جيهان شهيب مهندسة لبنانية تقولب التّراث في قطع فنية

جيهان شهيب مهندسة لبنانية تقولب التّراث في قطع فنية

تتناول بتصاميمها متحف سرسق والمندلون ونوافذ بيروت
الخميس - 20 ذو الحجة 1442 هـ - 29 يوليو 2021 مـ رقم العدد [ 15584]
أقراط أذن تصور الأقواس الثلاثة لمنزل إيلي صعب التراثي

تتخذ المهندسة اللبنانية جيهان شهيب من التاريخ والتراث والهوية موضوعات لقصص ترويها في قطع فنية من تصميمها. فهي ترى في العمارة اللبنانية إرثاً يجب الاعتناء به، وهي تسهم في نشره كي يحفر في ذاكرة الأجيال. وانطلاقاً من ارتباطها بالجذور وتعمقها في اكتشاف كل ما يشير إليها من معالم وهندسة معمارية، بدأت شهيب مشوارها الفني.

تتألف القطع التي تصممها من فواصل كتب وأقراط أذن تشكل إضافة إلى دورها الجمالي أسلوب تعريف بالهوية اللبنانية. وتقول في هذا الخصوص: «عدم الوقوف والتعرف إلى ثقافات مختلفة تحدّ من قبولنا للغير. فكلما تعرفنا إلى ثقافات بعضنا، وطدنا العلاقات بيننا. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على لبنان بل على المنطقة بأكملها. ومن هذا المنطلق رغبت في إبراز معالمنا التراثية ضمن قطع فنية غير مستهلكة، تلفت الانتباه من ناحية وتزودنا بالمعلومة من ناحية ثانية».

تختار شهيب موضوعات تصاميمها من مبانٍ تراثية تزين بيروت وتقول: «قصتي مع هذه التصاميم بدأت منذ كنت طالبة في كلية الهندسة. كانت تلفتني العمارة اللبنانية المتأثرة بثقافات غربية نظراً لتلون لبنان بها عبر التاريخ. وكوني عاشقة للتاريخ ومنكبة على التعمق فيه، قررت أن أنقل حبي للجذور عبر قطع فنية أصممها».

متحف سرسق ونوافذ بيوت بيروت التراثية العتيقة والمندلون الذي يغطي واجهاتها، تنطبع في تصاميم شهيب. فهي تقدمها ضمن عملية حفر وتنزيل تشبه إلى حد بعيد التطريز. وتعلق في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المعالم لم أخترها عن عبث بل عن سابق تصور وتصميم. فهي تحكي روايات طويلة عن بلدي لبنان، وتبرز جماليته في الهندسة المعمارية. وقبل أن أصمم أي قطعة، أغوص في حكاية المعلم الذي أختاره، أتعرف إلى رموزه ومعانيه والحقبات التي مر بها». وتتابع: «تتجمع الصورة في خيالي وأترجمها بأناملي لتصبح شبيهة إلى حد كبير بقماشة الدانتيل. كما أرفق كل قطعة فنية أنفذها بنص يحكي عن المعلم التراثي الذي تحمله. وبذلك أنشر حضارات وثقافات من بلادي ليتعرف إليها من يشتريها لا سيما من جيل الشباب. فما أقوم به ليس مجرد تصاميم فنية وحسب، بل رسالة وطنية أخذتها على عاتقي، كي تتبلور صورة وطني الجميلة. وبهذه الطريقة أكسر المسافات وأختصرها فتتبلور صورة لبنان الحقيقية في الأذهان».

ومن المباني التي اختارتها شهيب لترجمتها في قطعها الفنية منزل إيلي صعب ومبنى بلدية بيروت التراثي الذي تقول عنه: «قلة من اللبنانيين تعرف تاريخ هذا المعلم الذي بناه المهندس اللبناني يوسف أفطيموس. فمن خلال عملي أحاول تسليط الضوء على شخصيات من بلدي أيضاً. والمهندس أفطيموس بنى هذه العمارة التي تنتصب وسط العاصمة بعد حقبة لبنان الكبير. ولذلك يلفتنا فيها الهوية المعمارية الجديدة التي اتبعها والمؤلفة من مزيج من العمارة اللبنانية القديمة والحديثة. وقد كتب عليها عبارة تقول: «إن آثارنا تركن إلينا فانظروا من بعدنا إلى الآثار». فهو بذلك ترك رسالة معبرة لأجيال متتالية، ويعبر فيها عن المسؤولية التي يجب أن يحملها أي عمل هندسي نقوم به».

المسؤولية نفسها تحملها شهيب في أعمالها الفنية، إذ نلاحظ الدقة والتأني في نقلها التراث والهوية اللبنانية من منظار يجمع بين الجمال والثقافة معاً. وتعلق: «أجمع في تصاميمي ما بين القراءة ولبنان والهندسة والتراث والجذور، وما إلى هنالك من عناصر تعرف عن لبنان، وتتضمن رسائل لتحسين علاقتنا بمجتمعاتنا وتسهم في تقريبنا من بعضنا البعض. فكلما تعرفنا إلى حضارة الآخر، قصرنا المسافات بيننا وهذا هو هدفي الأساسي».

تؤكد المهندسة اللبنانية أنّ فكرتها موجهة إلى الشباب بشكل أساسي، كي يتعرف إلى جذوره بحيث لا يستسخف ويستسهل تاريخه. وتقول: «يمكننا أن نتمسك بهويتنا بأسلوب حديث ومتحضر، وهو ما أطبقه في تصاميمي».

تعبّر جيهان (JIHANE C) كما تُعرف على وسائل التواصل الاجتماعي، عن رؤية مهندسة معمارية لتاريخ المنطقة وإرثها. ولذلك لم تنحصر تصاميمها بلبنان فقط بل أطلقت العنان لفنها كي تحلق معه في سائر السمات التي رسمت معالم هويتنا التعددية والغنية. وتتضمن قطعها الفنية معالم من السعودية (مكة المكرمة) وعملتها القديمة. ومن الإمارات اختارت مسجد الشيخ زايد ومن مصر مسجد الرفاعي. وتعلق: «كان من الضروري أن يتعرف الناس إلى الفن الإسلامي العريق الذي لا يضاهى. حتى إنّي قمت بإطلالة على الفن الأرمني من خلال قطع ترتبط بمدينة خاشقار في أرمينا، حيث يحفر الفنانون الأرمن فنونهم في الصخر».

وحسب رأيها فإنه علينا الاهتمام بتقاليدنا وجذورنا في ظل عالم فقد هويته، وهو ما يشكل أرضية صلبة نقف عليها، كي نزدهر ونحتضن العالم بأكمله، ليس فقط بحبٍ بل أيضاً بوعي.

لجأت شهيب إلى مادة النحاس كي تقولب قطعها الفنية، وتطليها بالذهب في المرحلة النهائية من تنفيذها. وتوضح: «النحاس مادة جميلة والطلاء الذهبي يدفعها إلى التألق أكثر. ولكل قطعة مقاييسها وعملية خاصة بتخريقها».

تحضر قطع المهندسة اللبنانية في متاحف كثيرة بينها «لوفر» أبوظبي، ومراكز ثقافية وفنية في السعودية ومصر. وهي تحمل معزة خاصة لمتحف سرسق الذي كان السبّاق في عرض تصاميمها الفنية.


لبنان Arts موضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة