كارثة مرفأ بيروت تمزق ستار «الدولة الفاشلة»

المخاطر ارتفعت والاقتصاد مفلس وسط توسع الفقر وذل العيش

امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في  مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)
امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)
TT

كارثة مرفأ بيروت تمزق ستار «الدولة الفاشلة»

امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في  مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)
امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)

يضع المراقبون والمحللون في إدارات ووحدات الأبحاث داخل لبنان ولدى المؤسسات الدولية، خطاً عريضاً تحت تاريخ الرابع من أغسطس (آب) 2020 ليس بصفته يوم الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت وبما حصده من ضحايا وتدمير شبه تام للمرفق الحيوي، ونحو ثلث أحياء وسط العاصمة وقلبها النابض فحسب، بل بحقيقة تحوله مفصلا حاسما بين مرحلتي الدولة المتعثرة في جبه أزمات اقتصادية ومالية صعبة، وبين واقع اللادولة الغارقة في فشل ذريع لكامل منظومات السلطة والإدارة والسقوط المدوي لمؤسساتها ولقطاعاتها الاقتصادية والنقدية، بلوغا إلى تقويض مقومات العيش لنحو 6 ملايين نسمة من السكان.
فالمقدمات السابقة للانفجار لم تكن عادية في وقائعها وتأثيراتها. وهي وإن انفصلت عنه تماما في خلفية الأسباب المادية البحت، إنما تطابقت معه في المساهمة الوازنة في حصيلة التدمير المنهجي الذي سببه الفساد للبلاد ومؤسساتها. كما أن الحدث الجلل الذي باغت العالم أجمع بشدته وإدراجه كثالث أكبر انفجار غير نووي في التاريخ، وبلغت موجات عصفه وصداها الصوتي جزيرة قبرص، وقع فعليا بينما كانت رقعة الخلافات السياسية داخل البلاد تتسع وتغذي الفوضى النقدية العارمة، ليتعمق معها الانحدار في مستوى القعرين الاقتصادي والمعيشي.
هكذا اكتمل المحتوى السوريالي للمشهد اللبناني بين أحداث متلاحقة، وتوج باستقالة حكومة الرئيس حسان دياب بعد يومين من الكارثة، لتتحول حكومة تصريف الحد الأدنى لمهام السلطة التنفيذية، معلقة بذلك المفاوضات الخاصة بخطة الإنقاذ والتعافي التي تم عرضها بتراء على إدارة صندوق النقد الدولي بسبب تشرذم الفريق اللبناني وتباعد المقاربات بين الحكومة ولجنة المال النيابية والبنك المركزي وجمعية المصارف.
لاحقا تضاعفت تباعا، ككرة الثلج، أكلاف المعالجة لفجوة مالية تباينت التقديرات على احتسابها بين 55 مليار دولار و90 ملياراً، وسط جدل عقيم لتحديد الجهة التي تتحمل الخسائر. وذلك على منوال التسعير التشاركي للجدليات الداخلية في تبادل الاتهامات وكرات المسؤولية عقب نحو 9 أشهر من انفجار غضب شعبي عارم حمل تسمية ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وترجمته سلسلة متصلة، على مدار الأسابيع والأشهر اللاحقة، من المظاهرات والتحركات الاعتراضية التي لم تخل في محطات كثيرة من ردود عنيفة تولتها السلطات وبعض الأطراف الداخلية ذات السطوة.
والمثير في الوقائع التالية التي جردتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الخبراء، والمعززة بتفشي وباء «كورونا» وبتفاقم العجز في المالية العامة، تعميم حالة «عدم الاكتراث» والأشبه بالإنكار التي اعتمدتها في إدارة التعامل مع الثورة الشعبية واحتجاجاتها العارمة، على الكارثة المستجدة في المرفأ، وتعمد وضع البلاد وقطاعاتها على مسار انحداري حاد، ارتقت معه المخاطر العامة وانعدام الثقة الداخلية والخارجية إلى درجات مذهلة.
كل ذلك يجري بدفع «عاقل» من الأطراف الداخلية المسيطرة على القرار الداخلي والسلطات الدستورية ومؤسسات إدارة الدولة. فهي تعاملت مع الانفجار الهائل بمنطق يغلب عليه الطابع الأمني، وواظبت على وصفات تسكين الآلام عبر الإنفاق غير المدروس من الاحتياط الحر للعملات الصعبة لدى البنك المركزي، فيما تكفلت مواقفها اللامبالية غالبا بفرك الجروح الغائرة في اقتصاد البلاد وقوت سكانها بالملح.
أكثر من ذلك، تقدمت الأطراف المقررة بعناد غريب لحيازة صفة «الدولة الفاشلة». فعمدت، بالتكافل والتضامن إلى التعامل بسلبية مشهودة مع المجتمع الدولي ومؤسساته الناشطة وباستخفاف صريح مع مبادراته الإنقاذية، وفي مقدمتها المبادرة الفرنسية. ووجدت ضالتها في عرقلة إعادة الانتظام إلى السلطة التنفيذية، والاحتفاظ مع التوسعة، بفجوة تغييب حكومة المهمة الإصلاحية. لتضيف صفة الدولة المارقة إلى صفتي الإنكار والفشل، مؤكدة عزل لبنان عن محيطيه الإقليمي والدولي، بعدما تولت حكومة دياب في أوائل مارس (آذار) إخراج لبنان ومؤسساته من الأسواق المالية الدولية عبر تعليق دفع مستحقات متصلة بسندات الدين الدولية (يوروبوندز)، من دون التحوط لاستحقاق كامل المحفظة التي تزيد أصولها الأساسية على 30 مليار دولار، ومن دون الدخول في مفاوضات مسبقة وجدية مع الدائنين.
وتطابقت المخاوف المحلية للخبراء سريعا مع تقرير صادم أصدره البنك الدولي بعد أشهر قليلة من انفجار المرفأ والإدارة الفاشلة للدولة. وفيه أن لبنان يعاني من كساد اقتصادي حاد ومزمن، ومن المُرجح أن تُصنف هذه الأزمة الاقتصادية والمالية ضمن أشد عشر أزمات، وربما إحدى أشد ثلاث أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي مواجهة هذه التحديات الهائلة، يهدد التقاعس المستمر في تنفيذ السياسات الإنقاذية، في غياب سلطة تنفيذية تقوم بوظائفها كاملة، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية أصلاً والسلام الاجتماعي الهش؛ ولا تلوح في الأفق أي نقطة تحول واضحة.
وبلغة تتعدى المعايير الدبلوماسية المعهودة، قرر البنك الدولي «أن استجابة السلطات اللبنانية لهذه التحديات على صعيد السياسات العامة كانت غير كافية إلى حد كبير. ولا يعود ذلك إلى الثغرات على مستوى المعرفة والمشورة الجيدة، بقدر ما يعود إلى غياب توافق سياسي بشأن المبادرات الفعالة في مجال السياسات». وزاد مبينا شبهة «وجود توافق سياسي حول حماية نظام اقتصادي مفلس، أفاد أعداداً قليلة لفترة طويلة»، ومنبها «نظراً لتاريخ لبنان المحفوف بحرب أهلية طويلة وصراعات متعددة، ثمة حذر متنام من المحفزات المحتملة لنشوب اضطرابات اجتماعية. فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتنامية الخطورة تهدد بقصور النظام الوطني بما لذلك من آثار إقليمية، وربما عالمية».

الاستهلاك والغذاء يعبدان الطريق إلى «الجحيم» المعيشي
> لا يتطلب المسح الميداني لمكونات مؤشر الغلاء جهودا استثنائية. فالسد الوهمي الفاصل بين التضخم المفرط الذي يحاكي التجربة الفنزويلية التي يجري المضاهاة بها كنموذج عالمي صارخ بحدته ومرارته، وبين «الجحيم» المعيشي الموعود في لبنان، مرشح للزوال سريعا مع نضوب مبالغ تمويل الدعم لدى البنك المركزي لمجموعة السلع الاستراتيجية والأساسية.
وليس من المبالغة تعميم صفتي البؤس والكآبة على أحوال السكان عموما. فمن يفقد قدرات العيش بالحد الأدنى هم الغالبية العظمى بنسبة تعدت 75 في المائة من السكان، ومن يحوز «نعمة» الدخل بالدولار الطازج «الفريش» عملا أو تحويلا أو بما يتيسر له من «القرش الأبيض» المحتجز في البنوك يصطدم بندرة وجود السلع الحيوية وحتى انعدامها.
عموما، يخضع السكان بأطيافهم كافة للامتحان الإنساني الأصعب. وهم يدركون مسبقا أن علو موجات ارتفاع الأسعار الاستهلاكية واحتشادها سيبلغ وشيكا مستوى «تسونامي» مدمر لكل جدران الصمود التي يتحايلون في بنائها بلا أساسات ولا دعائم. وبالتالي يتهيب الخبراء في قراءة المشهد القاتم مع تسريع وتيرة الانتقال من حال الندرة إلى حال الانقطاع التام لمواد وسلع وخدمات تشكل مجتمعة أساسيات الحياة «الآدمية».
في الواقع، صار الترقب يوميا وتراكميا لارتقاء التضخم باندفاعات صاروخية، ليصبح في غضون فترة قصيرة قد لا تتعدى الشهر الواحد، مطابقا لمستوى انحدار العملة الوطنية، مضافا إليها احتساب الهوامش الإضافية التي يضعها المستوردون والتجار. هي مرحلة انهيار منظومة الدعم الفوضوية التي بددت نحو 6 مليارات دولار سنويا على مدار الأزمة، واستحقاق تداعياتها بتقدم ظواهر فقدان المحروقات والكهرباء والمياه والأدوية وتمدد الخطر إلى الاتصالات والإنترنت، والتراجع المطرد والمخيف في قطاعات الخدمات العامة والاستشفاء والتمريض والتعليم بمستوياته كافة.
ويبين المسح الذي أجرته منظمة «اليونيسف» حديثا أن أكثر من 30 في المائة من الأطفال في لبنان ينامون جوعى، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام. كما أن 77 في المائة من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء. وترتفع هذه النسبة إلى 99 في المائة لدى الأسر السورية. كذلك، فإن 60 في المائة من الأسر تضطر إلى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 في المائة من الأطفال لا يتلقون الرعاية الصحية الأولية. ويتحدث 80 في المائة من مقدمي الرعاية عن مواجهة الأطفال صعوبات في التركيز على دراستهم في المنزل، إما بسبب الجوع وإما نتيجة الاضطراب النفسي.
في المقارنة، يمكن استنباط منحنى بياني مسبق لاتجاه متوسط مؤشر الغلاء العاكس لسعر الدولار في الأسواق الموازية، بعد رفع الدعم الذي سيشمل قريبا كامل المواد والسلع، باستثناء الخبز ومجموعات محددة من الأدوية وحليب الأطفال. فمع بلوغ الدولار متوسطا سعريا جديدا عند عتبة 20 ألف ليرة، واعتماد الهامش الأعلى في تسعير غالبية السلع الغذائية والاستهلاكية، أي بما يتعدى 22 ألف ليرة لكل دولار، يمكن رصد قفزات غير لمؤشر الغلاء، بعدما تعدى نسبة 100 في المائة بنهاية النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة عينها من العام الماضي. مع التنويه بأولى القفزات المتحولة حجما في شهر يوليو (تموز) الماضي، والمقدرة، بحسب مرصد الجامعة الأميركية في بيروت، بصعود أسعار سلع غذائية أساسية بأكثر من 50 في المائة في أقل من شهر.
ومن بين النماذج الصارخة للارتفاعات المذهلة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية المحلية والمستوردة على حد سواء، الألبان والأجبان، حيث اندفع سعر الحليب من نحو 10 إلى نحو 25 ألف ليرة على مدار سنوي، وزاد سعر كيلو اللبن من نحو 13 إلى 30 ألف ليرة، وكيلو اللبنة من 20 إلى نحو 60 ألف ليرة. وارتفع سعر كرتونة البيض من 20 إلى نحو 50 ألف ليرة، وعبوة المرطبات من ألفين إلى 5 آلاف ليرة، وحلق سعر لتر الزيت النباتي فوق متوسط 40 ألف ليرة. وتخطت أسعار الحبوب بأنواعها من عدس وحمص وفاصولياء وفول وسواها حدود 25 ألف ليرة بالحد الأدنى. حتى سعر علبة السردين (سمك الفقراء) وصل إلى 15 ألف ليرة، لتبرز معه «رفاهية» علبة التونة فوق مستوى 30 ألف ليرة لكل 200 غرام بالحد الأدنى. في حين وصل سعر كيلو اللحم البقري إلى 150 ألف ليرة والغنم إلى 250 ألف ليرة. ولم تخالف مقطعات الدجاج المنوال فزاد سعر الكيلوغرام إلى نحو 70 ألف ليرة.
في النتيجة، محزن للغاية ما جاهرت به نجاة رشدي، نائبة المنسقة الخاصة والمنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، بأن «الناس عاجزة عن توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية وتستبدل الوجبات الصحية بخيارات أرخص غير صحية، مما يهدد أمنها الغذائي». _



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.