مجلس الأمن يشدد على «التفاوض» لحل أزمة «سد النهضة» برعاية أفريقية ـ أممية

دعم عربي لمصر والسودان... وإثيوبيا ترفض العودة إلى «اتفاق واشنطن» ولن تتفاوض قبل الملء الثاني... وقلق دولي

أنطونيو غوتيريش خلال لقائه سامح شكري في نيويورك أول من أمس (الخارجية المصرية)
أنطونيو غوتيريش خلال لقائه سامح شكري في نيويورك أول من أمس (الخارجية المصرية)
TT

مجلس الأمن يشدد على «التفاوض» لحل أزمة «سد النهضة» برعاية أفريقية ـ أممية

أنطونيو غوتيريش خلال لقائه سامح شكري في نيويورك أول من أمس (الخارجية المصرية)
أنطونيو غوتيريش خلال لقائه سامح شكري في نيويورك أول من أمس (الخارجية المصرية)

شدّد مجلس الأمن الدولي، أمس، في جلسة طارئة خصّصها للنظر في حيثيات أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، على أهمية إطلاق حوار بنّاء بين أطراف النزاع الثلاثة، مصر والسودان من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر، برعاية الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، مشدداً على أهمية «الحل الأفريقي» للقضية المستمرة فصولها منذ أكثر من 10 سنوات.
ووسط دعم عربي قوي للقاهرة والخرطوم، وقلق أممي، استعرض المجلس مشروع قرار قدّمته تونس، بطلب من مصر والسودان، يطالب بالتوصل إلى حل متوافق عليه من خلال التفاوض بين الدول الثلاث، برعاية الاتحاد الأفريقي، وبمشاركة أممية وأميركية وأوروبية. ويطالب المشروع العربي من إثيوبيا، وقف عملية الملء الثاني لخزان السد وعدم التصرف بشكل أحادي. كما يطالب مشروع القرار الذي يحظى بدعم من لجنة المتابعة العربية المكلفة بمتابعة ملف السد في الأمم المتحدة، كلاً من مصر والسودان وإثيوبيا باستئناف المفاوضات، تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، داعياً الدول الثلاث إلى «وضع نص اتفاق ملزم بشأن السد خلال 6 أشهر، والامتناع عن اتخاذ أي إجراء يعرض عملية التفاوض للخطر»، ويحض أديس أبابا على الامتناع عن الاستمرار في تعبئة خزان السد من جانب واحد.
ووفق مصادر في نيويورك، فإن إثيوبيا أعلنت أمس عن موافقتها على إجراء المشاورات حول هذه القضية، لكنها رفضت بشكل قاطع وقف إجراءات الملء الثاني للسد، رغم النداءات السودانية والمصرية. كما أنها رفضت العودة إلى «اتفاق واشنطن» المبرم عام 2015، أو العودة إلى طاولة المفاوضات إلا بعد إتمام عملية الملء الثانية.
وسبق أن قامت إثيوبيا في يوليو (تموز) العام الماضي بإنجاز المرحلة الأولى للملء بسعة 4.9 مليار متر مكعب، فيما يتطلب 13.5 مليار متر مكعب من الماء لملء المرحلة الثانية.
وعبّرت الأمم المتحدة عن «قلقها البالغ» من التطورات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي الكبير، محذرة من «تداعيات» القرار الأحادي الذي اتخذته أديس أبابا لجهة الشروع في الملء الثاني للسد من دون التوافق مسبقاً مع كل من القاهرة والخرطوم اللتين دفعتا بقوة في اتجاه وضع هذا الملف على جدول أعمال مجلس الأمن بصورة رسمية عبر مشروع القرار الذي أعدته تونس لمطالبة الأطراف المعنية بالعودة إلى المفاوضات بوساطة أفريقية وأميركية وأوروبية.
واستمع المجلس إلى إحاطة من المبعوث الخاص للأمين العام للقرن الأفريقي بارفيه أونانغا - أنيانغا، والمديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إنغر أندرسن، والمندوب الدائم لجمهورية الكونغو الديمقراطية لدى الأمم المتحدة أيغناس غاتا مافيتا وا لوفوتا الذي تتولى بلاده حالياً رئاسة الاتحاد الأفريقي، بمشاركة شخصية لوزيري الخارجية المصري سامح شكري، والسودانية مريم الصادق المهدي، ووزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي.
وهذه هي المرة الثانية التي يجتمع فيها مجلس الأمن لمناقشة سد النهضة، بعدما عقد اجتماعاً آخر في 29 يونيو (حزيران) 2020. وفي حينه، طلبت مصر من الدول غير الأعضاء في المجلس تطبيق المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة، ما يسمح لأي عضو في الأمم المتحدة بـ«عرض أي نزاع أو أي حالة مشار إليها في المادة 34»، التي تنص على أن «أي نزاع يمكن يؤدي إلى احتكاك دولي أو يثير نزاع» يعرض على مجلس الأمن أو الجمعية العامة.
وشهدت أروقة مجلس الأمن الدولي، أمس، حالة من الترقب واتصالات دولية مُكثفة، شهدتها الأوساط الدبلوماسية المصرية والسودانية، في الساعات الأخيرة قبيل انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي حول «سد النهضة» الإثيوبي، أمس.
وحرص وزير الخارجية المصرية سامح شكري، الذي غادر إلى نيويورك قبيل انعقد الجلسة بـ5 أيام، رئيساً لوفد بلاده، على عقد لقاءات مع ممثلي جميع الدول الأعضاء الـ15 بالمجلس، وعلى رأسهم الدول دائمة العضوية (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، وروسيا)، لشرح الموقف المصري من القضية. كما أجرى شكري لقاءات يومية، مع نظيرته السودانية مريم الصادق المهدي، ضمن التنسيق المستمر بين مصر والسودان، لمتابعة التحضير للجلسة.
وعشية الاجتماع، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع رئيس الكونغو الديمقراطية فيلكس تشيسيكيدي، الذي يرأس الاتحاد الأفريقي، أعرب خلاله عن «التقدير للاهتمام الذي توليه الكونغو الديمقراطية، بوصفها الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، بملف سد النهضة، والجهد الذي بذله الرئيس تشيسيكيدي لرعاية المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا».
وبرّر السيسي لجوء مصر والسودان لمجلس الأمن، مؤكداً وفق بيان الرئاسة، أن «قيام مصر والسودان بطلب عقد جلسة لمجلس الأمن كان نتيجة للتعنت ومحاولات فرض الأمر الواقع من جانب إثيوبيا، الأمر الذي أدى إلى تعثر مسار المفاوضات الجارية برعاية الاتحاد الأفريقي».
وشدد على أن «تحرك مصر والسودان في مجلس الأمن يهدف إلى تعزيز المسار الأفريقي ويؤكد على قيادة الاتحاد الأفريقي ورئاسته للمسار التفاوضي، مع تمكين رئاسة الاتحاد الأفريقي، بالتعاون مع الدول والأطراف المشاركة، من الاضطلاع بدور فعال في تسيير النقاش، ومعاونة الدول الثلاث على التوصل لاتفاق ملزم قانوناً لملء وتشغيل سد النهضة في إطار زمني وواضح ومحدد».
وضمن الاتصالات المصرية، الأخيرة، التقى شكري الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مشدداً على وجوب قيام الأطراف الدولية بدور فعال في حلحلة الوضع الراهن.
ومن الجانب السوداني، واصلت وزيرة الخارجية السودانية، مريم المهدي، لقاءاتها بمندوبي الدول الأعضاء المؤثرة في قرارات في مجلس الأمن الدولي، كما حذّرت بلادها من كلفة اقتصادية واجتماعية فادحة وتهديد لمنشآتها المائية جراء تعنت إثيوبيا وإصرارها على مواصلة الملء الثاني لسد النهضة دون اتفاق.
والتقت وزيرة الخارجية السودانية، مريم المهدي، أمس، بنيويورك، مندوبة أميركا الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ليندا غرينفيلد، التي بدورها أكدت أن بلادها تدرس مختلف الخيارات بشأن القرار الذي سيخرج به المجلس بشأن النزاع بين السودان ومصر وإثيوبيا في سد النهضة.
وقالت غرينفيلد إن أميركا تقف إلى جانب السودان بتعزيز عملية الوساطة الأفريقية، كما أنها تعترف بعدالة مطالب السودان. كما عقدت المهدي اجتماعاً مع المندوبين الدائمين لمجموعة الدول الأفريقية الثلاث (تونس، والنيجر، وكينيا) وبعثة الاتحاد الأفريقي، بمقر الأمم المتحدة، لدعم القرار الذي سيعتمده مجلس الأمن، ووعدت المجموعة الأفريقية بدعم هذا التوجه، بما لا يتعارض مع مبادرة الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية، مؤكدين وقوفهم على مسافة واحدة من كل الأطراف.
وفي غضون ذلك، قال وزير الري السوداني، ياسر عباس، إن المعلومات التي قدمتها إثيوبيا بشأن ملء السد «ليست لها قيمة في الوقت الحالي»، وصنعت أمراً واقعاً يهدد سد «الرصيرص» السوداني، الذي يقع على بعد 20 كيلومتراً عن سد النهضة.
وأضاف في رسالة بعث بها لنظيره الإثيوبي، بيكيلي سيليشي، أول من أمس: «إن التحوطات التي اتخذتها بلاده للحد من الأخطار المتوقعة للملء الثاني الأحادي لسد النهضة، لن تخفف إلا القليل من التداعيات السالبة على التشغيل الآمن للمنشآت المائية السودانية».
وأكد أن عدم التعاون من الجانب الإثيوبي له كلفة اقتصادية واجتماعية فادحة على السودان. وأوضح وزير الري السوداني، بعض المسائل الفنية المتعلقة بعملية ملء بحيرة السد، مشيراً إلى أنه عندما يتجاوز تدفق المياه سعة البوابتين السفليتين، فسيتم تخزين المياه إلى أن يمتلئ السد، وتعبر المياه من فوقه في نهاية المطاف.
وأشار عباس إلى أن الوضع الحالي الذي صنعته إثيوبيا يتعارض مع مبدأ التعاون وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، المنصوص عليه في مبادئ القانون الدولي للمياه؛ حيث إن تدابير الحد من الأضرار التي اتخذها السودان بسبب عدم تعاون إثيوبيا له كلفة اقتصادية واجتماعية فادحة.
وقال إن عدم وجود دراسات أساسية وضرورية لتقييم الأثر البيئي والاجتماعي قبل ملء سد النهضة يعد انتهاكاً مباشراً للممارسات والأعراف الدولية المستقرة في بناء وتشغيل السدود الضخمة.
وحول العرض الإثيوبي لتبادل المعلومات، قال وزير الري السوداني إن بلاده تشترط أن يتم تبادل هذه البيانات في إطار ملزم قانوناً يخاطب مخاوف السودان، بما في ذلك شروط سلامة السد ومتطلبات إجراء تقييم للآثار البيئية والاجتماعية.
وعبّر عباس عن أمله أن تقبل إثيوبيا اقتراح السودان باستئناف المحادثات في أقرب وقت ممكن، على أن تكون مفاوضات فعالة ومجدية، يقودها الاتحاد الأفريقي، وتعزز بالوساطة الرباعية لدعم التوصل إلى اتفاق مرضٍ.


مقالات ذات صلة

مجلس الأمن يصوت السبت على قرار باستخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز

شؤون إقليمية جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يصوت السبت على قرار باستخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز

يصوّت مجلس الأمن، السبت، على مشروع قرار هدفه تفويض استخدام القوة «الدفاعية» لحماية الملاحة في مضيق هرمز وتحريرها من الهجمات الإيرانية.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)

تساؤلات ليبية حول توظيف تقرير أممي للضغط على أطراف الصراع

أثار تقرير أممي مسرّب حالة من الجدل في ليبيا دفعت عدداً من المهتمين إلى تساؤلات تتعلق بدلالة تسريبه قبل اعتماده رسمياً، وهل سيوظف أداةَ ضغطٍ لانتزاع تنازلات؟

جاكلين زاهر (القاهرة)
الخليج جاسم البديوي خلال تقديمه إحاطة رفيعة المستوى بمجلس الأمن الدولي في نيويورك الخميس (مجلس التعاون الخليجي)

رفض خليجي لرهن استقرار المنطقة للفوضى

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن دول المجلس لا تقبل التفريط في أمنها والمساس بسيادة أراضيها، أو أن يكون استقرار منطقتها رهينة للفوضى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وأنطونيو غوتيريش (وزارة الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وغوتيريش يستعرضان الجهود حول تطورات المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تطورات أوضاع المنطقة وتداعياتها، واستعرضا الجهود الدولية حيالها

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مركبات تابعة لـ«يونيفيل» تسير على أحد الطرق الرئيسية بجنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)

باريس تندد بـ«ترهيب غير مقبول» لقوات حفظ السلام الفرنسية في لبنان

قالت وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الجيش أليس روفو، الأربعاء، إن قوات حفظ السلام الفرنسية العاملة في لبنان تعرّضت «لترهيب غير مقبول على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (باريس)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.