قزي وأسطا لـ«الشرق الأوسط»: اضطرارنا للبقاء في لبنان كشف طاقات كانت مجهولة

قزي وأسطا لـ«الشرق الأوسط»: اضطرارنا للبقاء في لبنان كشف طاقات كانت مجهولة

تشكيلة راقية تحتمي بالطبيعة وتفوح بعبق الورود ومفهوم الاستدامة
الاثنين - 26 ذو القعدة 1442 هـ - 05 يوليو 2021 مـ رقم العدد [ 15560]

يأتي صوت كل من جورج قزي وأسعد أسطا عبر «زووم» سعيداً ومرتاحاً. صورتهما أيضاً كانت أكثر حماساً تتخللها ضحكات بين الفينة والأخرى. كانت الصورة والصوت مختلفتين تماماً عن تلك التي غلبت عليهما منذ عام تقريباً، وتحديداً بعد انفجار بيروت. كان بودهما أن يقدما هذه التشكيلة في موسم الأزياء الراقية بباريس خلال الأسبوع، لكن الظروف حكمت أن يُبدعا في لبنان. بيد أن الحياة تستمر والبحث عن طرق جديدة للحفاظ على مستواهما الراقي كانا الأكسجين الذي مكنهما من الاستمرار حسب قولهما، مضيفان أنّه «كلما زاد الواقع صعوبة ومرارة احتجنا إلى متنفس نهرب إليه». أطلقا على تشكيلتهما لخريف وشتاء 2022 عنوان «حياكة الريح» وكأنهما يريدان التأكيد على تطويع المستحيل وجعل الصعب وغير الملموس واقعاً. طريقتهما؟ ضخ الكثير من الشاعرية والتفاصيل الدقيقة على كل قطعة.

نظرة واحدة على التشكيلة التي صوّرت في بيروت، تجعلك تشعر بأنّها دعوة مفتوحة إلى استنشاق الجمال بكل عبقه وألوانه. فستان يحمل اسم باتشولي وآخر فيرفين أو فيتفير وفستان باسم زهرة الليمون وآخر باسم غاردينيا وهلم جرا من التصاميم والأسماء التي لا تترك أدنى شك أنّها باقة ورد متفتحة على الحياة.

يشير جورج قزي إلى أنّها تتكئ على خيال أجواء حقول غراس عاصمة العطور الفرنسية، مما يجعل الناظر إليها يكاد يشم رائحة الجوري والياسمين والقرنفل والغاردينيا من بين طياتها وبليسيهاتها وأقمشتها المُترفة. يلتقط أسعد أسطا خيط الحديث قائلاً إنّ رحلة قام بها مع شريكه في العمل والإبداع، قزي إلى مدينة غراس في شهر مايو (أيار) من عام 2017. تركت أثراً عميقاً وذكرى لا تُنسى في نفسيهما. كانت هذه الرحلة على هامش حضورهما مهرجان كان السينمائي، وكانا يتوقعان أن تكون رحلة قصيرة لتغيير الجو والاستفادة من وقتهما في جنوب فرنسا. لم يتوقعا أن يقعا أسيراً سحر تلك اللوحة الطبيعية المتفتحة بالورود إلى حد فتح شهيتهما على الغوص في صناعة العطور وتاريخها لفهم أو بالأحرى فك لُغز السحر الذي تمكن منهما.

يشرح قزي: «مجرد فكرة أنّ قارورة عطر واحدة يمكن أن تختزل بداخلها نحو 80 مكوناً من كل القارات، كافية لتؤكد لنا كيف تنصهر الثقافات والفنون بشكل سلس ورائع».

أكثر ما لفت انتباههما أيضاً أنّ هناك قواسم مشتركة كثيرة بين هذه الصناعة وفن الـ«هوت كوتور»، على الأقل من ناحية الحرفية والدقة، وهو ما جسداه في هذه التشكيلة. فإذا كان العطر يعتمد على نغمات متنوعة تتصاعد وتتفاعل لتدغدغ الخيال وتثير السعادة وتُحسن المزاج، فإنّ كل زي فيها يعتمد على الطبقات المتعددة والكشاكش الفنية والتفاصيل المنسدلة التي تتراقص مع كل نسمة هواء، أو تتطاير مع الريح، لتعزز مفهوم الأناقة الفخمة والنعومة الأنثوية.

ورغم أنّ ماركة «قزي وأسطا» المسجلة، تتمثل عادة في الأسلوب الهندسي الفني والمنحوت، فإنّ رحلتهما هاته إلى غراس فجرت جانباً رومانسياً كان كامناً داخلهما، وربما هما أيضاً تفاجأ به. إذا كانت صورتهما وصوتهما المقياس، فقد كانا في غاية السعادة بهذا الجانب. تجسدت هذه الرومانسية في خفة الألوان الفاتحة وتماوج الأقمشة وانسدالها وتمايل الريش الاصطناعي، كذلك في الجمع بين التول والدانتيل وأقمشة أخرى في القطعة الواحدة. كان مهماً أيضاً أن يجعلا الأحجام والكشاكش والطيات أكثر انسيابية ومرونة حتى تمنح صاحبتها حرية حركة.

لتعزيز هذه الصورة الرومانسية، كان لا بد من التعاون مع يد محترفة تصوغ وروداً من أقمشة وتلونها بدقة تُعطي كل تصميم حقه وشخصيته. فالبحث خارج لبنان أقرب إلى المستحيل حالياً، بسبب جائحة «كورونا» من جهة، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية من جهة ثانية. استغرق بحثهما عمن ينفذ رؤيتهما وقتاً لا بأس به، قبل أن تسوقهما الأقدار إلى سيدة مخضرمة وبارعة في هذا المجال. كانت تعمل من بيتها الواقع خارج بيروت، بطرق تقليدية متوارثة منذ عقود. «كانت هذه السيدة اكتشافاً مدهشاً بالنسبة لنا. فقد أبدعت فوق ما كنا نتوقعه» حسب قولهما.

لم يُنتج هذا التعاون وروداً فحسب، بل عزّز مفهوم الاستدامة أيضاً، وهو مفهوم كان واضحاً وقوياً في هذه التشكيلة، وسيصبح جزءاً من ثقافة دار «قزي وأسطا» من الآن فصاعداً. صحيح أنّ خط الـ«هوت كوتور» يقوم أساساً على هذا المفهوم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل قطعة فيه فريدة من نوعها، وتُنتج بأعداد تُحسب على أصابع اليد الواحدة، وغالباً تحت الطلب «إلّا أنّ هذا لم يعد كافياً ويجب أن يشمل الأزياء الجاهزة أيضاً. فالموضة كما أصبحنا نعرف، من أكثر الملوثات للبيئة، وبالتالي فإنّ المساهمة في حماية البيئة بأي شكل من الأشكال، أصبح هاجساً وهدفاً بالنسبة لنا كصناع موضة، سواء تعلق الأمر بطرح تشكيلات لا تعترف بموسم معين مثل هذه التشكيلة، حتى تنأى بنفسها عن الموضة السريعة أو باستعمال تقنيات وخامات جديدة».

هذه القناعة تجسدت فعلياً في استعمالهما خامات جديدة تراعي هذا المفهوم، وتتسم بالخفة والشفافية في الوقت ذاته. ركزا على التول وحرير الأورغنزا وحرير الشاش، فيما أدخلا الرافيا، ولأول مرة، في تطريز كورسيهات عصرية، ميّزت مجموعة من التصاميم بما فيها ثلاثة فساتين زفاف، زادا فيها جُرعة الرومانسية والفخامة، مثل كورسيه، أطلقا عليه اسم «بيفوان» باللون الأبيض منسوج من ألياف الرافيا نُسّق مع تنورة بذيل طويل، نُثرت عليها بتلات مشكلة من الأقحوان والفاوانيا باللون الوردي الخفيف.

ولأنّه كان من البديهي بعد تبنيهما مفهوم الاستدامة، أن يستغنيا تماماً عن الفرو والريش، لجأ إلى تقنيات حديثة لخلق خامات وتفاصيل لا تقل أناقة، وفي الوقت ذاته تضج بالحرفية التي تتميز بها الأزياء الراقية عموماً. وكانت النتيجة أشكالاً أنبوبية مصنوعة من حرير الأورغنزا عوَضت عن ريش النعام وعن الفرو الطبيعي.

وبقدر ما كان المصممان فخورين بكل ما في هذه التشكيلة من جمال واستدامة ورومانسية طبعاً، كانا أكثر فخراً بفساتين الزفاف الثلاثة، لأنّهما صبا فيها جُرعة قوية من الحب والجمال تتحدى الزمن. صحيح أنّ كل فستان في هذه التشكيلة كان مميزاً، بحيث يمكن لعروس عصرية أن تختار منه ما يروق لها في ليلة العمر، إلا أنّ الفساتين الثلاثة جمعت الكلاسيكية بالفنية لتتوجه إلى عروس تريد أن تتألق في تحفة فنية يمكن أن تورثهما لبناتها وحفيداتها بعدها من دون أن تفقد سحرها أو عبق ورودها.


لبنان موضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة