الأسباب العصبية، أو الالتهابية. ويسهم هذا التمييز في توجيه العلاج بشكل أكثر دقة، وتجنب الإحباط الناتج عن تطبيق تدخل غير ملائم لنمط السلس السائد.

• عوامل الخطورة. وتشمل أبرز عوامل الخطورة المؤكدة وبائياً: تعدد الولادات المهبلية، والتغيرات الهرمونية بعد انقطاع الطمث، وضعف عضلات قاع الحوض، والسمنة، والأمراض العصبية، وداء السكري، إضافة إلى استخدام بعض الأدوية. كما تُظهر البيانات أن نسبة كبيرة من النساء المصابات لا يطلبن الاستشارة الطبية، غالباً بسبب الحرج الاجتماعي، أو الاعتقاد الخاطئ بأن السلس البولي جزء طبيعي من الشيخوخة.

ولا تقتصر أهمية هذه المشكلة على ارتفاع معدل انتشارها فحسب، بل تمتد إلى عبئها الصحي، والنفسي، والاقتصادي، إذ يرتبط السلس البولي بزيادة معدلات الاكتئاب، واضطرابات النوم، وتراجع النشاط البدني، وارتفاع خطر السقوط، والكسور، فضلاً عن زيادة تكاليف الرعاية الصحية المباشرة، وغير المباشرة. وتُبرز هذه المؤشرات الوبائية الحاجة إلى استراتيجيات فعالة للكشف المبكر، والتدخل العلاجي المحافظ، وعلى رأسها تمارين عضلات قاع الحوض، خاصة لدى النساء كبيرات السن.

دراسة حديثة

تشير الخبرة السريرية إلى أن كثيراً من النساء يبدأن تمارين عضلات قاع الحوض دون معرفة واضحة بالإطار الزمني المتوقع لظهور النتائج، ما قد يؤدي إلى الإحباط، والتوقف المبكر عن العلاج. وفي هذا السياق، جاءت دراسة حديثة نُشرت بتاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2025 في مجلة «International Urogynecology Journal» لتقدّم إجابة علمية دقيقة عن توقيت التحسّن السريري، والعوامل المؤثرة في الاستجابة لتمارين قاع الحوض، وهي تمارين علاجية تهدف إلى تقوية العضلات الداعمة للمثانة، والإحليل، وتُعد من التدخلات المحافظة الأساسية في علاج السلس البولي الإجهادي، والمختلط.

اعتمدت الدراسة على تحليل مُجمّع لبيانات تجربة سريرية عشوائية محكومة شملت 362 امرأة من كبيرات السن يعانين من السلس البولي الإجهادي، أو المختلط، وخضعن لبرنامج منظم لتمارين عضلات قاع الحوض لمدة 12 أسبوعاً، نُفّذ إما ضمن جلسات تدريب جماعية، أو بصورة فردية. وهدفت الدراسة في الأصل إلى مقارنة فعالية التدريب الجماعي بالتدريب الفردي، وإثبات عدم تدني فعالية التدريب الجماعي.

وتميّزت الدراسة بتحديدها لمفهوم «التحسّن السريري ذي الدلالة» بصورة عملية، اعتماداً على انخفاض عدد نوبات السلس الأسبوعية بنسبة 50 في المائة كحد أدنى، وبنسبة 70 في المائة كتحسّن سريري متقدم، وهو ما يمنح نتائجها قيمة تطبيقية مباشرة في الممارسة السريرية اليومية.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها توفّر إطاراً زمنياً واضحاً يمكن مشاركته مع المريضات منذ بداية العلاج، ما يسهم في تعزيز الثقة، وتقليل الإحباط، وزيادة احتمالية الالتزام بالبرنامج العلاجي.

أسئلة محورية

- متى يظهر التحسّن السريري في سلس البول؟ من بين المشاركات في الدراسة، قدّمت 328 امرأة (نحو 91 في المائة) بيانات قابلة للتحليل حول تسرب البول. وأظهرت النتائج أن التحسّن السريري الأدنى تحقق في المتوسط بحلول الأسبوع الرابع من بدء تمارين عضلات قاع الحوض، في حين تم الوصول إلى التحسّن السريري المتقدم بحلول الأسبوع السادس، مع استمرار التحسّن التدريجي حتى نهاية فترة العلاج.

- كيف يمكن تحسين الالتزام بتمارين عضلات قاع الحوض؟ تؤكد نتائج الدراسة أن إدراك الفائدة المبكرة للعلاج يمثل عاملاً حاسماً في استمرار المريضة في أداء التمارين. فمعرفة أن تحسّناً ملموساً قد يظهر خلال أربعة أسابيع فقط يساعد في تقليل الإحباط، والتوقف المبكر. ويمكن تعزيز الالتزام من خلال وضع توقعات زمنية واقعية منذ بداية العلاج، والمتابعة المنتظمة، وتبسيط التمارين، وربطها بالأنشطة اليومية، إضافة إلى إشراك الأسرة عند الحاجة، خاصة في الحالات التي تعاني من ضعف الدعم الاجتماعي.

- ما التقنية الصحيحة لأداء تمارين قاع الحوض؟ تجدر الإشارة إلى أن الالتزام بتمارين عضلات قاع الحوض لا يقتصر على الانتظام الزمني فحسب، بل يعتمد بصورة جوهرية على صحة الأداء. فقد أظهرت دراسات سريرية أن نسبة غير قليلة من النساء يواجهن صعوبة في عزل عضلات قاع الحوض، ويقمن بدلاً من ذلك بشد عضلات البطن، أو الأرداف، ما يقلل من فعالية التمرين. ويُعد التقييم الأولي تحت إشراف مختص -مع تقديم توجيه عملي، وتصحيح مباشر للأداء- عاملاً حاسماً في تحقيق الفائدة المرجوة. كما أن استخدام وسائل مساعدة -مثل التغذية الراجعة الحيوية (Biofeedback) أو التعليم اللمسي- قد يعزز من دقة الانقباض، لا سيما لدى النساء كبيرات السن، أو من لديهن ضعف إدراكي بسيط.

- ما العوامل التي تؤخر الاستجابة للعلاج؟ أوضحت الدراسة أن التقدم في العمر، وطول مدة الإصابة بالسلس البولي، وشدة الأعراض عند بدء العلاج، وضعف قوة عضلات قاع الحوض، جميعها عوامل مرتبطة بتأخر الوصول إلى التحسّن السريري. ويعكس ذلك حقيقة إكلينيكية مفادها بأن التغيرات الوظيفية والعضلية المتراكمة مع الزمن تحتاج إلى فترة أطول للاستجابة.

وتبرز هنا أهمية التدخل المبكر قبل تفاقم الأعراض، إضافة إلى ضرورة التقييم الأولي الدقيق لقوة عضلات قاع الحوض، وتكييف البرنامج التدريبي بما يتناسب مع القدرات الوظيفية لكل مريضة. كما أن وجود أمراض مزمنة مصاحبة، مثل السكري، أو السمنة، قد يؤثر سلباً في سرعة الاستجابة، ما يستدعي مقاربة علاجية شمولية.

- هل التدريب الجماعي لتمارين قاع الحوض فعّال بقدر الجلسات الفردية؟ أظهرت نتائج الدراسة أن التدريب الجماعي، رغم ارتباطه بزمن أطول قليلاً للوصول إلى التحسّن مقارنة بالتدريب الفردي، لم يكن أقل فعالية من حيث النتائج النهائية. ويعكس ذلك أن الفارق الزمني في بداية الاستجابة لا ينعكس سلباً على المآل العلاجي على المدى المتوسط، وهو ما يمنح التدريب الجماعي قيمة تطبيقية مهمة في الممارسة السريرية. ويجعل هذا النمط من التدريب خياراً عملياً وفعّالاً، خاصة في البيئات ذات الموارد المحدودة، لما يوفره من كفاءة في الوقت، والتكلفة، إضافة إلى دوره في تعزيز الالتزام من خلال الدعم الاجتماعي، وتبادل الخبرات، والشعور بالمشاركة، وهي عوامل قد تسهم في الاستمرار بالتمارين على المدى الطويل. كما أن الطابع الجماعي قد يساعد بعض المريضات على كسر حاجز الحرج المرتبط بهذه الحالة، ما ينعكس إيجاباً على تقبّل العلاج.

ومع ذلك، تشير النتائج إلى أن بعض المريضات، ولا سيما ذوات الأعراض الشديدة، أو ضعف القوة العضلية الواضح في قاع الحوض، قد يستفدن بصورة أكبر من جلسات فردية في المراحل الأولى، حيث يتيح هذا النمط تقييماً أدق، وتصحيحاً مباشراً للأداء، ووضع برنامج تدريبي مخصص. وبعد تحقيق حدٍّ مقبول من التحسّن، يمكن الانتقال إلى التدريب الجماعي للحفاظ على المكاسب العلاجية، وتعزيز الاستمرارية.

- ماذا نفعل إذا لم يتحسن السلس البولي؟ وفي حال عدم ملاحظة تحسّن سريري ذي دلالة بعد 8 إلى 12 أسبوعاً من الالتزام الصحيح بتمارين عضلات قاع الحوض، يُوصى بإعادة التقييم السريري، والتحقق من دقة التشخيص، وصحة الأداء، ووجود عوامل مرافقة قد تعيق الاستجابة. وفي مثل هذه الحالات، قد يكون من المناسب دمج التمارين مع تدخلات إضافية، مثل العلاج السلوكي، أو العلاج الدوائي، أو الإحالة إلى اختصاصي طب الحوض، بما يضمن مقاربة علاجية متدرجة، ومتكاملة.

- من واقع الممارسة السريرية. ومن خلال خبرتنا العملية بوصفنا أطباء نتعامل مع الكثير من مثل هذه الحالات، نلاحظ أن حالة السلس البولي عند النساء كبيرات السن لا تزال من أكثر الاضطرابات الصحية شيوعاً، وفي الوقت ذاته من أكثرها إهمالاً في الطرح، والمراجعة الطبية، سواء بسبب الحرج الاجتماعي، أو اعتقاد المريضات بأن هذه الحالة المرضية جزء طبيعي من التقدم في العمر. كما نلمس في كثير من الأحيان أن بعض المريضات يؤجلن طلب الاستشارة الطبية لفترات طويلة، ما يؤدي إلى تفاقم الأعراض، وتأثيرها السلبي على جودة الحياة، والنشاط اليومي، والصحة النفسية. كما يتضح أن التشخيص المبكر، والتقييم الدقيق لنوع السلس البولي، وأسبابه، يفتحان المجال لخيارات علاجية فعّالة تتدرج من التداخلات السلوكية، والعلاج التحفظي إلى العلاجات الدوائية، أو التداخلية، بما يحقق تحسناً ملموساً لدى شريحة واسعة من المريضات.

ختاماً، تؤكد الأدلة العلمية الحديثة أن تمارين عضلات قاع الحوض تمثل علاجاً فعّالاً للسلس البولي الإجهادي، والمختلط لدى النساء كبيرات السن، مع إمكانية تحقيق تحسّن سريري ذي دلالة خلال أربعة إلى ستة أسابيع من الالتزام بالعلاج. كما تبرز أهمية التدخل المبكر، وتخصيص البرامج العلاجية وفق الخصائص الفردية، واختيار نمط التدريب الأنسب، بما يسهم في تحسين جودة الحياة، والحفاظ على الاستقلالية الوظيفية في هذه المرحلة العمرية.

*استشاري طب المجتمع