ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه

الجمهوريون يحرّضون ضد مناهضة العنصرية تحضيراً للانتخابات المقبلة

ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه
TT

ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه

ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه

قد يكون من الصعب التكهن بشكل حاسم عن مآل «الترمبية» ومستقبلها في الحياة السياسية الأميركية، بعدما فرض الرئيس السابق دونالد ترمب تقريباً سلطته على الحزب الجمهوري. غير أن تعيين الضرر الذي سببه خطابه الشعبوي اليميني قد لا يكون متعذراً، لا سيما أن شظاياه أصابت الحزب الديمقراطي، حيث عززت كرد فعل الخطاب الشعبوي اليساري؛ الأمر الذي سمح لليمين الأميركي محاولة تصوير هذا اليسار على أنه الخطر الداهم على الديمقراطية في الولايات المتحدة.
وحقاً، منذ خسارة ترمب انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، وقعت سلسلة أحداث سياسية لافتة، طرحت تساؤلات لدى العديد من المحللين والمثقفين الأميركيين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري والمستقلين، تمحورت حول سؤال واحد كبير: هل سيعيد خروج ترمب من السلطة السياسة الأميركية إلى «طبيعتها» السابقة؟ بيد أن سؤالاً آخر لا يقل أهمية يطرح نفسه أيضاً: هل الانقسام الكبير حول التمييز العنصري، الذي يخترق الولايات المتحدة من قمة قيادتها السياسية إلى الناس العاديين، انقسام بنيوي موجود منذ تأسيس أميركا... أم جاء أخيراً نتيجة سياسات خاطئة؟
وجهتا نظر ناقشتا السؤال الأول، حيث عبرت الأولى عن خشيتها من أن يكون عهد ترمب قد أحدث تغييراً دائماً في المشهد السياسي الأميركي. بينما رأت الأخرى، أن سنوات حكمه المضطربة، ما كانت سوى انحراف عرضي رغم خطورته، سيصار إلى تجاوزه بعدما غادر البيت الأبيض.
بعد مرور أشهر عدة على خروج دونالد ترمب من البيت يبدو المشهد السياسي الأميركي أعقد بكثير من إمكانية الرهان على انتهاء الحقبة الترمبية، أولاً في ظل التحولات التي يشهدها الحزب الجمهوري، وثانياً القضايا المطروحة للنقاش والمقارعات السياسية الجارية اليوم بين الطبقة السياسية في واشنطن. وبدلاً من عودة الحزب الجمهوري إلى «رشده»، أظهرت غالبية استطلاعات الرأي أن ترمب عزز سيطرته على الحزب بدلاً من تراجع نفوذه فيه. فهو لا يزال يمثل الخيار الأول لدى قاعدة الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ الأمر الذي فرض على العديد من قيادات هذا الحزب الإدراك أن حظوظهم في الاستمرار بلعب دور سياسي مرهونة بولائهم لترمب.
ولعل «تراجيديا» استبعاد النائبة ليز تشيني، ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني، التي كانت من بين أبرز الأصوات المناهضة لترمب من موقعها القيادي في الحزب وفي مجلس النواب، تظهر بشكل واضح مدى التغيير الذي أصاب الجمهوريين. إذ صعدت في المقابل الأصوات الموالية والمتطرفة من أمثال النائبة مارجوري تايلور غرين من ولاية جورجيا، وتراجع زعيما الأقلية الجمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب، ميتش ماكونيل وكيفين مكارثي، عن الانتقادات التي وجهاها إلى ترمب في أعقاب أحداث اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي مباشرة. ومن ثم، وتوليّا إسكات الأصوات المنتقدة له، بحجة الحفاظ على وحدة الحزب واستعادة السيطرة على الرئاسة ومجلسي الشيوخ والنواب.
ولم يكتف الجمهوريون بذلك، بل أفشلوا أيضاً تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بتلك الأحداث، في إصرار «دق جرس إنذار كبير عن الأخطار المحدقة بالديمقراطية الأميركية»، على حد قول تشيني. كذلك، يرفض الجمهوريون والمحافظون اليمينيون الحديث عن الديمقراطية «في مواجهة أزمة وجودية» – وفق تصورهم -، حيث أعلن ماكونيل أخيراً، أن تشكيل اللجنة للتحقيق في أحداث 6 يناير «ببساطة... مسألة غير ضرورية». وأضاف، أن تحقيقات الشرطة ضمنت «عدم إفلات أي شخص من أي شيء».
في المقابل، يعرب زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي تشاك شومر عن أسفه؛ لأن «كذبة دونالد ترمب الكبرى قد غطت الحزب الجمهوري بالكامل الآن. هذه الكذبة هي الآن المبدأ لما كان يسمى في السابق حزب لنكولن».
وهنا، يرى مراقبون أن الممارسة الأخطر للجمهوريين راهناً هي المتعلقة بتغيير قواعد الانتخابات وقوانينها للحد من مشاركة الأقليات. وهذا يحدث في خط بياني يسعون إلى تنفيذه من خلال تمرير مشاريع قوانين في غالبية الولايات التي يسيطرون عليها، على الرغم من نجاح الديمقراطيين في تعطيل أبرزها، كما جرى في ولاية تكساس أخيراً، عندما أدى انسحاب نوابهم من جلسة إقرار هذه القوانين إلى إبطال النصاب وإفشال المحاولة، إلى حين! ولقد وصف خايمي هاريسون رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية محاولات تعديل قوانين التصويت التي تقلّص مشاركة الأقليات لمصلحة البيض، بأنها ليست سوى عنصر واحد مما يعد له الجمهوريون. وتابع خلال ظهوره الثلاثاء على محطة «إم إس إن بي سي»، «إنها إحدى اللحظات الأكثر خطورة لتغيير السياسات من الجمهوريين، فالديمقراطية الأميركية على المحك بالفعل». كذلك نقلت صحيفة «ذي هيل» عن لاري دايموند، الزميل البارز في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، قوله «إن صحة الديمقراطية الأميركية لم تتحسن في أعقاب هزيمة ترمب... وفي بعض النواحي، أعتقد أن الأمر بات أسوأ؛ لأنه من الواضح جداً الآن أن لدينا العديد من أعضاء أحد الحزبين السياسيين، يسيرون بشكل أساسي وفق أجندة معادية للديمقراطية».

الخطاب القومي... والعنف
جدير بالذكر، أن خطاب ترمب «التحريضي» بحسب الديمقراطيين، لم يعد مقتصراً عليه وحده، بل انضمت إليه أصوات أخرى باتت أكثر جرأة في التعبير عمّا تضمره، كخطاب مستشار الأمن القومي السابق لترمب الجنرال مايكل فلين، الذي أشار إلى دعمه انقلاباً على الطريقة البورمية»، أثناء ظهوره في مؤتمر نظمته حركة «كيو أنون» اليمينية المتطرفة قبل بضعة أسابيع، رغم نفيه اللاحق هذا التصريح. وفي استطلاع للرأي أجراه المعهد العام لأبحاث الدين أخيراً، خلص إلى أن 28 في المائة من الناخبين الجمهوريين يتفقون مع العبارة القائلة بأن «الوطنيين الأميركيين قد يضطرون إلى اللجوء إلى العنف» من أجل «إنقاذ» البلاد. وهو ما دعا البعض إلى القول بأن «ظاهرة ترمب» هي أحد الأعراض وليست سبباً للخلل الذي تعانيه الديمقراطية الأميركية المتدهورة، بحسب بعض الأكاديميين الذين وقّعوا على عريضة نشرت تحت مسمى «بيان القلق». ووصف الموقعون أنفسهم بأنهم «علماء الديمقراطية الذين شاهدوا التدهور الأخير للانتخابات الأميركية والديمقراطية الليبرالية بقلق متزايد». ورأى هؤلاء، أن منتقدي ترمب بالغوا في تقدير تأثير هزيمته في الانتخابات على القوى التي دعمته، وبأن تأثير خطابه رغم كل الضجيج الذي يحيط بنظرية المؤامرة وسرقة الانتخابات وارتفاع أسهمه، آخذ في الانخفاض، مقابل تصاعد حدة الخطاب الذي تدلي به الطبقة السياسية.
وهنا يقول البروفسور لاري بارتلز، المدير المشارك لمركز دراسة المؤسسات الديمقراطية في جامعة فاندربيلت العريقة «حقيقة أن الكثير من الناس العاديين كانوا على استعداد لاتباعه حتى الآن، هي مؤشر واضح على مدى استقطاب مجتمعنا سياسياً». وأضاف «حقيقة أن العديد من النخب السياسية كانت على استعداد لاتباع ترمب حتى الآن هي أكثر دلالة، لا بل هي غير صحية. ومع ذلك، حتى لو غاب ترمب عن المشهد السياسي، من المؤكد تقريباً أن شخصاً آخر مثله سيتابع ذلك».

حرب ثقافية قبل الانتخابات
وبالفعل، لا يمكن تجاهل أن الاستقطاب السياسي بات يضرب المجتمع الأميركي، بل تسرب إلى كل مفاصل الحياة السياسية الأميركية تقريباً. ويحذر العديد من الخبراء من أن هذا الاستقطاب أدى إلى تقسيم العائلات والمنظمات ومصادر المعلومات والإعلام، فضلاً عن الخلاف المندلع على خلفية برامج التعليم التي تدرس في المدارس الأميركية، والمخصصة تحديداً لمواجهة الانقسام والتمييز العرقي وعنف الشرطة الذي يستهدف السود، وعمليات القتل التي تضرب بشكل دوري المدارس الأميركية والمؤسسات الثقافية والدينية والتجارية أيضاً.
ويصف البعض ما يجري في المدارس الأميركية بأنه حرب ثقافية امتدت إلى النظام التعليمي في البلاد، حيث يحاول الجمهوريون على مختلف المستويات، منع المناهج الدراسية التي تدعو إلى مواجهة العنصرية المنهجية. وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً، أن 39 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين وصفوا تعليم التاريخ الذي يركز على «العنصرية النظامية» بأنه شكل من أشكال «غسل الدماغ عبر التلقين النشط».
كذلك، أقرت الهيئات التشريعية التي يقودها الجمهوريون في جميع الولايات مشاريع قوانين في الآونة الأخيرة، تحظر أو تقيد المدارس في تدريس العنصرية. لكن المفارقة، أن الحاكم الجمهوري لولاية أوكلاهوما الذي وقّع في أوائل مايو (أيار) الماضي نسخة ولايته من القانون، كان عضواً في اللجنة المئوية للمذبحة العنصرية التي وقعت عام 1921 في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن الولاية، والمدينة التي زارها الرئيس جو بايدن لإحياء ذكرى واحدة من أسوأ حوادث العنف العنصري في تاريخ الولايات المتحدة، وراح ضحيتها أكثر من 300 من السود، وقد جرى إقصاؤه من عضويتها.
وحقاً، يقول العديد من الباحثين والمعلقين السياسيين، إن الجمهوريين يشنّون حملة نشطة من مجالس المدارس إلى قاعات الكونغرس، بهدف فرض وجهة نظرهم حول كيفية تدريس العنصرية التاريخية والحديثة في أميركا. يقابل ذلك معارضة من الديمقراطيين والمعلمين في صراع شائك سياسياً، سيكون له تداعيات عميقة على كيفية تعلم الأطفال عن بلدهم.
وتتزامن هجمات الجمهوريين على «نظرية العرق الحرجة»، وهي إطار عمل لمدرسة الدراسات العليا وجد طريقه إلى التعليم العام من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر، مع استراتيجية واسعة ينفذها الحزب الجمهوري، للتحريض على قضايا الحرب الثقافية في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، بدلاً من شن حملة مباشرة ضد أجندة بايدن الاقتصادية، التي تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أنها تلقى تأييداً لدى الناخبين، في بلد بدأ يخرج من جائحة «كوفيد - 19». والملاحظ، أن الجمهوريين يركزون هجماتهم على تأثير هذه النظرية، التي تجادل بأن الأنماط التاريخية للعنصرية متأصلة في القانون والمؤسسات الحديثة الأخرى، وبأن موروثات العبودية والفصل العنصري لا تزال تخلق ساحة لعب غير متكافئة للسود وغيرهم من الملوّنين. ويصوّر العديد من المحافظين نظرية العرق الحرجة والتذرّع بالعنصرية النظامية على أنها تحدٍ، تم إلقاؤه لاتهام الأميركيين البيض بأنهم عنصريون بشكل فردي، ويتهمون اليسار بمحاولة تلقين الأطفال وحملهم على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة شريرة بطبيعتها.

العنصرية والتلقين
خبراء التعليم يقولون، إنه نظراً إلى أن معلمي المدارس الحكومية البالغ عددهم ثلاثة ملايين في أميركا، يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية في تعيين المواد التي تدرس في الفصول الدراسية، يرجحون ألّا يكون لتلك التشريعات أي فاعلية في التأثير على المواد التي تتناول المفاهيم العرقية والعنصرية. لا، بل إن المناقشات حول العنصرية النظامية أصبحت أكثر شيوعاً في المدارس الأميركية في السنوات الأخيرة، لا سيما في المناطق الليبرالية. وهو ما دفع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى الإعلان في الأسابيع الأخيرة من حملته الانتخابية عام 2020، عن تشكيل لجنة أنشأها صراحة لربط ما وصفه بأنه «تلقين يساري» في المدارس بالتحريض على الاحتجاجات، التي اتخذت طابعاً عنيفاً في بعض الأحيان؛ بسبب عنف الشرطة ضد السود بشكل خاص. وفي حين سخر العديد من المؤرخين الرئيسيين من التقرير الذي أصدرته اللجنة، قام بايدن بإلغائها في اليوم الأول من توليه منصبه. لكن تأثيرها لا يزال مستمراً لدى اليمين والمحافظين والجمهوريين عموماً، حيث وجد استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث، أن الأميركيين منقسمون بشدة حول تصوراتهم عن التمييز العنصري. وقال أكثر من 60 في المائة من المحافظين، إن المشكلة الأكبر هي «أن يرى الناس التمييز حيث لا يوجد، بينما يتجاهلونه حيث هو موجود بالفعل». في حين وافق 9 في المائة فقط من الليبراليين على ذلك.

اليسار «التقدمي» سلاح للجمهوريين الأميركيين
> وسط الاستقطاب السياسي الشديد في الساحة الأميركية، يعاني الديمقراطيون انقساماً واضحاً. وفي حين ترفض غالبية الناخبين الأميركيين اتهام أميركا بأنها عنصرية من جذورها، وهذا هو رأي غالبية الناخبين وقاعدة الحزب الديمقراطي نفسه، فإن هذه وجهة نظر يتبناها الجناح اليساري التقدمي في الحزب الديمقراطي. وما يقلق كثرة من الديمقراطيين، أن هذا التفكير الراديكالي يسلم الجمهوريين هدية ثمينة يستخدمونها ذريعةً سياسية. مع هذا نرى أجزاء كبيرة من قاعدة الحزب الديمقراطي، بما في ذلك العديد من الناخبين الملوّنين، تدعو إلى مزيد من النقاش في المدارس حول مدى انتشار العنصرية، ويعتقدون أن مثل هذا النقاش ضرورة تربوية يجب أن تنفصل عن السياسات الحزبية.
مما لا شك فيه أن تصاعد الجدل حول التأثير الحقيقي أو المتصوَّر لنظرية العِرق الحرجة، قد تسارع خلال رئاسة دونالد ترمب، عندما اشتعلت المناقشات حول العنصرية في البلاد بسبب تعليقاته العنصرية وموجة الاحتجاجات التي عمت أرجاء البلاد العام الماضي، على قتل رجل شرطة أبيض لجورج فلويد الرجل الأسود في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا.
وقبل بضعة أسابيع، أعلن الرئيس جو بايدن في مدينة تولسا، أن جريمة قتل المواطنين السود على يد عصابة بيضاء في المدينة قبل قرن كان مدفوعاً بالعنصرية التي أصبحت «متأصلة بشكل منهجي في قوانيننا وثقافتنا». وتابع بايدن، إن أميركا لا يمكنها التظاهر بأن تلك القوانين «لا تؤثر علينا اليوم». وأعلن، من ثم، عن سياسات لتضييق فجوة الثروة التي تفصل بين الأعراق، من خلال مساعدة السود على شراء المنازل ودعم أصحاب الأعمال الصغيرة. وهذه واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه السود، حيث يكاد حصولهم على القروض السكنية من المصارف الخاصة ومن المصارف الفيدرالية الحكومية، شبه مستحيل في ظل نمط من التمييز ذات طابع عرقي واقتصادي واجتماعي.
هذا، ويضيف تقرير «نيويورك تايمز»، أن بعض النقاش حول التعليم كان مدفوعاً بالمشروع الذي أطلق عليه «1619»، نسبة للعام الذي رست فيه أول سفينة تحمل عبيداً على شاطئ ولاية فيرجينيا، الذي يجادل بأنه «أصل أميركا». فقد نما كل شيء تقريباً، من العبودية والعنصرية التي مورست ضد السود وجعلت أميركا استثنائية». ويضيف التقرير، أن اختصاصيي التوعية تبنّوا المناهج الدراسية التي أنشئت جنباً إلى جنب مع المشروع: «استجابة لأمة متغيرة» حيث أصبح غالبية طلاب المدارس العامة الآن من غير البيض. غير أن ما يقرب من 80 في المائة من المعلمين ما زالوا من البيض.
لكن رد الجمهوريين جاء صادماً ومكثفاً؛ إذ أعلن زعيم الأقلية ميتش مأكونيل في مجلس الشيوخ، أنه لا يوافق على أن عام 1619 كان مهماً في تاريخ الولايات المتحدة. ودعا مع أعضاء جمهوريين آخرين إدارة بايدن إلى التخلي عن الجهود التي تبذلها وزارة التعليم لإعطاء الأولوية لدروس التاريخ التي تؤكد على «التهميش المنهجي» الذي مورس على الأقليات. والجدير ذكره، أنه بالتوازي مع البرامج التعليمية الخاصة بمواجهة العنصرية التي عُممت على المؤسسات التعليمية الأميركية منذ عقود، فإن غالبية المؤسسات الأميركية الحكومية والخاصة تطلب من موظفيها الخضوع لدورات تثقيفية وتوجيهية عن أشكال «التمييز» و«التنمر». وتضع تلك المؤسسات قوانين وضوابط لمنعها، حيث يمكن للمخالفين التعرض لعقوبات قد تصل إلى حد الفصل من وظائفهم. وهذه القوانين جرى إقرارها تباعاً، على مدى فترات زمنية في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، وجاءت ثمرة نضالات العديد من قادتها السياسيين من كلا الحزبين. ويرى منتقدو الحزب الجمهوري بنسخته «الترمبية»، أن توجهاته السياسية الحالية، تشكل تراجعاً عن تلك الإنجازات التي شارك الحزب نفسه في تحقيقها، ومنحت الولايات المتحدة سمعتها كحامية ومدافعة عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.