كيف يمكن أن تساعدنا «إنفلونزا 1918» في التنبؤ بعالم ما بعد «كورونا»؟

يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)
يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)
TT

كيف يمكن أن تساعدنا «إنفلونزا 1918» في التنبؤ بعالم ما بعد «كورونا»؟

يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)
يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)

أدت الطبيعة المروعة لجائحة إنفلونزا عام 1918 وعواقبها المميتة إلى إحساس بالحذر، كان له في بعض الأماكن آثار عميقة على كيفية استجابة الناس لتفشي الأمراض في العقود اللاحقة - مثل اللجوء للعزل والحجر الصحي.
وبالمثل، فمع تلاشي جائحة «كورونا»، «ستبقى بعض التدابير والاتجاهات الحالية معنا لبعض الوقت وقد تستمر للأبد، وفقاً لما نقلته شبكة «سي إن إن» الأميركية عن جاكلين جولان، أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن في شيكاغو.
وقالت جولان إن التسوق عبر الإنترنت والعمل عن بعد وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا التي تسمح بالتجمعات الافتراضية ستستمر.
وأضافت «نظراً لإدراكنا باحتمالية حدوث أزمات عالمية مفاجئة، مثلما حدث مع (كورونا)، فمن المحتمل أن نحتفظ بمخزون من مواد التنظيف ومستلزمات الحماية الشخصية. ومن المحتمل أيضاً أن نتبنى عادات تعمل على تحسين النظافة لتعزيز النظافة الشخصية أو الجماعية».
ونقلت «سي إن إن» عن عدد من خبراء الصحة قولهم إننا، بالنظر إلى جائحة إنفلونزا 1918 والتغيرات الناتجة عنها والتي استمرت معنا حتى الآن، يمكن أن نرسم صورة تقريبية لحياتنا مع ما بعد «كورونا»، والتي سيتغير فيها عدد من الإجراءات التي اعتدنا عليها مثل:
1- طريقة تحية الآخرين:
قالت نانسي تومز، أستاذة التاريخ المتميزة في جامعة ستوني بروك «في حين أن مسؤولي الصحة العامة لم يشجعوا الناس على التواصل غير الضروري مع الآخرين خلال إنفلونزا عام 1918، فقد خرق بعض الأشخاص هذا التدبير في ذروة هذا الوباء، وبعد انتهائه لم يستمر الالتزام به نهائياً، ما يعني أن طريقة التحية القديمة، والتي تعتمد على المصافحة باليد، يمكن أن تعود مرة أخرى في عالم ما بعد (كورونا)».
وأضافت «مع تخفيف قيود (كورونا) في عدد من البلدان، شعر بعض الأشخاص، بمن في ذلك خبراء الأمراض المعدية، بعدم وجود ضرر من المصافحة باليد مرة أخرى إذا كان الآخرون الذين نصافحهم حذرين أو تم تطعيمهم بالكامل».
وتابعت: «ولكن دعونا نعترف بأن هناك أشخاصاً كانوا يكرهون هذه العادة الاجتماعية قبل الوباء، وهؤلاء الأشخاص قد يرون الآن فرصة لعدم القيام بها مرة أخرى».
2- السفر:
كتب عالم الجراثيم الراحل إدوين جوردان في عام 1925: «لقد كانت حماية الجماهير بعد إنفلونزا عام 1918 أمراً صعباً، لكن التقليل من فرص تفشي المرض من بلد لآخر، عبر العزل والحجر الصحي، بدا أنه يوفر أفضل فرصة لدينا للسيطرة على ويلات الإنفلونزا».
ومنذ ذلك الوقت، اعتمدت عدد من الدول نظام العزل والحجر الصحي للمسافرين للتصدي لتفشي عدد من الأمراض المختلفة بما في ذلك وباء «كورونا».
وقالت الدكتورة لينا وين، طبيبة الطوارئ بجامعة واشنطن، إن «معدلات السفر واختيار وجهات بعينها ستعتمد على المعدلات المستقبلية لحالات الإصابة بفيروس (كورونا) حيث أصبح لدى الناس الآن اعتبارات ربما لم يفكروا بها في الماضي».
وقال الخبراء إن قرارات المسافرين الأخيرة بالقيادة إلى وجهات قريبة من منازلهم، بدلاً من السفر إلى أماكن بعيدة، قد تشير إلى وجود مخاوف متبقية بشأن مخاطر «كورونا»، وهذه المخاوف قد تستمر لسنوات.
3- ارتداء الأقنعة والاحتياطات الأخرى:
قالت تومز: «إن احتياطات السلامة مثل السعال في المناديل أو عزل المصابين والمشتبه بهم أو تجنب الازدحام لمحاولة السيطرة على إنفلونزا عام 1918 لم تستمر مع بعض الأفراد على مدار العقد التالي، حيث تخلى بعض الناس عن مثل هذه الممارسات. ومع ذلك، فقد أثرت بعض السلوكيات على كيفية استجابة الأفراد والمؤسسات لتفشي الأمراض في وقت لاحق».
وأضافت «عندما ظهرت الإنفلونزا في عام 1928، على سبيل المثال، قامت بعض الكليات والجامعات على الفور بعزل الأشخاص المصابين بالإنفلونزا، وقللت الازدحام بالمدرجات عن طريق السماح بحضور 15%فقط من الطلاب بكل مدرج».
وتابعت تومز: «علاوة على ذلك، قدمت بعض رياض الأطفال في العشرينات من القرن الماضي مناهج تعليمية صحية تدرب الطلاب على السلوكيات الصحية السليمة التي يجب اتباعها عند الإصابة بالعدوى مثل ضرورة السعال والعطس في المناديل والحفاظ على نظافة أيديهم».
وأضافت أستاذة التاريخ في جامعة ستوني بروك أنه «بعد أكثر من عام من ارتداء الأقنعة للحفاظ على سلامتنا وسلامة الآخرين خلال جائحة (كورونا)، يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائماً من ترسانتنا ضد فيروس (كورونا) وغيره من الفيروسات أو البكتيريا».
4- التقدم العلمي:
قالت وين: «في عام 1918، كانت البنية التحتية للبحث العلمي متناهية الصغر مقارنة اليوم. فبعد تفشي (كورونا)، كانت استجابة المجتمع العلمي قوية جداً، حيث تخلى الجميع عن كل ما يفعلونه وحاولوا العمل على إيجاد لقاح للمرض. بالطبع حاول الخبراء تطوير لقاحات لإنفلونزا 1918 لكنهم لم يعرفوا ما هو العامل الممرض».
وأضافت وين أن ما حدث خلال وباء (كورونا) سيدفع الدول والحكومات إلى زيادة الاهتمام بالبحث العلمي وزيادة الإنفاق في مجالات الطب والتكنولوجيا على وجه الخصوص.
5- مستقبل العمل:
خلال الموجة الثانية القاتلة من إنفلونزا عام 1918، أوصت الهيئات الصحية الأميركية المتاجر والمصانع بتقسيم الموظفين على ساعات عمل مختلفة، مؤكدة على ضرورة أن يحاول الناس السير إلى العمل على الإقدام لمنع الاكتظاظ في وسائل النقل العام.
ولا يبدو أن هذه التوصيات قد استمرت لفترة طويلة بعد هذا الوباء.
في المقابل، أجبر (كورونا) الكثير من الشركات على الإغلاق أو السماح للموظفين بالعمل من المنزل، وأحد أهم المجالات التي من المحتمل أن نرى فيها تغييرات دائمة في عالم ما بعد فيروس (كورونا) هو كيفية أداء العمل، كما قال رافي غاغيندران، الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بجامعة فلوريدا.
وقال غاغيندران: «من المرجح أن تفكر الشركات في العمل عن بُعد كاستراتيجية جديدة، خصوصاً مع احتمالية ظهور أنواع جديدة من الفيروسات في المستقبل، أو ظهور طفرات جديدة من (كورونا) لا يمكن للقاحات التصدي لها».
وأضاف «العمل عن بعد يوفر المرونة ليس فقط في التعامل مع الوباء ولكن أيضاً في ضمان استمرار العمل أثناء حالات الطوارئ الأخرى مثل الكوارث الطبيعية والهجمات الإرهابية».


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».