ارتدادات زلزال «التعليم الخاص» تتجاوز أسواق المال الصينية

انهيار أسهم الشركات... ومليارديرات يفقدون ثرواتهم

تجاوز حجم قطاع التعليم الخاص في الصين 260 مليار دولار عام 2018 مع نموه بشكل هائل منذ ذلك الوقت (رويترز)
تجاوز حجم قطاع التعليم الخاص في الصين 260 مليار دولار عام 2018 مع نموه بشكل هائل منذ ذلك الوقت (رويترز)
TT

ارتدادات زلزال «التعليم الخاص» تتجاوز أسواق المال الصينية

تجاوز حجم قطاع التعليم الخاص في الصين 260 مليار دولار عام 2018 مع نموه بشكل هائل منذ ذلك الوقت (رويترز)
تجاوز حجم قطاع التعليم الخاص في الصين 260 مليار دولار عام 2018 مع نموه بشكل هائل منذ ذلك الوقت (رويترز)

أدت زيادة تنظيم الحكومة الصينية لقطاع التعليم الخاص، إلى تأثير مزلزل تخطى أسواق المال المحلية وتسلل خارجها يوم الاثنين. وانخفض مؤشر «هانغ سينغ» لبورصة هونغ كونغ بنسبة 3.5 في المائة إلى26360 نقطة. كما انخفض مؤشر «سي إس آي - 300»، الذي يضم أسهم أكبر 300 شركة مدرجة من البر الرئيسي الصيني، بصورة حادة إلى 4902 نقطة.
وتجاوز الأمر التأثير المحلي إذ تراجعت الأسهم الأميركية بدورها عن مستويات مرتفعة، ما مثَّل بداية ضعيفة لأسبوع متخم بنتائج أعمال شركات التكنولوجيا واجتماع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ونزل المؤشر داو جونز الصناعي 5.69 نقطة أو ما يعادل 0.02 في المائة إلى 35055.86 نقطة. وتراجع المؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 2.21 نقطة أو ما يعادل 0.05 في المائة إلى 4409.58 نقطة، بينما انخفض المؤشر ناسداك المجمع 15.96 نقطة أو ما يعادل 0.11 في المائة إلى 14821.03 نقطة.
وبعدما حددت إطاراً لشركات التكنولوجيا العملاقة، تشدد بكين حالياً سياستها حيال قطاع التعليم الخاص المربح الذي تراجعت أسهمه الاثنين، في تدبير تنظيمي جديد.
وتشكل الدروس الخصوصية وتلك التحضيرية للامتحانات سوقاً مربحة جداً في الصين، حيث التعليم تنافسي ونخبوي بشكل خاص. وعام 2018 كان هذا القطاع يمثل نحو 260 مليار دولار (220 مليار يورو)، بحسب مكتب «إل آي كيه كونسالتينغ» الاستشاري.
ولا يتردد الأهالي الصينيون الذين يهتمون كثيراً بنجاح أبنائهم في الإنفاق على حصص الدعم المدرسي، ما سمح بإنشاء شركات تعليم عملاقة، بعضها مسجّل في الولايات المتحدة. لكن يتمّ التنديد أكثر فأكثر بعبء العمل الزائد على التلاميذ الصينيين والتكاليف الباهظة للتعليم.
وبحسب تعليمات جديدة نشرتها الحكومة السبت، ينبغي على شركات الدعم المدرسي من الآن فصاعداً أن تُسجّل كجمعيات لا تبغي الربح. ولن تتمكن بعد الآن من إعطاء دروس في عطلات نهاية الأسبوع ولا في أيام الأعياد الرسمية ولا خلال العطل المدرسية... ويخشى محللون أن يعرّض هذا القانون للخطر عمليات تسجيل التلاميذ في المستقبل وأن يقوّض في نهاية المطاف عائدات شركات القطاع.
وتسبب القانون الجديد بانهيار أسهم شركات التعليم الخاصة الصينية. فقد سجّلت أسهم شركة «نيو أورينتال إديوكيشن» الرائدة في هذا القطاع، تراجعاً بنسبة 47 في المائة في بورصة هونغ كونغ.
ومن جهتها تراجعت أسهم شركة «كوليرن تكنولوجي» المتخصصة بالدروس عبر الإنترنت، أكثر من 33 في المائة، فيما سجّلت أسهم شركة «تشاينا مايبل ليف إديوكيشن» التي تحضّر خصوصاً التلاميذ للدخول إلى الجامعات الأجنبية، تراجعاً بقرابة 11 في المائة. وأدى ذلك إلى تراجع بورصة هونغ كونغ التي أغلقت على انخفاض بنسبة تفوق 4 في المائة.
وسبق أن خسرت شركة «تال إديوكيشن غروب» العملاقة المسجّلة في نيويورك، 71 في المائة من أسعار أسهمها على خلفية تداول شائعات حول تشديد القانون. وتراجعت قيمة ثروة رئيس مجلس إدارتها تشانغ بانغشين بنحو 1.1 مليار دولار، بحسب وكالة «بلومبرغ» المالية.
وفي إطار التحركات الحكومية، خسر المعلم السابق الذي أصبح أحد أغنى أغنياء العالم، لاري تشين، وضعه كملياردير في ظل الإجراءات الصارمة التي تتخذها الصين في قطاع التعليم.
وتراجعت ثروة تشين، المؤسس ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «غاوتو تيك إيدو»، الآن إلى 336 مليون دولار، وفقاً لمؤشر بلومبرغ للمليارديرات، وذلك بعد أن تراجعت أسهم شركته للخدمات التعليمية عبر الإنترنت بنحو الثلثين في بورصة نيويورك يوم الجمعة الماضي بسبب تقارير الإصلاح التنظيمي في الصين.
وتعد هذه أحدث ضربة لتشين، الذي خسر أكثر من 15 مليار دولار من ثروته منذ أواخر يناير (كانون الثاني)، مع تراجع أسهم غاوتو. وذكرت بلومبرغ أن تشين قال في بيان عبر موقع ويبو الصيني في وقت متأخر مساء السبت إن غاوتو «سوف تمتثل للوائح وستفي بمسؤولياتها الاجتماعية».
ولم يكن تشين الوحيد الذي تراجعت ثروته بسبب اللوائح، حيث تراجعت ثروة الرئيس التنفيذي لمجموعة تال إديوكيشن، تشانغ بانغ تشين، بمقدار 2.5 مليار دولار لتصل إلى 1.4 مليار دولار بعد أن هوت أسهم الشركة بنسبة 71 في المائة في بورصة نيويورك يوم الجمعة الماضي.
وفقد رئيس مجلس إدارة شركة نيو أورينتال إديوكيشن آند تكنولوجي غروب، يو مينهونغ، وضعه كملياردير أيضاً بعد أن خسر 685 مليون دولار لتصل قيمة نصيبه في الشركة إلى 579 مليون دولار بعد أن تراجعت أسهم الشركة بنسبة 54 في المائة. وأصدرت الشركتان بيانات مماثلة تعهدت فيها بالامتثال للقواعد الجديدة.
وتأتي التدابير الجديدة التي تهدف إلى تخفيف العبء عن كاهل التلاميذ الصينيين والضغوط المالية عن أهلهم، في وقت تسعى بكين إلى التشجيع على الإنجاب على خلفية تباطؤ اقتصادي. وغالباً ما يمنع العبء المالي الأزواج الصينيين الشباب من إنجاب الأطفال.
ويأتي تشديد القوانين في قطاع التعليم بالتزامن مع إجراءات مماثلة اتخذت في مجال التكنولوجيا، بحيث سمح القانون المتراخي نسبياً فيما يخصّ البيانات مع غياب المنافسين الأجانب، لشركات عملاقة محلية بالظهور.
وفي الأشهر الأخيرة، أظهرت السلطات صرامة أكبر وأطلقت إجراءات ضد كبرى الشركات في القطاع التي طُلب منها «تصحيح» ممارسات كان مسموحاً بها حتى الآن.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، حكم على شركة «علي بابا» الصينية العملاقة للتجارة عبر الإنترنت التي أسسها الملياردير جاك ما، بدفع غرامة قدرها 2.3 مليار يورو لعرقلة المنافسة. وتُستهدف شركة «ديدي» التي تهيمن على سوق حجز سيارات مع سائق (في تي سي) في الصين، بتحقيق مرتبط بجمعها بيانات خاصة.
ويأتي ذلك بعد أن جنت شركة «ديدي» 4.4 مليار دولار لدى دخولها أواخر يونيو (حزيران) بورصة نيويورك، وهو أمر لم تكن بكين تؤيده. وأصبحت شركة «تنسنت» الصينية العملاقة لألعاب الفيديو آخر شركة تستهدفها بكين. فقد تعرّضت لانتقادات من جانب الهيئة الناظمة بسبب ممارسات منافية للمنافسة وطُلب منها التخلي عن حقوقها الموسيقية الحصرية. وسجّل سهم «تنسنت» الاثنين تراجعاً بنسبة 7.7 في المائة في بورصة هونغ كونغ.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».