لبنان: عون يريد نصف أعضاء حكومة ميقاتي

TT

لبنان: عون يريد نصف أعضاء حكومة ميقاتي

قالت مصادر سياسية إن الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة نجيب ميقاتي فوجئ في الجلسة الأخيرة لمفاوضات التأليف بوجود نية لدى رئيس الجمهورية ميشال عون بالانقلاب على ما تعهّد به في الجلسة التي سبقتها من خلال مطالبته بنصف أعضاء الحكومة، أي بـ12 وزيراً من 24، ومن بينهم الوزيران المحسوبان على حزب «الطاشناق» والنائب طلال أرسلان، ما اضطره إلى تجميد البحث في توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف بعدما قدّم له تصوراً أولياً في هذا الخصوص، وكان ينتظر منه الإجابة عليه، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة إسقاط أسماء الوزراء على الحقائب.
وكشفت المصادر السياسية أن عون بشروطه هذه أعاد عملية التأليف إلى المربع الأول بعدما اشترط بأن لا مجال لمعاودتها ما لم يوافق ميقاتي على طلبه بإعطائه نصف أعضاء الحكومة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن باريس اضطرت للتدخّل لإعادة النصاب إلى مشاورات التأليف، محذّرة من أن استمرار العراقيل التي تعيق تأليفها سيضطرها قبل نهاية الأسبوع الحالي إلى اتخاذ موقف لا عودة عنه يستهدف الفريق السياسي المحسوب على عون، وعلى رأسهم رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل.
ولفتت إلى أن باريس تواكب مباشرة الأجواء التي تسود مشاورات التأليف لغياب السفيرة الفرنسية آن غريو عن لبنان في إجازة سنوية، وقالت إن تدخّلها أدى إلى لجم جنوح عون للسيطرة على الحكومة بتحريض من فريقه السياسي، رغم أن باسيل كان اعتذر عن المشاركة في الحكومة العتيدة، وبالتالي امتناعه عن منحها الثقة.
ورأت المصادر نفسها أن باريس لم تتعامل بجدية مع ادعاءات باسيل لما لديها من معطيات ومعلومات موثّقة بأن عون يتشاور معه وآخرين في فريقه السياسي فور انتهاء كل جولة من مفاوضات التأليف يعقدها مع ميقاتي، وأكدت أن الأخير ترك لعون تحديد موعد انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات التي يُفترض أن تُخصص للاستماع إلى وجهة نظره حيال العرض الذي تقدّم به الرئيس المكلف والخاص بتوزيع الحقائب على الطوائف على قاعدة تثبيت المداورة المعمول بها حالياً والتي تتعلق بالحقائب السيادية.
واعتبرت أن عون حاول من خلال مصادره أن يوحي بأن الجولة السادسة أي الأخيرة انتهت إلى تحقيق تقدّم في حاجة إلى مزيد من التشاور للاتفاق على التوزيع الطوائفي للحقائب، لكن سرعان ما تبيّن بأن التسريبات الإيجابية التي تولّى توزيعها الفريق السياسي المحسوب عليه لا تعكس واقع الحال ويراد منها تطويق ردود الفعل السلبية على عون بسبب إصراره على أن يُعطى نصف أعضاء الحكومة.
وفي هذا السياق، كشفت المصادر أن عون أصر على موقفه ونقلَت عنه قوله لميقاتي بأنه لن يوفد إليه المدير العام لرئاسة الجمهورية أنطوان شقير ما لم يحسم أمره في موافقته على شروطه لتأليف الحكومة، وهذا كان السبب الأول الذي حال دون الاتفاق على موعد انعقاد الجولة السابعة قبل أن تُقرّر باريس التدخّل على عجل لسحب أجواء التوتر قبل أن تفعل فعلها في تعليق مشاورات التأليف، محمّلة عون وفريقه السياسي مسؤولية ما يترتب على تعليقها من تأزّم يرفع من منسوب الاحتقان المذهبي والطائفي.
وقالت إن عون اضطر مُرغماً تحت ضغط باريس إلى معاودة قنوات الاتصال بميقاتي، وتردد بأنه استجاب لطلبها بإيفاده باسيل للقائه، لأن القرار يعود له وحده وإن كان عون ينوب عنه بالتفاوض. وأكدت أن باسيل يخطط منذ الآن للسيطرة على الحكومة ولو من موقعه بتعطيل فاعليتها وقدرتها على العطاء ما لم تستجب لطلباته، لأنه يتحسّب منذ الآن لحصول أي فراغ طارئ ولن يكون أمامه سوى اتخاذ التدابير الوقائية منذ الآن لمنع حكومة ميقاتي من أن تُمسك بزمام المبادرة ويعود لها القرار لملء الفراغ.
كما أن باسيل - بحسب المصادر نفسها - بدأ منذ الآن يصوّب باتجاه تشكيل الحكومة ليكون شريكاً في القرارات التي ستتخذها وإلا سيضطر حكماً إلى ملاقاتها في منتصف الطريق لإبطال قدرتها على اتخاذ أي قرار، إضافة إلى أن عون يتبنّى على بياض وجهة نظر صهره بلا أي تردّد إفساحاً في المجال أمامه ليس لسيطرته على نصف الحكومة فحسب، وإنما لوضع يده على الحقائب الخدماتية التي يُفترض أن تشكّل له رافعة لتحسين شروطه في الانتخابات لعله يستعيد حضوره كمرشح لرئاسة الجمهورية، في حال تمكّن من حصد المقاعد النيابية التي تعيده رئيساً لأكبر كتلة نيابية.
لذلك، فإن عون إن لم يبدّل موقفه يكون كمن يريد أن ينزل بكل ثقله السياسي لخدمة طموحات باسيل الانتخابية مع أن البعض في فريقه السياسي - كما علمت «الشرق الأوسط» - يحاول الآن خفض سقف شروطه مبرّراً مطالبته بنصف أعضاء الحكومة بأنها ليست مطروحة وأنه شاط بعيداً في لقائه الأخير بميقاتي تعبيراً عن حالة غضب لن تدوم وجاءت رداً على الحملات التي تستهدفه.
لكن لجوء فريقه إلى التخفيف من وطأة الحمولة الزائدة التي أراد عون تحميلها لحكومة ميقاتي لا يعني أنه سيسهّل تشكيلها بلا شروط، وإلا لماذا يطالب بالحقائب الخدماتية وبأكثرية الثلث الضامن أو المعطّل من وجهة نظر خصومه والتي تسببت له بمشكلة مع رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط بدأت تظهر للعيان بسبب إصراره على أن تكون وزارة الشؤون الاجتماعية من حصة فريقه السياسي في مقابل تمسُّك «التقدّمي» بها؟
فعون بمطالبته بحقيبة الشؤون الاجتماعية يكون قد أوقع نفسه في مشكلة مجانية مع جنبلاط الذي تصرّف بحيادية طوال الفترة التي أمضاها الرئيس سعد الحريري في مشاوراته مع رئيس الجمهورية قبل أن يذهب بملء إرادته للاعتذار عن تشكيل الحكومة، سواء من خلال مطالبته بحكومة بأي ثمن لأن البلد إلى مزيد من التأزّم ولم يعد يحتمل إضاعة الوقت وهدر الفرص وصولاً إلى إبداء استعداده للتنازل عن الوزير الذي سيكون لمصلحته لتسهيل تأليفها.
وعليه، فإن عون الذي كان تباهى بأنه نجح في تحييد جنبلاط سرعان ما أطاح برهانه هذا، لأنه يريد أن يهيمن على الحقائب الخدماتية استرضاء لجشع باسيل وحساباته الانتخابية، فيما تمر علاقة رئيس «التقدمي» بالحريري في حالة من الفتور أدت إلى انقطاع التواصل بينهما.
كما أن باسيل بالنيابة عن عون أقحم نفسه في إشكالية مع حليفه الاستراتيجي «حزب الله» على خلفية أن الأخير وإن كان يراعيه بعدم الضغط عليه، فإنه في المقابل لا يضع «فائض القوة» التي يتمتع بها في خدمته لتحسين شروطه في التسوية من موقع ممانعته بعدم الاشتراك في الحكومة، وبالتالي إصراره على حجب الثقة عنها.
إلا أن مآخذ باسيل على «حزب الله»، وإن كانت تعود في العلن إلى أن الأخير ينحاز أكثر من اللزوم إلى جانب حليفه الأول رئيس المجلس النيابي نبيه بري، فإنه في المقابل مضطر للتمايز عنه مراعاةً منه للشارع المسيحي الذي بدأ يتحسّس من هجوم محازبي وأنصار الحزب عبر مواقع التواصل الاجتماعي على البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي انتقد بشدة إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان وتفرُّد الحزب بمصادرته لقرار السلم والحرب الذي يعود للدولة وحدها بلا أي شريك.
ناهيك بأن علاقة عون بالنيابة عن باسيل ببري إلى مزيد من التأزّم على خلفية رفضه إسناد وزارة المالية لمدير العمليات في مصرف لبنان يوسف الخليل، إضافة إلى إصراره على تمرير رسالة إلى ميقاتي على خلفية أنه يمسك بالملف المالي والاقتصادي للحكومة بالتعاون مع الوزراء المعنيين، وذلك لتسجيل احتجاجه الذي عبّر عنه في جلسة التشاور الأخيرة بقوله إنه سيكون شريكاً في هذا القرار.
وعلمت «الشرق الأوسط» بأن بري سيكون بالمرصاد لعون في حال أنه أراد استبعاد الخليل من المالية وسيصر على أن يكون له رأي في اختيار الوزراء المسيحيين.
ويبقى السؤال: هل تنجح باريس في رأب الصدع بين ميقاتي وعون الذي كان وراء افتعاله، وبالتالي تتمكن من تهيئة الظروف لمعاودة مفاوضات التأليف في ضوء الضغط الذي مارسته لتنعيم موقف باسيل والفريق السياسي لعون للوصول بتشكيل الحكومة إلى بر الأمان على قاعدة توفير الشروط لاستمراريتها لئلا تتحول إلى حكومتين في حكومة واحدة يعوزها الانسجام وتولد ساقطة محلياً ودولياً كونها ستكون كسالفاتها من الحكومات.
وبانتظار أن يتجاوز عون «فورة الغضب» التي كانت وراء مطالبته بنصف أعضاء الحكومة، فإن الكرة الآن في مرماه وبشهادة باريس هذه المرة لأنه بشروطه هذه ينقلب على الطائف ويخرق النصوص الدستورية الخاصة بتشكيل الحكومة، وبالتالي يعود بالمشاورات إلى نقطة الصفر ويأخذ البلد إلى مزيد من الانهيار، فيما يبقى الفراغ سيد الموقف.



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.