سخط يمني من استطالة أمد الحرب واستمرار الانقلاب

سياسيون يدعون إلى إصلاح الأخطاء وإنهاء تفكك الجبهة الوطنية

يمنيون يتسوقون في أحد شوارع لحج جنوب البلاد (أ.ف.ب)
يمنيون يتسوقون في أحد شوارع لحج جنوب البلاد (أ.ف.ب)
TT

سخط يمني من استطالة أمد الحرب واستمرار الانقلاب

يمنيون يتسوقون في أحد شوارع لحج جنوب البلاد (أ.ف.ب)
يمنيون يتسوقون في أحد شوارع لحج جنوب البلاد (أ.ف.ب)

مع استطالة أمد الحرب التي أشعلتها الميليشيات الحوثية للسنة السابعة على التوالي، بات الشارع اليمني يعيش حالة من الغليان والسخط، إذ ترفض الميليشيات الحلول السياسية وتراهن على القوة للانفراد بحكم اليمن ضمن الأجندة الإيرانية، في حين تهيمن على القوى اليمنية المناوئة للانقلاب حالة من الشتات والانقسام جعلتها غير قادرة خلال هذه السنوات على الحسم العسكري على رغم الدعم غير المحدود الذي يقدمه تحالف دعم الشرعية على الصعد كافة.
هذا الانغلاق في مسار الأزمة اليمنية، مع ما يحيل إليه من استمرار معاناة نحو 30 مليون نسمة، من جراء الفقر وغياب الخدمات وتغوّل الميليشيات وتوقف الرواتب، وتجريف الهوية الوطنية، دفع العديد من السياسيين الذين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إلى الدعوة للإسراع بتجاوز هذه الحال الراهنة، من خلال إنهاء تفكك الجبهة الوطنية المناوئة للانقلاب الحوثي، والتشديد على أهمية إصلاح منظومة الشرعية، على الصعيدين السياسي والعسكري، لجعلها أكثر قدرة على حسم مستقبل البلاد واستعادة الدولة المختطفة من قبل الانقلابيين.
- انتهازية القوى السياسية
في هذا السياق، يحاول الكاتب اليمني وضاح الجليل أن يقدم في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مقاربة توصيفية للحالة في بلاده، إذ يرى أن «ما يحدث من انتكاسات متتالية يعود إلى حالة التفكك والانقسام في الجبهة الوطنية التي كان سببها مرض وشيخوخة القوى السياسية والاجتماعية وانتهازيتها وتنافسها على مصالح ضيقة وغنائم تخصها وحدها دون المجتمع».
ويتهم الجليل هذه القوى السياسية بأنها «نتاج عقود طويلة من الشمولية والإقصاء والتهميش والصراع الآيديولوجي والتعبئة المتراكمة ضد بعضها، حتى وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة على تجاوز ضغائنها، والعمل ضمن جبهة واحدة لمواجهة التحديات المصيرية التي يمثلها الانقلاب الحوثي وشبح الإمامة الذي أسفر عن وجهه من خلال هذا الانقلاب».
ويرى أن هذه القوى «عطلت إمكانية قيام المجتمع بدوره في إنتاج تنظيمات وتشكيلات تقوده في معاركه المصيرية؛ فمن جهة وقع المجتمع في فخ الركون على هذه القوى لأداء مهامها المنوطة والمفترضة. ومن جهة أخرى فإن قطاعات واسعة من فئة الشباب في المجتمع تنتمي لهذه القوى والأحزاب وقعت في فخ التربص والمكايدات الحزبية واستهوتها نظرية المؤامرة، فتوجهت أغلب أنشطتها وأفكارها للتآمر والتحريض والتنافس».
ويجزم الجليل بأن ذلك كله «أسهم في منح الحوثي مساحة في حياة المجتمع اليمني ليشغلها بطريقته، وبمساعدة خارجية من طرف نظام الحكم في إيران، ومن خلال ممارساته ومنهجه، إذ تمكن من إعلان أفضليته في الاستحواذ والسيطرة وتمكين مشروعه».
ويعتقد أن اليمنيين يحتاجون إلى «تجاوز الحال القائمة من خلال تجاوز الأحزاب والقوى السياسة وطي صفحتها، وإنتاج بدائل قادرة على التعاطي مع التحديات المصيرية ومواجهة الانقلاب الحوثي والنفوذ الإيراني في اليمن».
- أخطاء وتقاعس
ولا يذهب الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل بعيداً عن إلقاء اللائمة على أخطاء القوى اليمنية وتقاعسها بصفتها المتسبب الأول في إطالة أمد الحرب وعدم حسم المعركة مع الانقلاب المدعوم إيرانياً. ويقول لـ«الشرق الأوسط» معبراً عن حال اليأس والإحباط التي باتت تكتنف الشارع اليمني: «يصل اليمنيون إلى قناعة مغلفة باليأس حول مآلات أزمتهم التي تكاد تنغلق على الفك والفهم، ذلك لأنهم بين نيران كثيرة، نار الحوثي التي لا يبدو معها من حل سوى إطفائها من جذعها، وهي النار التي بدأت صغيرة وكبرت بأخطاء اليمنيين وتقاعسهم عنها».
وينتقد البيل استمرار بقاء الحوثيين في التمدد بالتزامن مع عجز خصومهم وتشتتهم، ويقول: «سبع سنوات والحوثية تتمدد في الفراغ، والعالم يضع لها الخيارات بدلال وهي المغتصبة لكل شيء، حتى أنها ترفض اتفاقيات السلام التي ستجعلها كياناً شرعياً، لأنها ليست بحاجة، فعجز خصومها مُغرٍ لها بالبقاء على هذه الحال».
وفي حين يمتدح البيل ما تلقته الشرعية اليمنية بكل صفوفها من دعم كبير من التحالف الداعم لها بقيادة السعودية، إلا أنه يعتقد أن السبب في تأخر الحسم يعود إلى ما وصفه بـ«ضعف الشرعية وتشظيها وفسادها»، وهو ما أفشل - من وجهة نظره - استعادة الدولة، إذ إن «حجم الحوثي وقوته مقارنة بالشرعية لا يوزن».
من ناحية ثانية، ينتقد البيل «ركون الشرعية إلى التفاوضات السياسية مع أنها تدرك ألا مفاوضات ستنجح في استعادة دولة». ويعلق مستغرباً: «هل تُفاوِض لصاً على خروجه من منزلك الذي اغتصبه من دون أن تقدم له تنازلات ترضي رغبته؟ مجرد التفاوض مع لص هو تنازل عن نصف ما تملك»، في إشارة إلى الحوثيين.
ولفت إلى أن «ضعف الشرعية وعنف الحوثي يطحنان اليمنيين، حتى أنهم الآن في أسوأ أزمة على وجه الأرض، وحكومتهم الشرعية لا تبذل ما يمكن أن نقول إنه أقل الواجب، وباستطاعتها أن تفعل الكثير لرفع معاناة الناس، لكن الشرعية تعيش صراعات داخلية وانتهازات واستراتيجيات، الأطراف فيها لا تنظر إلا إلى مصلحتها وحسب».
وبخصوص ما يقترحه البيل من حلول، يقول: «لدى اليمنيين حل واحد، أن تصحو الشرعية من سباتها وتصحح أخطاءها سريعاً، وتحشد الجميع بصدق ووضوح كالنفير لهدف واحد، وهو استعادة الدولة وهزيمة المشروع الإيراني. عندها سيلتف الجميع وسنرى الحوثية تتساقط ويفر غلمانها كالفئران من كل المدن».
وحذر مما وصفه بـ«الانتظار المضر للمفاوضات من دون أن يكون هناك نجاح من الشرعية أولاً، وحزم وسرعة وشمول». وأضاف: «بإمكان هذه المشكلة اليمنية أن تحل في أقصر وقت، لو توافرت العزيمة والقيادة المخلصة وتنازلت كل الأطراف عن مصالحها الانتهازية، فسينهار الحوثي حتى قبل الوصول إليه».
- غياب التخطيط والانقسام
ويصوّب الكاتب والمحلل السياسي اليمني محمود الطاهر، من جهته، سهام انتقاداته للشرعية، مشيراً إلى «غياب التخطيط الاستراتيجي والانقسام في صفوفها» إلى جانب اتهامه لفصيل سياسي - لم يسمه – بـ«السيطرة على الشرعية ورفض مشاركة المكونات القتالية الأخرى في المعركة الوطنية المصيرية»، فضلاً عما وصفه بـ«حالة التخوين بين المكونات السياسية التي تسببت بهشاشة النتائج العسكرية للجيش».
ويقول الطاهر لـ«الشرق الأوسط» إن «المشكلة الحقيقية للأسف الشديد، تكمن في الشرعية اليمنية، وإلا لو كانت الشرعية يقظة لهذه المعركة لما سمحت للقبائل التي انتفضت في البيضاء بخوض القتال منفردة ضد الحوثيين. كان يجب أن تشعل كل الجبهات في وقت واحد، لإجبار الحوثي على السلام».
وأشار إلى أنه «منذ تحرير المحافظات الجنوبية والجوف وصولاً إلى مأرب، بشكل سريع وسلس، استمعت الحكومة اليمنية لنصائح المجتمع الدولي لوقف الحرب، وإفساح الطريق أمام المجال السياسي، وهو ما سمح للحوثيين بالتقاط أنفاسهم واللعب على إطالة أمد الحرب، والتوغل وسط القبائل، وتشكيل مصالح سياسية وآيديولوجية ومالية، استطاعوا من خلالها التحول من الدفاع إلى الهجوم».
ويشدد الطاهر على أن من أهم الأسباب التي أخرت حسم المعركة ضد الانقلاب «الخلافات السياسية الموجودة الآن لدى كل الأطراف المناهضة للمشروع الحوثي». ويوضح: «زادت الانقسامات الحادة، حينما طالبت القوات المشتركة في الساحل الغربي المشاركة في الدفاع عن مأرب، وقوبل ذلك بالرفض، واستغلتها الميليشيا في تغذية ذلك الصراع».
ويشير كذلك إلى ما وصفه بـ«فساد السياسيين والقيادات العسكرية الذين حولوا الحرب إلى مصالح اقتصادية خاصة بهم»، وإلى «غياب التخطيط الاستراتيجي السياسي والعسكري والإعلامي، في إدارة المعركة مع الميليشيا الحوثية».
وعن مآلات الحال في اليمن، في ظل المعطيات القائمة ميدانياً وسياسياً، يعبر الطاهر عن خشيته من «تقسيم اليمن لدويلات مع استمرار الحرب الأهلية الداخلية، ومن ثم القضاء على كل المعارضين للمشروع الإيراني». لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد تحقق «نصر يمني» ضد الانقلاب «شريطة إصلاح الأخطاء وتوحيد كافة المكونات السياسية نحو هدف واحد».
ويضيف: «لن ينتصر اليمنيون طالما هناك قوات في المحافظات الجنوبية متأهبة لبعضها، متناسية الخطر الإيراني الذي يداهمها، وطالما رفضت القوات الحكومية في مأرب إشراك القوات من الساحل، وطالما لا تزال الشرعية اليمنية تنظر إلى بقية المكونات السياسية المناهضة للحوثيين، على أنها مكونات خارج إطار الشرعية».
وعن المساعي الدولية وما إن كانت ستحسم الأزمة اليمنية، يستبعد الطاهر ذلك، ويقول: «لن ينتصر اليمنيون أو الشرعية اليمنية، طالما تنتظر من المجتمع الدولي أن يحقق السلام لأن المنتصر على الأرض هو من يضع الشروط ويغير الأحداث ويكتب التاريخ».
- منعطف صعب
ويقر الكاتب والإعلامي اليمني أحمد عباس في سياق تعليقه على جمود الأزمة في بلاده واستطالة أمد الحرب وعدم وصول مساعي السلام إلى غايتها، بأن البلاد واقعة «في منعطف صعب وخطير للغاية». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تكريس الحوثي سيطرته على اليمن يعني دخول البلد في دوامات من محاولات مسخ هويته وإعادته إلى مجاهل مظلمة ستغرق فيها كل أجياله المقبلة. وهذا السيناريو الذي يُساق إليه اليمن ليس سببه قوة الحوثي العسكرية أو قوة حججه السياسية، وإنما تكمن المشكلة في الطرف الآخر المناوئ لهذه الحركة الطوطمية»، في إشارة إلى القوى والأحزاب المناوئة للانقلاب التي تمثلها الشرعية بأطرافها كافة.
وأوضح أن «المتابع العادي للمشهد يستطيع بكل سهولة استنتاج أن الهدف الذي من المفترض أنه يوحد هذه المكونات وهو التخلص من الانقلاب لم يعد هو الأولوية لكل طرف، وهنا تكمن المشكلة. هذه الخلافات والتباينات السياسية هي التي يستغلها الحوثي ببراعة ويحاول توطيد سيطرته المطلقة على المناطق التي تحت يديه، والتوسع تباعاً في المناطق التي لم يكن يحلم بالوصول إليها».
وينتقد عباس محاولات بعض الأطراف اليمنية «التشكيك في جهود التحالف الداعم للشرعية، أو تحميله وزر ما آلت إليه الأمور من جمود عسكري وسياسي». ويقول: «لولا هذا التحالف لكان اليمن في وضع كارثي أكثر مما هو عليه الآن».
ويعتقد أن الحوثي «لن يقبل إلا بالسيطرة المطلقة على اليمن إذ يعلن ذلك بلا أي رتوش أو مواربة». أما عن الحل من وجهة نظره، فهو «التخلص من الحوثي عسكرياً». لكنه يعود ويجزم أن ذلك «لن يحدث ما لم تتغير الأدوات السياسية والعسكرية في الشرعية».


مقالات ذات صلة

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

المشرق العربي المشروع ينفذ في 3 مديريات ويخدم أكثر من 360 ألف مستفيد (الشرق الأوسط)

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

يستهدف مشروع الأمن المائي والطاقة تعزيز مصادر المياه وتحسين كفاءة تشغيلها واستدامتها، من خلال حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً مزودة بأنظمة طاقة شمسية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وصل التحريض الإسرائيلي المستمر ضد مصر، إلى درجة تحدَّث فيها الإعلام العبري عن «استعداد لخوض حرب»، بينما تتجاهل مصر تلك المواقف، مع تركيزها على الوساطة في ملف قطاع غزة التي تستضيف بشأنها مفاوضات متكرِّرة منذ نحو شهر.

ذلك المسار التحريضي بدأ مع اشتعال حرب غزة قبل نحو عامين، وعدّته القاهرة «تهديداً خطيراً» لمعاهدة السلام مع إسرائيل. وتَجدُّده حالياً هدفه جذب شرائح الناخبين قبل الانتخابات المقرَّرة بعد أشهر في إسرائيل، لكنه بطبيعة الحال له تأثيرات سلبية على مستوى العلاقات، خصوصاً أنَّ مصر لم تقبل بعد أوراق سفير جديد لإسرائيل، وليست هناك حالياً اتصالات رفيعة المستوى بين البلدين، ما يجعل «التدهور غير المسبوق مستمراً»، بحسب خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط».

تحريض يتواصل

ودعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الثلاثاء، إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة أن «هناك حالياً حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم اتفاقية السلام المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (في ديسمبر/ كانون الأول الماضي)، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وقبل أيام، لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أنَّ مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود»، داعياً الجيش الإسرائيلي إلى «تغيير نهجه، ونشر قواته بشكل مختلف تماماً على الجبهة الجنوبية الحدودية مع مصر».

ازدياد الاحتكاك

ويلاحظ السفير حسين هريدي، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، ازدياد الاحتكاك الإسرائيلي، سواء على مستوى الإعلام أو التصريحات شبه الرسمية، في ظلِّ الموقف المصري الرافض للعدوان، ولتهجير الفلسطينيين، ولوجود إسرائيل بقطاع غزة، بخلاف العقيدة الإسرائيلية التي تتخوَّف باستمرار من قوة الجيش المصري.

وأشار هريدي إلى أن ما يحدث هو «ابتزاز هدفه وضع القاهرة في موقف دفاعي أمام الإدارة الأميركية»، عادّاً أن «إسرائيل بشكل عام لا تستطيع أن تعيش في حالة سلم، وعادة تلجأ لإيجاد عدو أو خصم لشعبها».

يضاف لذلك أن «التجاذبات الانتخابية التي بدأت مبكراً تتغذى على مثل هذه الأجواء من التحريض والتوتر؛ لتقديم المرشحين أنفسهم كأنهم حماة إسرائيل»، وفق هريدي.

ضغط وابتزاز

ويعدّ الدكتور أحمد فؤاد أنور، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أنَّ ما يحدث حالياً من تحريضات إسرائيلية «ليس سوى محاولة ضغط على مصر وابتزاز تحت مزاعم لا أساس لها، ما يعزِّز أجواء السلام البارد، لا، بل الحرب الباردة أيضاً، في ظلِّ غضب شعبي مصري مما تفعله إسرائيل بالمنطقة»، مرجحاً «استمرار تلك المزاعم مع فشل إسرائيلي في غزة ولبنان وإيران، ومحاولة جذب شرائح الناخبين قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحادث حالياً؛ بسبب الحرب في غزة، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني قبل القبول باتفاق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة، إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة؟».

وخلال أغسطس (آب) 2025، وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، للمرة الأولى، ما تقوم به إسرائيل في غزة من حرب تجويع بأنه «إبادة ممنهجة»، وفي يناير 2024، عدّت هيئة الاستعلامات المصرية أن تحركاً إسرائيلياً باتجاه احتلال محور صلاح الدين (محور فيلادلفيا) في قطاع غزة سيؤدي إلى تهديد خطير وجدي للعلاقات المصرية - الإسرائيلية.

رسالة مصرية

وبشأن رد فعل مصر على تصاعد تلك التحريضات، يرى السفير هريدي، أن «مصر دولة قوية، ومدركة أبعاد ما يحدث، وتتخذ قرارها في الوقت المناسب، ولم تتحدَّث من قبل حول المساس بمعاهدة السلام رسمياً»، مشيراً إلى أن «العلاقات ليست في أحسن أحوالها مع إسرائيل ولا يُتوقَّع تحسن في ظلِّ هذا التحريض الحالي».

أما بالنسبة إلى الرد المصري، فيرى أنور أنه ليس على مستوى التصريحات «بل بعدم قبول أوراق السفير الإسرائيلي بعد، وعدم حدوث اتصال بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونتنياهو، وهذه رسائل مصرية واضحة المعالم بأنَّ هناك تدهوراً غير مسبوق في العلاقات، وإن كان لم يصل لتهديد اتفاقية السلام، مع أن كل السيناريوهات واردة ومفتوحة».


مهاجرو القرن الأفريقي... ضحايا الحوثيين وشبكات التهريب

أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
TT

مهاجرو القرن الأفريقي... ضحايا الحوثيين وشبكات التهريب

أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)

في طرق وعرة تمتد بين السواحل والحدود اليمنية، يمضي آلاف المهاجرين من القرن الأفريقي رحلة محفوفة بالمخاطر، بحثاً عن فرصة نجاة لا يجدها كثير منهم، لكن هذه الرحلة، التي تبدأ بالأمل، تنتهي غالباً في مناطق مغلقة تتحول فيها معاناتهم إلى سلعة بيد شبكات التهريب، وسط اتهامات للحوثيين باستغلال المهاجرين، وتوظيف وجودهم في أنشطة غير مشروعة.

وقال ناشطون حقوقيون لـ«الشرق الأوسط» إن تجمعات المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في منطقة الرقو بمحافظة صعدة اليمنية الحدودية (شمال) باتت تمثل نموذجاً صارخاً لاستغلال معاناة هؤلاء، واستخدامها لتحقيق مكاسب مالية، وإدارة أنشطة غير مشروعة.

وأشار الناشطون إلى أن قوافل بشرية من المهاجرين، الذين تقطعت بهم السبل، يقعون ضحايا لعصابات تهريب مرتبطة -بحسب تلك الإفادات- بأجهزة أمنية حوثية، تعدهم بإيصالهم إلى دول الخليج للعمل هناك.

ووفق هذه الإفادات، فإن آلاف المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل اليمنية أسبوعياً يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام عبر طرق وعرة للوصول إلى هذه المنطقة، حيث يتم استقبالهم من قبل عناصر تابعين للحوثيين، قبل أن يُسلَّموا إلى عصابات من جنسيات أفريقية تتولى إدارة الموقع، وتنظيم حركة من فيه، في إطار شبكة معقدة تستفيد من استمرار تدفق المهاجرين، وتحوّل أوضاعهم المأساوية إلى مورد مالي دائم.

المئات من الأفارقة في طريقهم إلى المناطق الحدودية اليمنية (إعلام محلي)

ونقلت المصادر عن بعض العائدين من المنطقة تفاصيل عن الأوضاع هناك، حيث تدير هذه الجماعات الموقع، وتفرض قواعد صارمة للإقامة، والتنقل، وتشرف -وفق تلك الروايات- على عمليات تهريب البشر، والمخدرات، والسلاح، مستغلة هشاشة أوضاع المهاجرين، وغياب أي مظلة حماية قانونية أو إنسانية لهم.

كما تُلزم هذه العصابات أسر الضحايا بدفع مبالغ مالية مقابل وعود بنقل أقاربهم إلى دول الخليج بحثاً عن العمل، في عمليات ابتزاز منظمة تستنزف العائلات الفقيرة في بلدانهم الأصلية.

ومع تأكيد السلطات اليمنية وصول أكثر من 40 ألف مهاجر غير شرعي إلى البلاد منذ بداية العام الجاري، توقع ناشطون أن يتجه جزء كبير منهم نحو هذه المنطقة الحدودية، حيث يواصل المهربون استدراجهم بوعود العبور إلى دول الخليج. كما أشاروا إلى أن السلطات العُمانية ضبطت مؤخراً عشرات المهاجرين الأفارقة الذين تسللوا من اليمن إلى أراضيها، في مؤشر على استمرار نشاط هذه الشبكات، واتساع مسارات التهريب عبر الحدود.

تجمع في شبوة

على صعيد متصل، أفادت مصادر يمنية محلية بتحول منطقة نائية في شمال محافظة شبوة (وسط اليمن) إلى مخيم مفتوح للمهاجرين غير الشرعيين، والذين يعيشون في مساكن بدائية من القماش، أو الصفيح، وفي ظل غياب شبه كامل للجهات الحكومية، والمنظمات الدولية.

وذكرت المصادر أن بعض المهاجرين يواصلون المغامرة باتجاه الشريط الحدودي، فيما يسعى آخرون إلى كسب لقمة العيش داخل اليمن، عبر العمل في النقل، أو الزراعة، لكنهم يتعرضون -وفق منظمات حقوقية- لأشكال مختلفة من الاستغلال، وسوء المعاملة.

وحتى وقت قريب كانت منطقة رفض التابعة لمديرية الصعيد في محافظة شبوة معزولة، وتفتقر إلى مقومات الحياة، لكنها تحولت اليوم إلى مركز لتجمع المهاجرين، حيث أقيمت فيها ثلاثة مخيمات متتالية خلال فترة وجيزة، لتصبح أكبر نقطة تجمع للمهاجرين غير الشرعيين في مناطق الحكومة الشرعية.

مهاجرون أفارقة فشلت رحلتهم في الوصول إلى السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

وتشير البيانات إلى أن مساحة المنطقة لا تتجاوز 18 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها الأصليين نحو 10 آلاف نسمة، ويتوزعون في قرى متناثرة ضمن تضاريس جبلية وعرة، مع غياب شبه تام للخدمات الأساسية.

وخلال الأشهر الماضية تحولت إلى نقطة تجميع للمهاجرين الذين يُنقلون من داخل المحافظة، ومحافظات مجاورة، في محاولة لاحتواء انتشار المخيمات العشوائية في المدن والمناطق الساحلية.

عبء إنساني

وأوضحت مصادر محلية أن غياب مخيمات رسمية، وتزايد تدفق المهاجرين الأفارقة أسبوعياً إلى السواحل اليمنية دفعا السلطات إلى نقل أعداد كبيرة منهم إلى هذه المنطقة النائية، بعيداً عن التجمعات السكانية.

وكانت السلطة المحلية قد نفذت حملة لإزالة مخيمات المهاجرين العشوائية في مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، ونقلتهم إلى منطقة رفض، حيث أُقيم أول مخيم، قبل أن تتكرر الإجراءات ذاتها في محافظتي أبين، وشبوة، مع إنشاء مخيمين إضافيين استقبلا مهاجرين جرى نقلهم من لودر وأحور عقب حملات أمنية استهدفت مراكز تهريب واحتجاز للمهاجرين.

منطقة رفض في شبوة تحولت إلى موقع لمخيمات المهاجرين الأفارقة (إعلام محلي)

وسبق للسلطات اليمنية أن جددت التزامها بالتعامل الإنساني مع المهاجرين، لكنها أكدت عجزها عن توفير مخيمات ورعاية كافية بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد جراء الحرب، ودعت المنظمات الأممية والدولية إلى دعم جهودها من خلال إنشاء مخيمات تستوفي المعايير الإنسانية، وتوفير الغذاء، والرعاية اللازمة.

ويرى ناشطون أن تحول مناطق معزولة تفتقر إلى الخدمات إلى مراكز لاستقبال هذا العدد الكبير من المهاجرين يعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية التي تخوض حرباً مستمرة، وتواجه أزمة إنسانية ومالية غير مسبوقة، وبالتوازي مع محاولاتها تفكيك شبكات التهريب.

وأكد الناشطون أن تراجع التمويل الدولي، في بلد يعاني أكثر من 21 مليوناً من سكانه من انعدام الأمن الغذائي، سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، ويقوض القدرة على التعامل مع موجات الهجرة غير الشرعية القادمة من القرن الأفريقي، والتي تُقدَّر بنحو 100 ألف مهاجر سنوياً.


الحوثيون يعيدون تشكيل القضاء ويضيّقون على النساء

قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)
قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يعيدون تشكيل القضاء ويضيّقون على النساء

قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)
قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)

بدأت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، تنفيذ حملة إقصاء واسعة طالت عشرات المنتمين للسلك القضائي من غير الموالين لها، وحتى من الموالين في إطار صراع الأجنحة، بالتوازي مع تضييق متزايد على النساء في الوظيفة العامة، في صورة تكشف عن توجه منهجي لاستكمال إعادة هندسة مؤسسات الدولة والمجتمع بما يخدم أهداف الجماعة.

وكشفت مصادر مطلعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء عن أن حملة إقصاء واسعة طالت أكثر من خمسين قاضياً من المحاكم والنيابات، تمثل بعضها في إجبار قضاة وأعضاء نيابات على التوقف عن العمل دون مسوغات قانونية، وإحلال آخرين من المعممين الموالين لها، وبينهم من لا يملكون أي مؤهلات سوى دورات قصيرة تنفذها الجماعة.

وتشير المصادر إلى أن إجراء تحولات عميقة في بنية القضاء، لا تقف عند حدود التغييرات البشرية، بل تمتد لتشمل القانونية، بتعديلات تمنح السلطة التنفيذية التابعة للجماعة صلاحيات مباشرة للتدخل في شؤون القضاء، في تقويض واضح لمبدأ الفصل بين السلطات.

وعززت الجماعة ذلك بقرارات مركزية، مثل حصر صلاحيات التعيين والنقل في قطاع التوثيق بيد وزارة العدل في حكومة الجماعة غير المعترف بها، لحصر السلطة القضائية في الدائرة السياسية الضيقة.

قادة حوثيون في مبنى المجلس الأعلى للقضاء الخاضع لهم في صنعاء (إعلام حوثي)

ووفقاً للمصادر، فمن المتوقع أن تشمل قرارات الإزاحة والإقصاء قضاة ومعممين من المنتمين للجماعة، ضمن صراع الأجنحة داخل الجماعة، وفي إطار التنافس على النفوذ.

ويرى قضاة ومختصون قانونيون، أن مؤسسة القضاء أصبحت بعد كل ما تعرضت له خلال سيطرة الجماعة مجرد جهاز إداري يتم تشكيله بصياغة معايير التعيين والترقية وفق اعتبارات الولاء؛ ما ينسف نزاهة الإجراءات والقرارات، ويصادر حقوق السكان بالانتهاكات الخطرة، ويسلبهم المزيد من حرياتهم ويحرمهم من ممتلكاتهم، وينتج بيئة قانونية هشة بشكل غير مسبوق.

حصار على النساء

ويتقاطع المشروع الحوثي بشكل لافت مع اتجاه موازٍ يستهدف النساء، سواء داخل مؤسسات الدولة أو في المجال العام بشكل أوسع، فبالتوازي مع تقليص فرص النساء في العمل العام، تتصاعد مؤشرات الانتهاكات التي تطالهن، من الاعتقال خارج الأطر القانونية إلى إنشاء مرافق احتجاز خاصة بهن.

مبنى معهد القضاء العالي في صنعاء حيث يحصر الحوثيون الدراسة على أتباعهم (فيسبوك)

وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن الجماعة ماضية في تقليص حضور النساء وأدوارهن في الوظيفة العامة بشكل ممنهج، ويتضمن ذلك تقليص فرص حصولهن على الوظائف العامة من ناحية، واستحداث إدارات خاصة بهن في مختلف القطاعات بمهام محدودة وهامشية.

وطبقاً للمصادر، فإن الجماعة ارتأت المضي بهذه السياسة دون الإفصاح عنها بأي قرارات معلنة، أو إبداء أي مواقف صريحة؛ تجنباً لأي ردود فعل أو إدانات مجتمعية أو دولية من جهات حقوقية أو معنية بالدفاع عن النساء، وأي محاولات رفض أو تمرد داخل مختلف القطاعات التي تسيطر عليها.

وأوضحت المصادر أن الجماعة تنفذ هذه السياسة بشكل حثيث من خلال إصدار قرارات تعيين لموالين لها في المواقع القيادية التي تتولاها النساء في مختلف القطاعات، واللواتي يجري إزاحتهن إلى مواقع أخرى في إدارات مستحدثة من دون صلاحيات أو مهام حقيقية.

كما يجري إنشاء إدارات مخصصة لتقديم الخدمات العامة للنساء وإجراء المعاملات الخاصة بهن في إطار مساعي الجماعة لمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في مختلف القطاعات العامة، ويشمل ذلك تخصيص بوابات ونوافذ خاصة للنساء، مع تشديد الإجراءات الخاصة بتمكينهن من الحصول على الخدمات العامة، وفرض الرقابة عليهن.

الحوثيون يستحدثون سجوناً للنساء ويجندون مزيداً من المواليات لهم في الشرطة النسائية (رويترز)

وذكرت المصادر أن الجماعة أصدرت تعليمات للعاملات في تلك الإدارات بإلزام النساء المترددات عليها بالإفصاح عن أسباب عدم قيام محارمهن (الأقارب من الذكور) بمتابعة الإجراءات الخاصة بهن، أو مرافقتهم لهن خلال زياراتهن للمؤسسات العامة، على الأقل.

ومنذ سنوات ألزمت الجماعة الحوثية النساء باصطحاب محارمهن خلال السفر والتنقل، حتى في المشاوير القريبة من منازلهن داخل المدن والأرياف، وفرضت عقوبات مشددة جراء مخالفة تلك التعليمات.

وحظرت الجماعة التحاق النساء بالمعهد العالي للقضاء، وحصرت فرص الدراسة فيه على الرجال فقط، في مخالفة صريحة للدستور اليمني والقوانين النافذة التي تكفل مبدأ المساواة وعدم التمييز. وإلى جانب ذلك، تُتهم الجماعة بالسيطرة التامة على المعهد، وحصر الالتحاق به على الموالين لها.

سجون وملاحقات

وفي سياق مرتبط، تحدثت مصادر مطلعة عن تجهيز عشرة سجون مخصصة للنساء في صنعاء، تُدار من قِبل عناصر الشرطة النسائية التابعة للجماعة الحوثية (الزينبيات)، مع تدريبهن على أساليب تحقيق تتضمن الضغط والإكراه، في إطار حملة أمنية تستهدف نساءً تجري ملاحقتهن بتهم التجسس.

وطبقاً للمصادر، فإن الجماعة بدأت بتوسيع نطاق الرقابة على السكان، ولم تعد تهمة التجسس تخص الرجال وحدهم، وسط مخاوفها وشكوكها بأن يجري تجنيد نساء من قِبل السفارات الغربية والمنظمات الدولية، وفي أوساط اجتماعية مختلفة.

النساء في مناطق سيطرة الحوثيين يواجهن التضييق والملاحقة والحرمان من العمل (رويترز)

وتفيد المعلومات بأن السجون التي سيتم استحداثها لهذه الأغراض، ستكون منازل خاصة بقيادات في الحكومة اليمنية ومعارضين للجماعة الحوثية، بينما تعكس الإجراءات المزمعة تحولاً نوعياً في التعامل مع النساء، من التقييد الاجتماعي، وملاحقة العاملات في الشأن العام، إلى إخضاع النساء كافة للضبط الأمني المباشر.

ويربط مراقبون للوضع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية بين السيطرة على القضاء والانتهاكات بحق النساء وإقصائهن من المجال العام، حيث إن إخضاع القضاء يوفّر غطاءً لمختلف ممارسات الجماعة، بينما يؤدي تهميش النساء إلى تقليص مساحة الاعتراض المجتمعي؛ ما يخلق بيئة أكثر قابلية لإعادة تشكيلها وفق رؤية أحادية.

ولا تبدو هذه الإجراءات مجرد استجابات ظرفية لاعتبارات أمنية أو إدارية، بل تبدو جزءاً من مشروع متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الجماعة والمجتمع، ويحوّل مؤسسات يفترض أنها ضامنة للحقوق، وفي مقدمها القضاء، إلى أدوات لفرض مشروع الجماعة وترسيخ سطوتها.