«ثلاثة أهداف» أميركية في سوريا تبدأ بـ«تمديد وتوسيع» المساعدات

بلينكن أطلع نظراءه في روما على أولويات واشنطن قبل لقاء مع الروس في جنيف

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)
TT

«ثلاثة أهداف» أميركية في سوريا تبدأ بـ«تمديد وتوسيع» المساعدات

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)

«ثلاثة أهداف» حددها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لبلاده في سوريا خلال الجلسة المغلقة لمؤتمر روما أول من أمس؛ أولها -وهو «الأكثر إلحاحاً»- إقناع روسيا بـ«تمديد وتوسيع» القرار الدولي الخاص بالمساعدات الإنسانية «عبر الحدود»، ما يفسر قرار موسكو وواشنطن عقد اجتماع غير معلن في جنيف الأسبوع المقبل بين مسؤولين رفيعي المستوى من الطرفين، يرجح أن يضم ألكسندر لافرينييف مبعوث الرئيس الروسي، وبريت ماغورك مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي.
وبحسب قول مسؤولين غربيين حضروا اجتماع روما لـ«الشرق الأوسط»، فإن دعوة الوزير بلينكن لمؤتمر روما كانت أول خطوة سياسية رفيعة يقوم بها فريق بايدن منذ تسلمه الحكم، ومنذ تلاشي «المجموعة الدولية لدعم سوريا» التي نتجت عن عملية فيينا نهاية 2015، وضمت أكثر من 20 دولة، بما فيها روسيا وإيران.
وشكل مؤتمر روما مناسبة لاستعادة واشنطن دورها القيادي في التنسيق مع حلفائها، وتوسيع «المجموعة المصغرة» التي ضمت سبع دول كبرى وعربية، إضافة إلى استعادة نوع من التشاور مع قطر وتركيا اللتين انضويتا مع روسيا في «مجموعة آستانة» أو «منصة الدوحة»، ومد جسور مع كتلتين رئيستين في الملف السوري، هما الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي.
- إغاثة ملحة
وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن بلينكن أبلغ الوزراء المشاركين في الجلسة المغلقة بأولويات أهداف سياسة أميركا في سوريا حالياً، وهي ثلاث:
_ الهدف الأول «عاجل»، وهو يخص القرار الدولي لإيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود وتوسيع نطاقه، إذ إن الرئيس بايدن أثار -خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في الـ16 من الشهر الماضي- ملف تمديد القرار الدولي الخاص الذي تنتهي فترة العمل به في 10 يوليو (تموز) المقبل. وبالفعل، كان موقف إدارة بايدن واضحاً، وهو أن الموقف الروسي من هذا الموضوع سيكون حاسماً في قرارات إدارة بايدن في المرحلة المقبلة. وقال دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الرسالة الأميركية هي: إذا استجابت روسيا لرغبة أميركا، يمكن استئناف الحوار الثنائي وتوسيعه حول سوريا، واتخاذ إجراءات إيجابية أخرى؛ وإذا صوتت موسكو ضد تمديد القرار وتوسيعه (من معبر إلى ثلاثة معابر)، فإن الجمود هو مصير الملف السوري، وسط دعوات في واشنطن لتصعيد الضغوط، واستئناف فرض العقوبات».
وفي هذا السياق، يأتي الحوار الأميركي - الروسي في جنيف بعد أيام الذي سيكون الأول في زمن إدارة بايدن، في ضوء أن آخر لقاء عقده المسؤول الروسي كان مع المبعوث الأميركي السابق جيمس جيفري في فيينا في يوليو (تموز) الماضي، علماً بأنه لم يحضر الاجتماع الأميركي - الروسي اللاحق في جنيف في أغسطس (آب) الماضي، لأنه كان مصاباً بـ«كورونا». كما يشار أيضاً إلى أن فريشنين وماغورك أطلقا قبل سنوات هذا المسار الثنائي غير المعلن.
وكان القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود، قد قال في إفادة صحافية علنية: «أعتقد أننا نرى هناك فرصة للعمل بشكل بناء مع روسيا بشأن هذه المسألة، المتمثلة في إيصال المساعدة الإنسانية إلى السوريين في جميع أنحاء البلاد، خصوصاً الآن، بعد انتشار وباء (كوفيد) وضرورة التعامل معه، حيث لم يتم إيصال أي مساعدة تقريباً لمحاربة (كوفيد) إلى شمال شرقي سوريا على وجه الخصوص. لذا، فهي مشكلة إنسانية متنامية، ولا أعتقد أن أي شخص يريد مفاقمتها»، فيما قال بايدن في روما إنه «أثار هذه المسألة خلال لقائه ببوتين»، ذلك أن هذا الأمر «بالغ الأهمية» لواشنطن.
- «داعش» والهدنة
الهدف الثاني لأميركا في سوريا هو التركيز على القضاء على «داعش»، وهو الأمر الذي يمثل السبب الوحيد لوجود أميركا شرق الفرات. وعن ذلك، قال بلينكن: «يجب أن نبقى معاً ملتزمين بأهداف تحقيق الاستقرار (شرق سوريا)، كما فعلنا في حملتنا العسكرية التي أدت إلى النصر في ساحة المعركة»، مشيراً إلى ضرورة حل مشكلة عشرة آلاف «داعشي» في سجون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، حيث «تواصل الولايات المتحدة حث البلدان الأصلية، بما في ذلك شركاء التحالف، على استعادة مواطنيها وإعادة تأهيلهم ومقاضاتهم عند الاقتضاء». وهنا، أكد بيان المؤتمر الدولي للتحالف ضد «داعش» وقوفه إلى «جانب الشعب السوري لدعم تسوية سياسية دائمة وفقاً للقرار (2254)»، مضيفاً: «لا بد من أن يبقى التحالف يقظاً إزاء تهديدات الإرهاب بكل أشكاله وتعبيراته لكي يؤسس على النجاح الذي حققه، ولا بد من أن يستمر في العمل بشكل مشترك ضد أي تهديد لهذا النجاح، وأن يتجنب الفراغ الأمني الذي قد يستغله (داعش)».
أما الهدف الأميركي الثالث، فيتعلق بضرورة «استمرار تنفيذ وقف النار على أرض الواقع» في سوريا، حيث أشار الوزير الأميركي إلى أن وقف النار لم يمنع حصول انتهاكات حقوق الإنسان، واستمرار الاعتقالات، وعدم عودة اللاجئين.
- أهداف آجلة
وإلى جانب هذه الأهداف التي لم تعد تتضمن أهدافاً واسعة مثل «إخراج إيران»، كما كان الأمر في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، وفريقه بقيادة وزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث لسوريا جيمس جيفري، حدد الوزير الأميركي هدفاً طويل الأجل، وهو الوصول إلى «حل سياسي»، بصفته الطريقة الوحيدة للمصالحة والسلام وإعمار سوريا. وهنا، لا بد من الإشارة إلى إضافة فقرة موسعة إلى البيان النهائي لمؤتمر روما، نصت على دعم جهود المبعوث الأممي غير بيدرسن لـ«تنفيذ القرار (2254) بجوانبه كافة، بما في ذلك استمرار دعم وقف إطلاق النار على مستوى البلاد بأسرها، وإيصال المساعدات من دون عوائق، وبشكل آمن، واللجنة الدستورية، وكذلك مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره». كما أضيفت فقرة سياسية في آخر البيان، تضمنت تأكيد الوزراء على «وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وسنظل ملتزمين بمواصلة العمل بدأب للتوصل إلى حل سياسي موثوق به مستدام شامل، استناداً إلى القرار (2254)، وهو الحل الوحيد الذي سينهي الصراع السوري الذي فاق عقداً من الزمان، ويضمن أمن الشعب السوري، ويحقق تطلعاته».
وأجمع الوزراء العرب في المؤتمر على أن «الحل السياسي هو الحل الوحيد للأزمة السورية وفق القرار (2254) والقرارات الدولية الأخرى»، مع تحذيرات من أن «غياب الإرادة الدولية الفاعلة في حل الأزمة أسهم في إتاحة الفرصة لتنفيذ بعض الأطراف مشاريع توسعية وطائفية وديمغرافية تستهدف تغيير هوية سوريا، وتنذر بطول أمد الأزمة السورية، وتأثيراتها الإقليمية والدولية».
وكان لافتاً حديث أطراف عربية عن ضرورة تحقيق الاستقرار ومحاربة الإرهاب في جنوب سوريا، وإبعاد ميليشيات تابعة لإيران منها، إضافة إلى ضرورة عودة الدور العربي إلى سوريا، مع تأكيدات على أن عودة دمشق إلى الجامعة العربية تتطلب «توافقاً عربياً» غير موجود في الظرف الراهن، إضافة إلى أن وجود «قانون قيصر» الأميركي يحد من إمكانات المساهمة في الإعمار، بحيث تبقى محصورة في الأمور الإنسانية والطبية ومواجهة «كورونا»، وفق الاستثناءات التي وفرها القانون الأميركي، واستثناءات وزارة الخزانة في واشنطن.
وعليه، فإن الموقف الأميركي الراهن هو عدم الخوض في اقتراح المبعوث الأممي غير بيدرسن لبدء مقاربة «خطوة مقابل خطوة»، وتشكيل مجموعة اتصال دولية - إقليمية خاصة بسوريا، وحث الدول العربية على التريث في «التطبيع» مع دمشق، وتذكيرها بـعقوبات «قانون قيصر» وملف «المساءلة والمحاسبة»، وذلك بانتظار: أولاً اللقاء الروسي - الأميركي في جنيف؛ ثانياً نتائج اجتماع «آستانة» في الـ7 من الشهر المقبل؛ ثالثاً التصويت في مجلس الأمن على قرار المساعدات قبل 10 يوليو (تموز) المقبل.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.