موسكو وأنقرة ترحبان بتمديد المساعدات... ودمشق تعتبره «انتهاكاً للسيادة»

غارات روسية غداة صدور القرار على شمال غربي سوريا

TT

موسكو وأنقرة ترحبان بتمديد المساعدات... ودمشق تعتبره «انتهاكاً للسيادة»

رحبت أنقرة وموسكو بالتصويت في مجلس الأمن أول من أمس، على قرار تمديد التفويض الأممي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، مقابل انتقاد سوري للقرار واعتباره «انتهاكاً للسيادة».
ووصف مندوب روسيا لدى المجلس فاسيلي نيبينزيا التطور بأنه «لحظة تاريخية»، وبدا أن موسكو تستعجل البناء على التسوية التي قادت إلى إنجاح القرار الدولي المشترك من خلال توسيع النقاش مع واشنطن حول ملف العقوبات المفروضة على سوريا.
ولم تصدر موسكو بياناً رسمياً يحدد موقفها من القرار الدولي، وملابسات الاتفاق على الصياغة النهائية له مع البلدان الغربية، كما أن الكرملين اكتفى بإشارة عابرة إلى أن هذا الموضوع كان محور محادثات مع بين الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن، من دون أن يعطي تفاصيل إضافية عن المناقشات، لكن تعليقات نيبينزيا التي نقلتها وسائل الإعلام الحكومية أبرزت درجة ارتياح واسعة لهذه النتيجة. وكان مجلس الأمن الدولي وافق بالإجماع، أول من أمس، على القرار 2585 الخاص بتوصيل المساعدات إلى سوريا بعد مناقشات ساخنة استمرت أياماً. وبدا أن الأطراف توصلت إلى تسوية مرضية بعد تراجع الولايات المتحدة وآيرلندا والنرويج عن الإصرار على إعادة فتح معبر اليعربية، والاكتفاء بتمديد عمل معبر باب الهوى، في حين تراجعت موسكو بدورها عن موقفها الرافض أصلاً لفكرة التمديد لأي معبر ما لم يتم إدخال المساعدات وتوزيعها عبر حكومة دمشق. كما أن موسكو وافقت في المحصلة على صياغة ملتبسة تمدد التفويض الدولي لمدة عام، على أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً «شافياً ومفصلاً» عن عمل المعبر بعد مرور ستة أشهر ليصار إلى التمديد التلقائي لستة أشهر أخرى في حال لم تبرز اعتراضات على التقرير الأممي.
ورأى نيبينزيا، أن تجديد آلية دخول المساعدات لسوريا كان قراراً مشتركاً روسياً أميركياً. ووصف تبني القرار بشكل جماعي بأنه «لحظة تاريخية».
وأوضح أن العالم شهد «لحظة تاريخية حيث تمكنت روسيا والولايات المتحدة لأول مرة من التوصل إلى اتفاق بل عرض نص مشترك دعمه جميع زملائنا في مجلس الأمن». وأضاف نيبينزيا: «نأمل في أن يصبح هذا السيناريو منعطفاً تستفيد منه سوريا ومنطقة الشرق الأوسط بل العالم بأسره».
وأشار المندوب الروسي إلى أن هذا القرار يشدد لأول مرة على تطوير عمليات إيصال المساعدات الإنسانية عبر حدود التماس، موضحاً: «أعطى أعضاء مجلس الأمن بالتالي الضوء الأخضر لاستكمال الآلية العابرة للحدود بشكل تدريجي ومن ثم استبدالها من خلال استخدام خطوط التماس».
وبدا أن موسكو استعجلت البناء على التوافق داخل مجلس الأمن، إذ قال نيبينزيا إن بلاده تخوض محادثات مع الولايات المتحدة حول تخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا.
لكنه امتنع عن الرد على سؤال حول توقعاته بمدى تجاوب واشنطن مع هذا الجهد واكتفى بالقول إن موسكو «سترى ما يمكن تحقيقه».
وفي مقابل إعلان البيت الأبيض أن بايدن، أجرى الجمعة اتصالاً هاتفياً مع نظيره الروسي، وأن الطرفين أشادا بـ«العمل المشترك الذي أدى إلى الاتفاق حول نقل المساعدات إلى سوريا».
كان لافتاً أن الناطق باسم الكرملين أكد للصحافيين أن المكالمة تمت من دون أن يكشف عن فحواها. ودفع هذا الموقف مع عدم صدور بيان رسمي عن الخارجية المعلقين إلى توقع أن موسكو ما زالت تدرس تداعيات التطور الذي وقع في مجلس الأمن، ومدى قدرته على توفير فرصة لتفاهمات أخرى حول سوريا، خصوصاً أن هذه الخطوة قوبلت باستياء من جانب دمشق التي أعلن مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة بسام صباغ عن «رفض تمديد الآلية»، التي وصفها بأنها «مسيسة وتنتهك السيادة السورية». وقال بعد صدور القرار إن «سوريا ترفض هذه الآلية المسيسة لما تمثله من انتهاك لسيادتها ووحدة أراضيها وللعيوب الجسيمة التي شابت عملها والفشل في ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وليس إلى الإرهابيين».
وزاد أن «الوفدين الروسي والصيني ووفوداً أخرى بذلت جهوداً لتسليط الضوء على جوانب تخدم هدف تحسين الوضع الإنساني وإيصال المساعدات إلى محتاجيها من داخل سوريا، في حين أن الدول الغربية أصرت على تجاهل تلك الجوانب وركزت جهودها فقط على تمديد آلية إدخال المساعدات التي تخدم أجنداتها».
من جهتها، قالت وزارة الخارجية التركية، في بيان أمس، إن القرار الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي أول من أمس لمدة 12 شهراً سينفذ لمدة 6 أشهر إضافية على أساس تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بعد الأشهر الستة الأولى. وأضاف البيان: «تعد مساعدات الأمم المتحدة المرسلة عبر معبرنا الحدودي (جيلفا جوزو) ضرورية لاستمرار الاستجابة الفعالة للأزمة الإنسانية في سوريا ومن أجل الاستقرار والأمن الإقليميين».
وتابع: «لذلك فإننا نرحب باستمرار آلية إيصال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود التابعة للأمم المتحدة الفاعلة من أجل تلبية احتياجات الشعب السوري عبر تركيا».
ولفت البيان إلى أن تركيا تنتظر من مجلس الأمن والجهات الدولية الفاعلة، اتخاذ خطوات بناءة ومواقف توافقية لإيجاد حل دائم للأزمة السورية، مشدداً على أنها ستواصل دعمها القوي للجهود الرامية لحل الأزمة الإنسانية في سوريا، وستستمر في المساهمة الفعالة في الحفاظ على وقف إطلاق النار ودفع العملية السياسية.
على صعيد آخر، تجددت الاشتباكات بعد منتصف ليل الجمعة/ السبت على محاور في ريف مدينة منبج شمال شرقي حلب، بين الفصائل السورية المسلحة الموالية لتركيا وقوات مجلس منبج العسكري بالتزامن مع قصف واستهدافات متبادلة بين الجانبين، حيث استمرت الاشتباكات حتى فجر أمس. كانت القوات التركية والفصائل الموالية لها نفذت قصفاً مدفعياً أول من أمس على قرية الجات شمال شرقي منبج. كما وقعت اشتباكات بين مجلس منبج العسكري من جهة، والفصائل الموالية لتركيا من جهة أخرى، على محاور توخار وعرب حسن في ريف منبج.
في الوقت ذاته، سقطت قذائف على قرية أطمة التابعة لعفرين بريف حلب الشمالي الغربي، والخاضعة لنفوذ القوات التركية والفصائل الموالية لها، اسم المنطقة المعروفة بـ«غصن الزيتون»، من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وتحالف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مما أدى إلى إصابة أحد الأشخاص.
وردت القوات التركية والفصائل الموالية لها بقصف بالأسلحة الثقيلة، على قرى ضمن مناطق انتشار «قسد»، حيث سقطت قذائف في سموقة والسد وسروج والحصية وتل مضيق بريف حلب الشمالي.
من ناحية أخرى، قصفت قوات النظام بالمدفعية الثقيلة، محيط النقطة التركية في قرية البارة بجبل الزاوية جنوب إدلب، واستهدفت بقذيفتين مدفعيتين محيط الأتارب من الطرف الشرقي، مما تسبب في إصابة مدني بجروح.
من جهته، قال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن طائرات روسية شنت غارات على منطقة حرش جوزف في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي.
وأشار إلى أن «المنطقة توجد فيها مقرات عسكرية تابعة لهيئة تحرير الشام» وأن «الضربات الجوية هي الثانية خلال 24 ساعة»، حيث كان أشار أول من أمس، إلى أن الطائرات الحربية الروسية شنت غارات استهدفت خلالها محاور كبانة في جبل الأكراد بريف اللاذقية الشمالي، وحرش جوزف بجبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي.
وأشار «المرصد» قبل ثلاثة أيام إلى أن الطيران الروسي استهدف بغارتين جويتين محطة الروج الشمالي والتي تحتوي على عشر مضخات ومجهزة بشكل كامل للعمل، حيث تروي المحطة نحو 3500 هكتار من الأراضي الزراعية، كما طالت إحدى الغارات الجوية بثلاثة صواريخ مركزاً للدفاع المدني في منطقة الشيخ يوسف، مما أدى إلى الخروج المركز عن الخدمة، دون تسجيل أي إصابات.
ورصد نشطاء 4 غارات جوية نفذتها مقاتلة روسية على منطقة الشيخ يوسف على الأطراف الغربية لمدينة إدلب، تزامن ذلك مع تحليق طائرة حربية روسية ثانية في أجواء منطقة «خفض التصعيد».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.