بايدن يحذّر من هجوم {محتمل جداً}... وأميركا تبدأ سحب قواتها من مطار كابل

إجلاء 117 ألف شخص... وبريطانيا تعلن انتهاء عمليات إخراج المدنيين

أحد عناصر {قوة بدر} في حركة {طالبان} يتولى تأمين البوابة الرئيسية لمدخل مطار كابل أمس (أ.ف.ب)
أحد عناصر {قوة بدر} في حركة {طالبان} يتولى تأمين البوابة الرئيسية لمدخل مطار كابل أمس (أ.ف.ب)
TT

بايدن يحذّر من هجوم {محتمل جداً}... وأميركا تبدأ سحب قواتها من مطار كابل

أحد عناصر {قوة بدر} في حركة {طالبان} يتولى تأمين البوابة الرئيسية لمدخل مطار كابل أمس (أ.ف.ب)
أحد عناصر {قوة بدر} في حركة {طالبان} يتولى تأمين البوابة الرئيسية لمدخل مطار كابل أمس (أ.ف.ب)

حذر الرئيس جو بايدن السبت من هجوم «محتمل جداً» على مطار كابل «في الساعات الـ24 الى الـ36» المقبلة، مؤكداً أن الضربة الأميركية التي اسفرت عن مقتل عنصرين في تنظيم {داعش} لن تكون «الأخيرة».
وقال الرئيس الاميركي في بيان إثر لقائه مستشاريه العسكريين والأمنيين إن «الوضع على الأرض يبقى بالغ الخطورة ويظل خطر (وقوع) هجوم إرهابي على المطار مرتفعاً»، حسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وجاء كلامه بعدما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أمس (السبت)، أن الولايات المتحدة أجلت مع دول حليفة أكثر من 117 ألف شخص من أفغانستان منذ بدء عمليات الإجلاء قبل أسبوعين، مشيرة إلى أنها ستواصل إدارة المطار حتى نهاية الانسحاب المقرر بحلول بعد غد (الثلاثاء).
وفيما قال جون كيربي، المتحدث باسم (البنتاغون)، في مؤتمر صحافي أمس، إن القوات الأميركية بدأت انسحابها من مطار كابل، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي أن عدد الجنود الأميركيين في مطار العاصمة الأفغانية قد انخفض إلى أقل من 4 آلاف جندي، من إجمالي 5800 سابقاً.
وأشار الجنرال ويليام تايلور، نائب مدير الأركان للعمليات الإقليمية، في المؤتمر الصحافي ذاته مع كيربي، إلى أن عدد الأميركيين الذين تم إجلاؤهم من أفغانستان بلغ 5400 شخص. وأضاف تايلور أنه تم فحص 1400 شخص يوم السبت، قبل صعودهم إلى الطائرات، وأن 2800 شخص غادروا مطار كابل في الساعات الـ24 الماضية، في حين تم إجلاء 6800 على متن 32 طائرة شاركت في عمليات الإجلاء. وأشار إلى أن 6 طائرات تحمل 2000 أفغاني ستصل إلى الولايات المتحدة اليوم عبر مطارات عدة، لافتاً إلى أن وزارة الدفاع ستعمل على زيادة سعة استيعاب القواعد الأميركية إلى 50 ألفاً، ارتفاعاً من 21 ألفاً.
وفيما دخلت عملية الإجلاء التي تنفذها القوات الأميركية والدولية في أفغانستان مرحلتها النهائية، مع اقتراب العد العكسي لموعد 31 أغسطس (آب)، لا يزال عدة آلاف من الأشخاص داخل مطار كابل ينتظرون الرحلات الجوية. وتحول تركيز الولايات المتحدة وحلفائها إلى سحب آخر قواتهم مع تراجع أرقام الأفغان الراغبين في مغادرة البلاد، في ظل تصاعد التحذيرات من حصول هجمات جديدة، على غرار التفجير الانتحاري الذي وقع يوم الخميس، وأدى إلى مقتل عشرات الأفغان، و13 جندياً أميركياً. وجاء في تحذير أصدرته السفارة الأميركية في كابل أنه «بسبب تهديد أمني خارج بوابات مطار كابل، يتعين على المواطنين الأميركيين الموجودين بالقرب من بوابات مطار كابل المغادرة على الفور»، وأضافت: «يجب على المواطنين تجنب السفر إلى المطار، وتجنب جميع بوابات المطار في هذا الوقت».
وفي الوقت نفسه، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن المسؤولين الأميركيين وحلفاءهم بدأوا في إجراء محادثات مشتركة مع حركة «طالبان» حول كيفية التعامل مع الوضع مستقبلاً في أفغانستان بعد إنهاء الانسحاب. وأضافت أن مسؤولين أميركيين ناقشوا مع «طالبان» إمكانية الحفاظ على وجود دبلوماسي بعد 31 أغسطس (آب)، لمواصلة عمليات الإجلاء للأميركيين والأفغان الراغبين في مغادرة البلاد.
ووصفت تلك المحادثات بأنها توسيع للمحادثات الجارية بين الجانبين حول المطار. وقالت الصحيفة إن المسؤولين الأميركيين أكدوا أن تلك الاتصالات لا تعد اعترافاً أميركياً بـ«طالبان». ونقلت الصحيفة تصريحات للقائم السابق بأعمال السفارة الأميركية في أفغانستان، روس ويلسون، لمحطة «سي بي إس» قبل أيام، عن أن الجانبين أجريا محادثات في قطر حول هذا الموضوع، لكنه رفض القول ما إذا كان سيظل هناك استمرار للوجود الدبلوماسي الأميركي في هذا البلد، وقال: «لا تزال هناك قرارات يتعين اتخاذها في واشنطن بشأن الشكل المستقبلي لوجودنا وأنشطتنا».
وكانت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، قد أعلنت، مساء الجمعة، أن الجهود لاستكمال إخراج الأميركيين وغيرهم من أفغانستان تحتاج إلى تنسيق مع «طالبان».
وفيما يواصل المسؤولون الأميركيون النظر إلى «طالبان» على أنها منظمة متطرفة، أكدوا على أن العلاقة المستقبلية معها مرهونة بشكل كبير بالوضع الأمني حول مطار كابل وداخله في الأيام القليلة المقبلة، على الرغم من تقييمهم «الإيجابي» حتى الآن لسلوكها خلال عمليات الإجلاء الجارية، وأن التنسيق الأمني يحدث بشكل مثمر يومياً. وأشار المسؤولون إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بسلك دبلوماسي صغير في أفغانستان سيعتمد على عدد من العوامل، من أهمها قدرة «طالبان» على الحفاظ على الأمن في مطار حامد كرزاي الدولي في كابل بعد مغادرة الجيش الأميركي. وأوضحوا أنه إذا كان الأمن في المطار ضعيفاً للغاية، فيمكن لواشنطن أن تفكر في نقل التمثيل الدبلوماسي إلى دولة مجاورة.
وأضافت الصحيفة أنها اطلعت على وثائق سرية، كشفت قيام مسؤولين أوروبيين بإجراء محادثات مع قادة «طالبان» لضمان وصول المساعدات الأوروبية إلى الأشخاص الذين نزحوا في الأسابيع الأخيرة، لمنع هجرتهم الجماعية إلى أوروبا. وقالت إن مسؤولين من باكستان وأوزبكستان وإيران وقطر وتركيا يشاركون في المفاوضات للمساعدة في إدارة التدفق المحتمل للاجئين. ونقلت عن مسودة بيان لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي أن «الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه مصممون على العمل بشكل مشترك لمنع تكرار حركات الهجرة واسعة النطاق غير المنضبطة التي تمت مواجهتها في الماضي».
وفي لندن، أعلن الجيش البريطاني انتهاء عملية الإجلاء التي تقوم بها المملكة المتحدة في أفغانستان، بعدما أقلعت من كابل آخر طائرة مخصصة لإخراج مدنيين من البلد.
وقال قائد القوات المسلحة البريطانية، الجنرال نيك كارتر، لشبكة «بي بي سي راديو 4»: «نشارف على إنهاء عمليات الإجلاء التي ستتم خلال النهار»، وعندها «سيتحتم بالطبع إخراج قواتنا».
وذكرت وزارة الدفاع البريطانية، السبت، أن آخر طائرة عسكرية مخصصة لنقل مدنيين أقلعت من كابل، ومن الممكن أن ينضم عدد ضئيل من المدنيين إلى رحلات إضافية مرتقبة لإخراج الموظفين الدبلوماسيين والعسكريين.
وقال السفير البريطاني في أفغانستان، لوري بريستو: «واصل الفريق هنا العمل حتى اللحظة الأخيرة لإجلاء مواطنين بريطانيين وأفغان وأشخاص آخرين معرضين للخطر»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف في مقطع فيديو نشر على «تويتر»: «حان الوقت لاختتام هذه المرحلة من العملية الآن، لكننا لم ننسَ الأشخاص الذين ما زال يتحتم إخراجهم. سنواصل بذل كل ما بوسعنا لمساعدتهم».
ورأى كارتر أن عملية الإجلاء جرت «بأفضل ما يمكن في ضوء الظروف» بعد الاعتداء على مطار كابل الذي أوقع أكثر من مائة قتيل الخميس، بينهم 13 جندياً أميركياً ومواطنان بريطانيان، لكنه أضاف: «لم نتمكن من إخراج الجميع، وهذا أمر محزن».
وأعلنت وزارة الدفاع، الجمعة، أنه تم إجلاء أكثر من 14500 شخص منذ 13 أغسطس (آب)، بينهم نحو 8 آلاف أفغاني مؤهلين للبرنامج الخاص بالأفغان الذين عملوا لحساب المملكة المتحدة. وأوضحت أن الأفغان الذين تمت معالجة ملفاتهم سيتم إخراجهم دون سواهم، بعدما أغلق مركز درس الطلبات في فندق بارون القريب من المطار.
وقالت الوزارة إن «قدرة المملكة المتحدة على معالجة حالات أخرى باتت محدودة للغاية، والأعداد الإضافية (بشأن المدنيين الذين سيتم إجلاؤهم) ستكون محدودة»، مشددة على ضرورة السماح بـ«إخراج الدبلوماسيين المتبقين والموظفين العسكريين».
ومن جهته، قال رئيس الوزراء بوريس جونسون إنه «سنبذل ما في استطاعتنا» لمواصلة إخراج أفغان بعد 31 أغسطس (آب)، التاريخ المقرر لاستكمال سحب القوات الأميركية بعد حرب استمرت عشرين عاماً.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.