لويز ميريويذر تتذكر أجواء روايتها الأولى

صورت حياة الأميركيين من أصول أفريقية واعتبرت من أهم الروايات الكلاسيكية

لويز ميريويذر مع والدتها
لويز ميريويذر مع والدتها
TT

لويز ميريويذر تتذكر أجواء روايتها الأولى

لويز ميريويذر مع والدتها
لويز ميريويذر مع والدتها

لقد كتبت المؤلفة البالغة من العمر 98 عاماً، واحدة من أهم الروايات الكلاسيكية، التي تتناول حقبة الكساد وتحمل اسم «دادي وز نابر رانر» (أبي كان جامعاً لأرقام الرهان)، ولا تزال الموضوعات التي تناولتها الرواية ذات صلة ولها صدى حتى يومنا هذا.
عندما تتأمل لويز ميريويذر مرحلة طفولتها في حي هارلم تتذكر كيف كانت تركض في الجوار، وتقفز الحبل، وتتجول مع رفاقها على أسطح المنازل، حيث كانوا يتمتعون بالجرأة لدرجة تجعلهم يتحدون بعضهم في القفز من بناية إلى أخرى. لقد كان كل شيء أكثر حرية عنه الآن، على حد قولها في مقابلة من منزلها في آبر ويست سايد، حيث أوضحت قائلة: «لقد كنا مجرد أطفال نلعب في الشوارع».
وتتجلى ذكريات ميريويذر في مشاهد من روايتها الأولى «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان» التي نشرتها دار «برينتس هول» عام 1970، وحظيت بإشادة كبيرة من النقاد، وتتناول عاماً في حياة فرانسي كوفين، الفتاة ذات البشرة السوداء البالغة من العمر 12 عاماً والتي عاصرت حقبة الكساد في حي هارلم. وقد وصف الروائي بول مارشال في عرض نقدي بصحيفة «نيويورك تايمز» الرواية بأنها «أهم رواية» نظراً لمعالجتها الدقيقة لحياة الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية. وكتب مارشال: «الحياة التي تكشفها لنا تمثل خليطاً لما أطلق عليه رالف إليسون ذات مرة المذهل والمريع».
لقد كانت رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان» واحدة من الروايات القليلة في زمنها التي تبنت وجهة نظر الفتيات ذات البشرة السوداء بجدية، واهتمت بواقعهن الذي يتسم بالقسوة والرقة معاً. وقد تم نشر الرواية في العام نفسه الذي نشرت فيه توني موريسون روايتها «العين الأكثر زرقة»، وبعد عام من نشر مايا أنغيلو لكتابها «أعلم لماذا يغرد الطائر الحبيس».
مع ذلك لم تحظَ ميريويذر بما تستحقه من شهرة على عكس بعض معاصريها على حد قول أصدقائها المقربين ومعجبيها. ويقول الشاعر إسماعيل ريد، الذي منحتها مؤسسته غير الهادفة للربح «بيفور كولومبوس فاونديشين» جائزة على مجمل أعمالها وإنجازاتها عام 2016: «رغم نجاح روايتها على مستوى المبيعات، ربما أثارت حفيظة أشخاص في السلطة. إنها تخاطر بإثارة الشعور بالإهانة داخل البعض من خلال تناول موضوعات مثل قسوة ووحشية الشرطة، والبطالة، واليأس الذي أحدثته فترة الكساد، والتمييز في المعاملة بين ذوي البشرتين البيضاء والسوداء في المجتمع».
بعد أكثر من 50 عاماً، ظلت الموضوعات، التي تطرقت لها ميريويذر في روايتها والتي تتناول نمو الشخصية الرئيسية وتطورها عبر الزمن، تحظى بجاذبية واهتمام وتحمل طابعاً ثورياً. وشكلت الطريقة التي تحركت بها ميريويذر في مسارها الأدبي والمهني دروساً أيضاً خصوصاً بالنسبة للفنانين ذوي البشرة السوداء الذين يتوقون إلى تحقيق التوازن بين الطموح الإبداعي والالتزامات تجاه الجماعة.
وأصيبت ميريويذر بفيروس «كوفيد - 19» وتعافت منه، إلا أنه تسبب في فقدانها القدرة على الوقوف دون استخدام عصا مشي مساعدة. ودشّنت شيريل هيل، صانعة أفلام تساعد في رعاية ميريويذر وتشير إليها ميريويذر بود باسم «رئيسة مجلس الإدارة»، في نوفمبر (تشرين الثاني) حملة باسم «غو فاند مي» للمساعدة في دفع تكاليف العلاج الطبيعي لميريويذر. وتقول هيل: «لقد حصلت على أكثر من 220 تبرعاً وهو ما يوضح الكثير، فضلاً عن أن أولئك الناس ليسوا كل من كانوا يعرفونها».
وتتحدث ميريويذر عن طفولتها بطريقة واضحة وصريحة وبسيطة، حيث تروي أنه خلال فترة الهجرة الكبيرة انتقل والداها من ساوث كاليفورنيا إلى بلدة هافرسترو على نهر هدسون، على بعد 40 ميلاً شمال مدينة نيويورك. وقالت إن ذلك «كان محاولة منهم للهروب من كل ذلك الفقر والتمييز العنصري في ساوث. لقد كانوا يعتقدون أن الأمور ستصبح أفضل».
ماريون جينكينز هو والد لويز، وتقول: «كان عمي ووالدي منخرطين في السياسة دائماً، وكنت معهما، لذا أصبحت منخرطة في السياسة أيضاً». ووجد والدها وظيفة حارس بناية، في حين عملت والدتها جوليا خادمة في المنازل. وولدت لويز عام 1923، وكان ترتيبها الثالث والفتاة الوحيدة بين خمسة أبناء، أربعة منهم ذكور. انتقلت أسرتها خلال فترة الكساد الكبير إلى حي بروكلين ثم إلى حي هارلم. وكانت تحب القراءة بنهم وشغف خلال فترة طفولتها، وتميل إلى الروايات الرومانسية، خصوصاً تلك التي كان يتم نشرها في مجلة «لاف ستوري» التي كانت تصدر خلال الفترة بين 1921 و1947. وقالت: «كان أبي يعتقد أنها تقدم ترهات، لكنني اعتدت شراءها وإخفاءها تحت السرير». كذلك كانت دائمة التردد على المكتبة، تنجذب إلى الكتب «التي يقرأها الفتيان»، على حد قولها. وتعزي تفضيلها مسلسل «هاردي بويز» على مسلسل «نانسي درو» إلى تأثير أشقائها الأربعة. وأوضحت قائلة: «لقد كنت أتعامل دائماً مع الصبية».
تخرجت ميريويذر من مدرسة «سنترال كوميرشال» الثانوية، وعملت لبضع سنوات ككاتبة حسابات قبل التحاقها بجامعة «نيويورك» حيث درست اللغة الإنجليزية. وبعد حصولها على شهادة البكالوريوس عام 1949، تزوجت أنغيلو ميريويذر، وكان معلماً، وانتقلا إلى سانت بول في ولاية مينيسوتا قبل استقرارهما في لوس أنجليس.
كان للسنوات، التي قضتها ميريويذر في كاليفورنيا عظيم الأثر في تكوين شخصيتها، حيث أصبحت في عام 1961 مراسلة لصحيفة «لوس أنجليس سنتينيل» التي تعد واحدة من أقدم الصحف المعبرة عن صوت ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة الأميركية. وأجرت مقابلات مع شخصيات شهيرة مؤثرة من ذوي البشرة السوداء وأصبحت صديقة لهم لاحقاً، ومن بينهم مالكولم إكس، وجيمس بالدوين، الذي كتب فيما بعد توطئة رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان»، ومحمد علي، الذي وصفته بـ«الصبي الكبير الذي كان مرحاً للغاية».
وحصلت ميريويذر في عام 1965 على شهادة الماجستير في الصحافة من جامعة «كاليفورنيا» بلوس أنجليس. وبعد العمل لمدة ثلاث سنوات في «سنتينيل»، تركت الوظيفة، وأصبحت أول محللة أميركية من أصول أفريقية للنصوص في «يونيفرسال ستوديوز»، وهي وظيفة كانت تتطلب منها قراءة النصوص وتقديم الرأي الفني والتعليق عليها. وفي ذلك الوقت تقريباً، التحقت بورشة عمل «واتس رايترز» التي كان يديرها كاتب النصوص باد شولبيرغ، حيث بدأت العمل على تأليف روايتها الأولى. وقال الشاعر كوينسي تروب في مقابلة: «أتذكر حين كنت أتساءل عما تفعله كاتبة عظيمة مثلها في ورشة عمل. لقد كانت متفوقة على الجميع».
عندما يروي تروب ذكرياته عن صداقتهما يتذكر لحظة كان مقتنعاً أنها أنقذت حياته فيها، حيث كان يقود إلى المنزل قادماً من ندوة لقراءة الشعر، وتم توقيفه وتفتيشه من قبل ضباط شرطة، وشاءت الأقدار أن تكون ميريويذر على الطريق مع صديق كان يعمل محامياً. وعندما رأت ميريويذر تروب أوقفت سيارتها وتوجهت إلى الضباط للاستفسار عن الأمر، وطلبت أرقام الشارات الخاصة بهم. ويستطرد قائلاً: «قالت ميريويذر إن لديها أرقام شاراتهم، وأشارت إلى المحامي الخاص بها وهو يقف هناك في حال حاولوا تصويب النار نحوها. وقد حلحل ذلك الموقف ونزع فتيل الأزمة». كذلك تقول صديقتها هيل: «أعتقد أن أهم ما تتصف به لويز هو الولاء والإخلاص، والحرص على تقديم الدعم والحب الدائم للمحيطين بها».
كذلك تلقت ميريويذر العلم في كل من كلية «سارة لورانس كوليدج»، ومركز «فريدريك دوغلاس» للفنون الإبداعية. والتقت كاثي ساندلر، صانعة الأفلام، بميريويذر في العام نفسه الذي تم فيه نشر روايتها الأولى، والتحقت بورش العمل الخاصة بها في المركز. تقول ساندلر: «إنها لا تزخرف الكلمات وتتحدث بصراحة، لكنها تتمتع بحساسية تمنعها من جرح مشاعر الآخرين. أراد الكثيرون دوماً الانضمام إلى ورش الكتابة الإبداعية التي تقيمها حيث كانوا يثقون فيها، ويعلمون جيداً أنه يمكنهم التصرف على طبيعتهم وسيكونون في أمان».
بعد نشر رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان»، بدأت ميريويذر في تأليف كتب أطفال منها «سفينة الحرية الخاصة بروبرت سمولز» عام 1971، و«الرجل القلب: دكتور دانييل هيل ويليامز» عام 1072، و«لا تركب الحافلة يوم الاثنين: قصة روزا باركس» عام 1973. ورغم أنها لم تُرزق بالأطفال، قالت إنها كانت تشعر بضرورة معرفة الشباب ذوي البشرة السوداء لتاريخهم.
وقد واصلت كتابة الروايات للكبار، حيث نشرت دار «أتريا» عام 1994 روايتها التاريخية «حطام السفينة» التي تستند إلى قصة حياة روبرت سمولز الذي أبحر نحو الحرية خلال الحرب الأهلية مع 17 شخصاً آخرين من الرقيق المستعبدين. وفي عام 2000 نشرت دار «وان وورلد/ بالانتاين» روايتها الرومانسية «شادو دانسينغ» (رقص الظل).
وطوال سنوات، جذبت ميريويذر إليها معجبين متحمسين لها مثل بريدجيت ديفيس مؤلفة «العالم بحسب فاني ديفيس: حياة أمي بأرقام ديترويت» عام 2019. تقول ديفيس: «لقد شعرت فوراً بأن لدي صديقاً متمثلاً في فرانسي»، في إشارة إلى أول مرة تقرأ فيها رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان». وتضيف قائلة: «وشعرت بيقين في لحظة ما أثناء قراءة الرواية بأني سأصبح كاتبة».
في عام 2016، أعلن رئيس بلدية مانهاتن أن يوم 8 مايو (أيار)، وهو تاريخ ميلاد ميريويذر، سيكون يوم تقدير لويز ميريويذر، ودشّنت دار «فمينيست بريس»، التي أصدرت طبعة جديدة من رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان» عام 2002، جائزة للتأليف تحمل اسمها اعترافاً منها بمكانة الكاتبات والمؤلفين من الجنسين من غير ذوي البشرة البيضاء.

- خدمة {نيويورك تايمز}



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.